آيبون… تائبون! -51- أول تـعـيـيـن


يستبد بي هاجس التعيين.. أتخيّل عوالم قاتمة منسوجة مما أسمعه ممن سبقوني في مهنة التعليم…

يتقاذفني إحساسان متناقضان : سأتشرف بحمل مشعل أشرف رسالة لأكون رسولة العلم.. وإحساس قاتم أني مقبلة على منفى قسري.. ترى أين يقذف بي التعيين.. وكيف سأتأقلم مع عالمي الجديد؟!

جاء التعيين… تحدَّيْتُ كل المشاعر السلبية.. تماسكت وبدوت أكثر قوة أمام أسرتي التي أرقها أمر تعييني.. تقوت ثقتي بنفسي.. اطمأننت أن الله موجود أينما وليت وجهي… فلم القلق أو الخوف من الغريب..؟!

أوصلني أبي إلى هناك مع زادي البسيط… وبداخلي زاد الثقة في الله والتوكل عليه.. تبددت بعض مخاوفي : الماء موجود.. البقال قريب… الكلاب لا تنبح ولا تطارد إلا الرجال.. الدور بسيطة.. أبوابها مشرعة دائما.. لأن القرية آمنة لا تعرف السرقة.. ومن أعرافها عيب التحاكم إلى المحاكم… فشيوخها الحكماء والفقيه هم الذين يفضون النزاعات كلها بعدل وموضوعية لصالح كل الأطراف خاصة المظلومين… وثمة تضامن فريد مع الأرامل والأيتام وذوي العاهات…

المسجد كان بجواري، وكم أحسست بالأنس بمئذنته الشامخة وبآذانها.. أبي يودعني ليعود وهو يمطرني بالرضا والدعاء.. ولكم أحرقتني دموعه.. مشهد لن أنساه أبدا… شعرت حينها أني طفلة.. لكنني تماسكت وأبيت ألا أذرف دمعي إلا بعد انصرافه..!

قرية نائية بسيطة.. اكتريت غرفة من أرملة وبناتها الشابات… لجأت إلى الله فكان خير أنيس لي… تفانيت في عملي في قسم واحد، حيث شيدت المدرسة لأول مرة على قمة التلال… أحببت تلامذتي وأحبوني… افتتنتُ بمنظر الشروق والغروب والشفق الأحمر والروابي المخضرة ربيعا.. انشغلت بحفظ بعض السور والقراءة والكتابة…!

أفقت يوما مذعورة على دخان كثيف… شب حريق في جزء من الغرفة، لأن ابنة صاحبة الدار خرجت ليلا إلى غرفة أخرى وتركت الشمعة مشتعلة.. أخمدت النار وأنا أحمد الله على لطفه..!

في السقف كان ساكن آخر… ثعبان يبيت الليل كله يزحف… كان يؤرقني وأنا أتخيل حجمه… وكان يطاردني في كوابيس.. لكنني سرعان ما ألفت زحفه.. وكم افتقدته حين قتله بعد عامين…!

لكن مخلوقات قرادية لا ترى بالعين المجردة هزمتني.. وأرقتني.. بل حرمتني النوم لياليَ طويلة، لتما رس علي حربا نفسية قاسية.. إنها قمل الطيور والدجاج المعشش في “الخيمة” كلها… والأغرب أنها لا تؤثر في صاحبات الدار، ربما لاكتسابهن مناعة ضدها… تضامن معي في غسل أثاثي البسيط في النهر عدة مراة.. بيضن الغرفة بالجير.. جربت كل المبيدات الحشرية بلا جدوى.. أصبت بحساسية شديدة في الجلد… تصبرت.. ربما قد أكتسب مناعة ضد ذلك.. لكن الله شاء وما قدر فعل، أن أعيش تلك المعاناة مدة ثلات سنوات…!

ورغم ذلك كله.. تظل تجربتي هناك رائعة في شحذ شخصيتي ومجابهة الصعاب بهمة عالية…!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>