يَا ويْلَ المُعرْقِلين لمسيرة الأمّة من محْكَمة التّاريخ!! ومحكمةِ يومِ الفصْل العظيم!!


الأمة المسلمةُ صُنِعَتْ على عيْن الله عز وجل بهدفٍ خاصٍّ، ولتأدية وظيفة خاصة، أما الهَدَف الخاصّ فيتجلى في قولُ الله تعالى : {وأنّ هذِه أمّتُكُم أمّةً واحدةً وأنا رَبُّكُم فاعبدون}(الأنبياء : 92) أي هدفُها الأول والأخيرُ هو عبادةُ الله عز وجل وحْده لا شريك له، وهو التوحُّد على الإيمان بالله وحْده، والتوحُّد على طاعته وحْده، والتوحُّد على تطبيق شرعه وحْده.

فلا عبادة لصنم أو وثن، ولا عبادة لهوًى مُؤلّهٍ أو إنسان مخبول، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا توحُّدَ على عِرْق أو نعْرة، أو مذْهب، أو عصبيّةٍ، أو قوميّة، أو فلسفة أرضية لا تتجاوَزُ مُشكِل المال وكيفية التسلّط عليه بدون حق.

أمّا الوظيفة الخاصة فهي : الدّعوة لعبادة الله عز وجل بدون شريك تنفيذاً لأمر الله تعالى {ولْتَكُن منكُم أمّة يدْعُون إلى الخير}(آل عمران : 104) وذلك لتحقيق مقْصِدَيْن كبيرين هما :

> تكْريمُ الإنسان وصوْنُه عن الهبوط إلى مستوى عبادة منْ هو مِثْلُه، أو مَن هو أدْنَى منْه كالأصنام والمادة سواء كانت تراباً أو عُمْلاتٍ ذهبية أو فضية أو بنكية.. فذلك كلُّه مسخرٌ للإنسان بفضل الله تعالى أولا، ودون المرتبة الرفيعة التي وضع الله عز وجل الإنسان فيها، وخَلقه من أجلها ثانيا.

> إقامةُ الحُجَّة عليْه حتّى إذا شَقِي في الدّنيا بظُلْمه وانحرافه، وتردَّى في الآخرة بطغيانه وجبروته، لمْ يكن له عُذْرٌ في التهرُّب من مسؤوليته التي حمَّلَه الله إياها بِسبب ما أودَع فيه من عقْل قادر على التمييز بين  هُدى الرحمان وهوى الشيطان {ومَنْ يعش عن ذكر الرحمان نقيّض له شيطانا…}(الزخرف : 36).

إذا كان هدَفُ الأمة المسلمة مرسوماً ربّانِيّاً، وكانتْ وظيفَتُها أمرًا إلزَامِيّاً، ربّانيّا، وتكليفاً إجْباريّاً ربّانيّا، لا عُذْر لأحَدٍ ممن انتسَب للإسلام في التخلِّى عنْهُما، ولا حَقّ لأحَدٍ في مَنْع الأمّة المسلمة من السّعْي الدّائِب لتحقيقهما، إذا كان ذَلِك كذلك فإن التهاوُن فيهما جريمة تستوجبُ المساءلة والحساب، والتخلّي عنهما جريمة فظيعة تستوجبُ الذلةَ والهوان، والسحق والخُسْران {وإنْ تتَوَلَّوْا يسْتَبْدِلْ قوْماً غيْرَكُم ثُمّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُم}(محمد : 39).

أمّا منعُهُما والوقوفُ في وجْه من يدْعو لتحقيقهما فيُعْتبر مُحادَّةً لله والرسول تسْتوجبُ الكبْت والإذْلال والخِزْي والخُسران {إنّ الذِين يُحادُّون اللّه ورسُولَه كُبِتُوا كما كُبِت الذِين من قَبْلِهِم…}(المجادلة : 5) {إنّ الذِين يُحادُّون الله ورسولَه أولئِك في الأذَلِّين}(المجادلة : 20).

وإذا كان بعضُ كبار القوم قد ارتعدَتْ فرائصهم وما هدَأَتْ لمجرِّد الخوف من إشْهار محكمة الجنايات الدولية في حقّهم ورَقَة التوقيف، فكيف بهم، وبكل كِبار القوْم الذين :

< اعتبرُوا الانتماء للإسلام جريمة يعاقِب عليها القانون.

< واعتبروا الدّعوة للإسلام جريمة يعاقب عليها القانون ويُحرم صاحبها من كل حقوقه الإنسانية والمدنية، والسياسية، والاقتصادية..

< واعتبروا التخلُّق بأخْلاق العفة والحشمة وستْر جسد المرأة بالحجاب جريمة تستحق الحرمانَ من التعلّم والتوظيف والمشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية.

< واعتبروا الصّدّ عن سبيل اللّه فوزاً كبيراً برضا كهَنَة الكفر وسَدَنة الطّغْيان.

كيف بهؤلاء :

> إذا قال لهم ملائكة الموت : {أخْرِجُوا أنْفسَكم اليوْم تُجْزون عذَابَ الهُونِ بمِا كُنْتم تقُولُون على اللّه غير الحقّ وكُنْتم عن آياتِه تسْتَكْبرون}(الأنعام : 94).

> وإذا قال لهم الله تعالى : {هذِه جهنّم التي كُنْتُم تُوعَدون اصْلوْها اليومَ بِما كُنْتم تكفُرون اليوم نخْتم على أفْواهِهم وتُكلِّمُنا أيْديهِم وتشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يكْسِبُون}(يس : 64).

كيف بهؤلاء عندما تنْتَصبُ المحكمة الربانية يوم الفصل والقضاء، وتحضر الشهود ليْس من الأرض والسماء والملائكة والأنبياء والدّعاةِ والمظلومين فقط، ولكن مِن سمْع الإنسان، وبصَره، وقلْبه، وجُلوده، وجميع جوارِحه {حتّى إذا ما جَاءُوها شَهِد علَيْهم سمْعهُم وأبْصَارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يعْملُون}(فصلت : 19).

كيف بهم إذا وُوجِهُوا بتُهَم :

< حِرْمان الإنسانية من نور الهداية ونعمة الإسلام.

< تغْريب الإسلام في المجتمعات المسلمة، فلا تعليمَ للإسلام الصحيح في المدارس، والمعاهد، والمساجد، والجامعات والكليات العامة والخاصة.

< تغريب الإسلام في الاقتصاد والسياسة والثقافة.

< تغريب الإسلام في الأُسَر والبيوت والمحاكم والشارع.

< تغريب الإسلام في الإعلام المسْمُوع والمكتوب والمرئِىّ.

< تغريب الإسلام في الولاءِ حيث أصبح الانتماء لأعداء الله وأعداء الدين والملة صارخاً.

< تغريب الإسلام في التجمّعات القطرية والإقليمية والمحلية والعالمية.

< تغريب الإسلام في التّعبئات العامّة والخاصّة للتوعية والدفاع عن القضايا الكبرى للأوطان والشعوب المسلمة.

خصوصاً وأن هذا التغريبَ والتّغْييبَ للإسلام نتج عنه ما يلي :

1) غيابُ الأمْن النّفْسِي والرُّوحي والاجتماعي والسياسي والقضائي لأن الأمْن الحقيقيّ هو في كَنَف الإسلام {الذِين  آمَنُوا ولمْ يلْبِسُوا إيمانَهُم بظُلم أُولئِك لهم الأمْن وهُم مُهْتدون}(الأنعام : 83).

2) غياب الأمن الغذائي الذي تفاقَمتْ مشَاكِله في انفجار طُوفان البطالة، وانْحِباس الأمطار، وغلبة الأثرة {ومَنْ يتَّقِ اللّه يجعَل له مخْرجاً ويرزُقْه من حيثُ لا يحْتسِب}(الطلاق : 2).

3) الحِرمان من ولاية الله تعالى الكفيلة بحلِّ كل الأزمات {إنّ الذِين قالُوا ربُّنا اللّه ثمّ اسْتَقَامُوا تتنزّلُ عليْهم الملائِكَةُ ألاّ تخافُوا ولا تحْزَنُوا وأبْشِرُوا بالجنّة التي كُنْتُم تُوعَدُون نحْنُ أوْلِيَاؤُكُم في الحياة الدّنّيا وفي الآخرة}(فصلت : 30).

هذه فقط بعضُ نتائجِ تغْىيب الإسلام وتغْرِيبِه في الحياة الإجتماعية الخاصة والعامة، وهي نتائج خطيرة جدّاً تجرّعَت الشعوب المسلمة مرارتها منذ قرُون وعقود، ولا زالتْ لحدّ الساعة تتجرّعُ مرارتها على يدِ نُخبٍ فِكْريّة وسياسيّة غير مبالية تماماً بالمحكمة الرّبانية التي يقول الله عز وجل فيها : {ولوْ ترَى إذِ الظّالِمون موْقُوفُون عِنْد ربّهم يرْجعُ بعضُهم إلى بعْض القولَ يقُول الذِين استْضْعِفُوا للذِين اسْتكْبرُوا لوْلاً أنْتم لكُنّا مومنين قال الذين استَكْبَرُوا للذين استُضعِفوا أنحن صدَدْناكم عن الهُدَى بعد إذْ جاءكُم بلْ كُنْتم مُجْرمين، وقال الذين استُضْعِفوا للذين استَكْبروا بل مكْر اللّيل والنّهار إذ تامُرُوننا أن نكْفُر باللّه ونجْعل له أنْدادا وأسَرّوا النّدامة لمّا رأوْا العذاب وجعلْنا الأغلالَ في أعْناق الذين كَفَرُوا هلْ يُجْزون إلاّ ما كانُوا يعْمَلُون}(سبأ : 31- 33).

هذه بعض ملامح المحكمة الربانية، أما المحكمة التاريخية التي أصْدرتْ حكمَها في الحجّاج وأسياده، وفي السّفّاح المبير(1)، وفي الحاكِم بأمْره، وفي عُمَلاء هُولاَكُو وجانكيزخان، وسبستيان، وفي الذين سلَّمُوا الأندلس والفليبين والشيشان وأذربيجان وزنجبار وغيرها لراية الكفر بعد أن كانت تعيش آمنة  في نعمة الإسلام… فإن هذه المحكمة نفسَها ستُصْدِر أحكاما في الذين أشعَلُوا نار الفِتَن في الأمة الإسلامية بسَبَب استيراد منَاهج الكفر وإرغام الأجيال على اعتناقها، وبسبب إشعال نار الحروب في العالم الإسلامي وخصوصاً الحروب الخليجية التي أتتْ على الأخضر واليابس، وبسَبَب المتاجرة الخسيسة في القضية الفلسطينية وانعدام العزم على استرجاع الأقصى.. إلى ما لا يُعَدُّ ولا يُحصى من الكبْت للحريات، والاستئثار بالثروات وتزوير الإرادات، وتجريئ المسلم على التمرّد على الله عز وجل في العقيدة والشريعة والحكمة، والترخيص لممارسة الحرام عِياناً بياناً، والسماح بتدريس فلسفة الكفر والمادة لمَحْو هَيْبَة الله عز وجل وهيْبة دينه في النفوس تمهيداً لإهالة التراب على الروح التي هي أساسُ عزة الإنسان، وعُنوان شرفه وكرامته… الأمْر الذي جعل الأمة ترجع إلى الوراء مادِّيّا وروحيّاً وخلقيّاً واقتصاديا وسياسيّا وأمْنيّا وإنسانيّا، بلْ وابتعاداً بمسافاتٍ بعيدة عن الجاهلية الأولى، وسقوطاً في الجاهلية القاتلة للإنسان بدون رحمة، والمُهينة للإنسان بدون تأنيب ضمير أو وازع أخلاقي صارخ.

فهل يظُنّ المغفّلون أن قَلَم التاريخ تكسّر أو توقف عن التسجيل والتدوين لكل الكوارث التي جَعَلتْ الأمّة المسلمة يخِفُّ وزنها على كل صعيد؟!

إن محكمة التاريخ مفتوحة مهما تستَّر المغفلون عن جرائمهم، فالزمان كفيل بفضحها وإخراجها للأجيال، ويا ويْل المغفلين من لعنات الأجيال إذا لم يتُوبوا ويُصْلِحُوا، ويا ويْلَهم من محكمة الفصل يوْم الفصل {وما أدْراك ما يوْم الفصْل ويْلٌ يومئِذٍ للمكذِّبين}(المرسلات : 15) {هذاَ يوْمُ لا ينْطِقُون ولا يُوذَنُ لهم فيَعْتذِرون، ويْلٌ يوْمئذٍ للمكذِّبين، هذا يوْم الفصْلِ جمعْناكُم والأوّلِين فإنْ كان لكُمْ كَىْدٌ فكِيدُون}(المرسلات : 35- 39).

1- أول خلفاء بني العباس.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *