مع كتاب الله عز وجل -26- تفسير سورة الطلاق


{لا يكلف الله نفسا  إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا}

فــرائض الإسـلام ليست للعــاطـلـيـن فقط بـدعوى وجــود الـمـشـقـة

مازلنا مع الآية {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} التي ترفع عن المسلم المشقة الشرعية التي من شأنها عدم الإطاقة أو عدم الاستمرار، فمثلا {إن الصلاة كانت على المومنين كتابا موقوتا} ففي الصلاة مشقة ولكن مقدور  عليها خصوصا وأنت طالبٌ، وأنت تُحَصِّل العلم، وإذا جاء رمضان وأنت في ديار الغربة، فلا يُرفع عنك الصوم أبدا، بدعوى أنك تطْلُب العلم، فلا تصوم أبدا، لا عذر هنا ولا مشقة لابد من الصيام حتى لا يصير دينُنا فيما بعد دين العاطلين، تُعْفي الرخَصُ من كان طالبا في الجامعة، أو كان عاملا في المعمل، أو في المكتب، فالصيام ليس فرضا على العاطلين والذين لا شغل لهم، والفلاح لا يصوم لأنه ينتج لنا ما نأكل، والذين يشتغلون في المواصلات وفي الطائرات لا يصومون كل من لديه شغل لا يصوم بدعوى المشقة.

فالمشاق موجودة، ومع ذلك فالناس لا يهتمون بها في دنياهم كما قال بعض الفقهاء أو العلماء ، إذا كنت في بيتك وقدمت لشخص فنجان قهوة أو كأس شاي فيه من المشقة أكثر مما إذا قمت لتصلي أربع ركعات.

إذن الصلاةُ أسهل من إعداد الشاي، ومع ذلك فإن الناس لا يقولون إن صنع الشاي شاق يجب أن نتركه لأنه أمرٌ  مألوف، فلو التفت الناس إلى المشاق ما فعلوا أي شيء لأنه لا يوجد شيء في الدنيا بدون مشقة، من أراد أن يأتي أهله بطعام فلابد له من مشقة، ومن أراد أن يشتري أو يبيع فلابد من مشقة والمشاق ربما تتزايد بحسب أهمية الأعمال التي يقوم بها ومع ذلك فالناس ،لا يهتمون بهذا الأمر ولا يتركون أعمالهم لأن فيها مشقة بل على العكس يقولون إن الذي لا يقوم بهذه الأعمال الدنيوية يسمونه  كسولا وخاملا وفاشلا وباردا،وغير صالح للحياة. أي يعيبون على الذي يعجز عن الدنيا إذن ويعتبرونه لا يستحق الإعانة والشفقة.

الـمــشقـة الـمـرفـوعـة -فـي الشـرع- هــي التـي لا يُـقْـدَر علـيـها

ما هي المشقة التي يرفعها الشرع عنا؟ ولا يريدها لنا، إنها المشقة غير المعتادة  أي التي تؤذي المداومة عليها إلى الانقطاع عنها كلها أو بعضها أو تؤدي إلى خلل في نفس المكلف أو ماله أما المشقة المعتادة فلا نسميها مشقة.

فخمس صلوات في أربع وعشرين ساعة ليس فيها مشقة، وصيام شهر في السنة ليس فيه مشقة، ولكن صيام الدّهر فيه مشقة، وكذلك عدم النوم بالليل كله فيه مشقة، وهكذا… وكذلك إعطاء المال كله صدقة فيه مشقة وإن كان أبو بكر رضي الله عنه فعله، فإنما فعله مرة واحدة أو مرتين، وعمر رضي الله عنه أتى بنصف ماله أيضا في غزوة تبوك ولكن مرة واحدة، وإنما المعتادُ بدون مشقة عُشُر المال أو نصفُ العُشر، أو ربُعه، وهكذا، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها.

فإذا حثثت الناس على التصدق فاذكر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم  لسعد بن أبي وقاص الذي قال له يا رسول الله : أتصدق بمالي كله، فقال : لا، فقال أريد أن أتصدق بشطر من مالي، فقال : لا، قال : فالثلث، قال : نعم، والثلث كثير لأن تذَر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس.

هذا هو التشريع، الثلث كثير، تعطي الثلث صدقة وتستبقي الثلثين وتستمر حياتك، وتجدِّد نشاطك، وتستعيد ما أعطيتَه في سبيل الله، وتلبي حاجة المسلمين، فلا أنت أخلَلْت بواجب الإنفاق في سبيل الله، ولا أنت أضْرَرْت بنفسك.

هذا هو التشريع الذي تقوله للناس.

إن التشريع من شأنه أن لا يشتمل على مشقة، والمشقة هي التي تؤدي إلى الانقطاع عن العمل أو الانقطاع عن العبادة كلها.

هذا هو الأمرُ الذي رُفع عنا ومع ذلك كما قلت إن كثيرا من الناس يستغلون هذه الآيات {لا يُكَلِّف اللهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا} استغلالا سيئا ويجعلونها ذريعة إلى ترك كُلّ عمل فيه نوعٌ من الجُهْد والمشقة.

هذه الآية فينا مظلومة كلما أراد إنسان أن يتقاعس عن واجب، إو أراد أن يترك شرع الله، أو أراد أن يتخفَّف من شريعة الله قال: {لا يُكَلِّف اللهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا} وأنت لم تبْذُل وُسْعك، فالإنسان الذي يؤدي صلاته هلْ لدَيْه الحقّ بأن يستدل بهذه الآية؟! هل قُمْتَ للصلاة فوجدت أن حالتك وظروفك وكُلَّ شيء يمنعك؟! إذا أردت أن تصلي سيَتَهَدَّم جسمك مثلا؟! لا؟! كل ما فيك مجرد كسل، بدليل أن أخاك قام، وأنت لم تقم قط، إذا أنت أعطيت حقوق الله جميعها خصوصا الحقوق المالية أعطيت الزكاة مثلا، وتصدقت ببعض الصدقات فلا يضرك شيء.

أما أن تبخل بمالك، وتقول : {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.

فالأصل في الشريعة هو انتفاء المشقة، وانتفاء التضييق وشريعتنا يكلف فيها المومن بما يطيق وبما يستطيع.

والمهم هو أن يحاول تفجير جميع الطاقات فيه ويستعمل جميع الإمكانيات فيه وأن لا يتقاعس ويتخذ للآيات حجة وذريعة للكسل وإلى التراخي وهؤلاء الكسالى هم الذين لهم إصرار ألاّ يسمو إلى درجة الأمر الشرعي.

اتهامُ الفقهاء بالتشدد في الثوابت الميسَّرة

هـو اتهامٌ  للـشـريعة بالعسـر ظلما وزوراً

كثير من الناس يقال لهم الاختلاط بين النساء والرجال لا يجوز.

هذا التعري لا يجوز.

هذه الحفلات المختلطة لا تجوز.

وهذه الأعراس الفاسقة الداعرة لا تجوز.

هذا التقديم للرُّشى والأموال إلى الموظفين لا يجوز.

إلى غير ذلك فيقول قائلون  إن هذا الفقيه متشدد.

من قال هذا فهو لم يَتَّهِمْ الفقيه وإنما اتهم الشريعة  الإسلامية بأنها غير صالحة.

كثير من الناس لا يستطيعون أن يقولوا إن الشرع غير صالح، بل يقول الفقيهُ غير صالح، إذا كان هذا الفقيه يخبرك بحكم قارٍّ في الشريعة الإسلامية فاتهامه بالتشدُّد هو اتهامٌ للشريعة الإسلامية بالتشدد والمشقة.

إذن فكثير مما يسمى تشددا وتعصبا إنما هو أحكامٌ شرعية قارة، والنفوس، قادرة على أن تَسْمُو عليها وتفعلها بنشاط إيماني عميق، فهذه لا نعمل على إلغائها، بدعوى ترك التشديد في الشريعة الإسلامية.

لا، هذا اتجاه خطأ هو اتجاه المنافقين نسأل الله عز وجل أن يطهر قلوبنا من النفاق.

وإذا أتينا إلى مسألة السباحة المختلطة في البحر وقال الفقيه : إنها حرام، أيْ هو لا يحرِّم السباحة، ولا الذهاب للشاطئ، وإنما يُحرِّم الاختلاط العاري، فهنا يقول البطّالون اللاّهون هذا فقيه متشدد، معنى هذا أن الشريعة غير صالحة لأنها متشددة في الحفاظ على الأعراض والأخلاق.

وما يضير الرجال إذا سبحوا مع الرجال ساترين ما بين سُررِهم ورُكَبِهم؟! وما يضير النساء إذا سبحّن مع النساء ساتراتٍ هنّ أيضا عوراتهن؟!

ولكن الواقع المؤسف أن النّاس استحْلتْ التعري والانحلال!!

والواقع المؤسف أيضا أن خُلُوّ المساجد من الدروس اليومية، وتقاعس العلماء عن القيام بواجبهم هو الذي فتح المجال واسعاً أمام استئساد المنكر، واستفحال خطره.

فالأحكام القطعية لا يوجد فيها تشدُّدٌ أبدا، وإن شكك فيها البعض وجادل فيها بغير حق بغية تهديم الشريعة، مثال ذلك :

> المجادلة في حُكْم المرتد، مستدلين بقوله تعالى : {فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر} فهذا استدلال ليس في محله، لأن الآية تخاطب الناس قبل الاختيار، وقبل الدخول للإسلام، فإذا دخل إلى الإسلام فقد قبِل أحكام الإسلام، وأحكامه تنص على أن المرتد يقتل، لأن الإنسان قبل الدخول للإسلام يسمى كافراً، أما إذا خرج منه فيسمى مرتداً، ولكل حكم، وهناك حكم المنافق، وحكم الفاسق، وحكم العاصي…

> وهكذا يوجد المجادلون في قطع يد السارق، مع أنهم لا يجادلون في قطع الطبيب لرِجْل المريض أو يده، إذا كان لا علاج لها.

لأن المقصود في قطع اليد هو إزالة الجريمة من المجتمع أما المجادلون فبالرغم من أنهم يرَوْن أن السرقة تزداد استفحالا رغم القوانين والعقوبات المتعددة الأنواع، ومع ذلك يجادلون فقط بدون فهْم لمقاصد الإسلام وغاياته، بل ينظرون إلى الأسباب فقط.

> ونفس الشيء في حُدُود أخرى كحد الزنا والخمر..

مع أن الشريعة تمضي وتسير على قواعد مضبوطة منها : >المشَقّة تجْلُبُ التّيْسير< و>الأمْرُ إذا ضَاقَ اتّسَعَ< أي لا نذهَبُ للتيسير مباشرة ولكن ننتظر حتى تقع المشقة، والأمْرُ إذا ضاق بالأحكام غير المطاقة اتسع بالرخص، فالإنسان إذا صعُب عليه القيام في الصلاة لمرض لجأ إلى الترخيص بالجلوس، أو الاتكاء، أو بالإشارة فقط… وهكذا.

وهذا من أعظم الرحمات الموجودة في الشريعة الاسلامية.

ثم قال الله تعالى : {سيجْعَل الله بعْد عُسْرٍ يُسْرا} أي بعْدَ العُسْر المطلق لا ينتظر المسلمون إلا اليُسْر والفرج، وتاريخ الأمة الإسلامية يشهد بهذا اليسر الذي جاء بعد العسر المطلق، مما سنشير إليه إن شاء الله في الحلقة المقبلة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *