تعقيبات (1)


الحصار آخر سَهْم في جُعْبة الكفار العاملين على اسْتئصال الدّعوة بتصْفية رئِيسها

لقد سلكَ الكفارُ بمكة عدة طرق لإخراس صوت الدّعوة، على رأسها :

1) محاولةُ إبْعاد أبي طالب -عم الرسول صلى الله عليه وسلم- عن مناصرة وحماية ابن أخيه وهو يدعو إلى الله تعالى : سواءٌ بطلبهم منه أن ينْهاه عن سبِّ الآباء والأجداد وعيْب دينه، أو بطلَبِهم أن يأتوه ببَدِيل لمحمد صلى الله عليه وسلم ويُسَلّم إليهم ابن أخيه ليقتلوه.

وقد كان ذلك معجزةٌ عظيمةُ أن يتولّى أبو طالب حمايةَ ابن أخيه وهو يعيبُ دينَه، ودين آبائه وأجداده، ويدعو لدين يُضَادُّ ما عليه أبو طالب طولا وعرْضا، بل كان أبو طالب يُصَدِّقه فيما يقول ولا يؤمِن به -لحكمة يعلمها الله تعالى- بلْ ويوصي ولدَهُ عليّاً باتباعه. إنها معجزة تُشبه -من قريب أو بعيد- معجزة موسى عليه السلام الذي تربّى في دار عَدُوِّه فرعَوْن، فربّاه وأطعمه رغماً عن أنفِه، ألاَ ما أعْجز البشَر!! وما أعْظم حِكمة الله في حمايةِ دينه!!

2) مقاومة الدّعوة فكــريا : بمحاولة :

أ- الطعن في القرآن : الذي عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، فقالوا : أسَاطِيرُ الأوَّلِين اكْتتَبها فهي تُمْلى عليه بُكرة وأصيلاً، وقالوا : إفكٌ افْتَراه وأعانَهُ عليه قوم آخرون، وقالوا : بلْ أضْغاثُ أحْلام، بل افْتراه -أي اختلقَه من عِنْده- إلى غير ذلك من المقولات التي لا تخرُجُ عن هذا الادّعاء.

ب- الطعن في الـرسول صلى الله عليه وسلم : بقولهم : شاعرٌ، كاهِنٌ، مجْنُون، وأخيراً استقرّ رأْيُهم على الادّعاء بأنه ساحُرٌ بدون تمتمَةٍ ولا عُقَدٍ، ولا نَفْثٍ في العُقد، وإنما هو سحْرٌ خاصٌّ مأثُور، هو سِحْرٌ قوْلِيٌّ يسْتطِيعُ صاحِبُه ومُتعاطيه أن يجْذِب به، ويفْتِن به كلّ من استمع إليه، ولهذا كان الاحتياط المُتواصَى به : ألا يجْلِسُوا إليه ولا يسْتَمِعوا إليه، حتى لا يُسْحَرُوا.

ولقد عمِل إعْلام قريْش على نشْرِ سحْر محمد صلى الله عليه وسلم وجُنُونه بين القبائل حتى وصل الأمْرُ إلى أحَدِ المشهورين بمعالجة الجنون، وهو ضِماد الأزْديّ، فتطَوَّع لمعالجة الرّسول صلى الله عليه وسلم، وعندما جاء إليه، قال : يا محمد إنّى أرْقِي من هذا الريح، وإن الله يشْفي على يَدي من شاء، فهلْ لك؟!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : >إن الحَمْد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد< فقال ضِماد : أعِدْ عليّ كلماتِك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، وعندما وعى هذه الكلمات قال : >لقد سمعتُ قوْل الكهنة، وقوْل السحرة، وقول الشعراء، فما سمعتُ مثل كلماتك هؤلاء، ولَقَد بلغْن قامُوسَ البحْر< أي قَعْره الأقصى، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هاتِ يَدَك أُبَايِعْك على الإسلام، فبَايَعَه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم >وعلَى قوْمِك< قال : وعلى قومي.

وهكذا جاء معالجاً فانقلب مسلما داعياً إلى الله تعالى، كما جاء الطفيل بن عمرو الدّوْسِي خائفاً من سحر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى وضع -من شدة الخوف- الكُرسف في أذنه كي لا يسمع كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فيُسحر، فانقلَب إلى قبيلته وأهله مسلما داعيا، ومن هذا القبيل قُدوم أبي ذر رضي الله عنه للاستفسار والتيقُّن مما يسْمع من الدعايات ضد الرّسول المبعوث، لأن أبا ذر كان من الحنفاء الذين لا يعبدون الأصنام، وينتظرون بعثة الرسول الخاتم، فعندما التقى بالرسول صلى الله عليه وسلم وسَمِع منه، علم أنه رسولُ حق، فآمَن وانقلب -أيضا- داعياً قبيلته للإسلام، بعدما صرَخ بالشهادتين وسط الملإ من قريش مرات عديدةً غير خائف منهم ولا وجلٍ، بل متحديا لهم.

وكان لقريش شيخٌ مُحْترم معَظَّمٌ هو الحُصَيْن -والدِ عِمْران رضي الله عنه الذي كان مسلما وفي وسط المسلمين -فجاءوا بهذا الشيخ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجلسوا قريبا من باب النبي، ثم قالوا : >أوْسِعُوا للشّيخ< أي افتحوا له الطريق لتكْليم الرسول صلى الله عليه وسلم وإفْحامه.

فقال الحصين : ما هذا الذي بلغنا عنك؟! بلغنا أنك تشتم آلهتنا، وتذْكُرهم -يعني بسوء- وقد كان أبوكَ حَصِينةً -عاقلا- وخيرا؟!

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم له : >يا حُصَيْن كَمْ تعْبُدُ من إله؟!>

قال الحصين : >سَبْعاً في الأرْضِ وواحِداً في السّماء<.

فقال صلى الله عليه وسلم : >إذاَ أصَابَك الضُّرُّ من تدْعُو؟< قال : الذي في السماء، >وإذا هلَك المَالُ مَنْ تَدْعُو؟!< قال : الذي في السماء.

قال صلى الله عليه وسلم : >فيَسْتَجِيبُ لكَ وحْدَهُ وتُشْرِكُهُم معَهُ، أرضِيتَهُ فِي الشُّكْر أمْ تخافُ أنْ يُغْلب عليْك؟!< أي تتخذ الآلهة السبعة احتياطاً.

قال الحصين : ولا واحدة من هاتَيْن.

قال صلى الله عليه وسلم : >>وعَلِمت أنِّي لمْ أكَلِّم مثْلَهُ< أي أني لا أكلِّم غير الذي في السماء. >يا حُصَيْن أسْلِم تَسْلَم<.

قال الحصين : إن لي قوماً وعشيرةً، فماذا أقول؟! قال صلى الله عليه وسلم : قل : >اللّهم أسْتهْدِيك لأرْشَدِ أمْرِي وزِدْنِي علْماً ينْفَعُنى< فقالها، فلم يقم حتى أسْلَم فقام إليه ولدُه عمران فقَبَّلَ رأسَهُ ويَدَيْه ورجْلَىْه، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكَى، وقال : >بكَيْتُ مِنْ صَنِيع عِمْران، دخَلَ حُصَيْن -وهو كافر- فلمْ يقُمْ إليه عِمْران، ولم يلْتَفِتْ ناحِيَتَه، فلمَّا أسْلَم قَضَى حَقَّهُ، فدَخَلنِي مِن ذلِك الرّقّةُ<.

فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه : >قُومُوا فشَيِّعُوهُ إلى منْزِلِه<.

فلما خرج من سُدّة الباب رأته قريش، فقالوا : صَبأ، وتفرقوا عنه.

وهكذا كلما كادوا كيداً ردّه الله تعالى في نحورهم.

جـ- الطعن السخيف في السُّلوك البشريّ للرسول صلى الله عليه وسلم : حيْثُ خَيّلتْ لهُم تفَاهة تفكيرهم أن الرسول لا ينبغي أن يكون مثل جميع الناس، يأكُل، ويتزوج، ويمشي في الأسواق، ويجوع ويشبع، ويفرح ويغضب ليُعْطيَ القُدوة للناس في كل مجال حتى يستطيع الناس محاكاتِه بيُسْر وسهولة، >وقَالُوا مالِ هذاَ الرّسُول يأْكُلُ الطّعامَ ويمْشِي في الأسْواقِ لوْلاَ أنْزِلَ إلَيْه ملكٌ فيكُون معَه نَذِيراً أو يُلْقَى إليْه كنْزٌ أو تُكُون له جنّةٌ يأْكُلُ منها؟ وقال الظّالمون إن تتّبعون إلاّ رجُلاً مسْحُوراً}(الفرقان : 8).

اعتراض مكرُورٌ ردّدَته البشرية التافهة عن كل رسول، إذْ عقولهم الطينية لا تفهَمُ كيف يمكن أن يكون فلان بن فلان رسولا من عند الله يُوحَى إليه مع أنه مِثْلهم يأكل كما ياكلون، ويشرب كما يشربون، ويعيش كما يعيشون، ولا يُوحَى لهم بشيء مما يوحى إليه؟! فلا يفهمون أن ذلك تكريم إلهي خاص، واصطفاء ربّانيٌّ خاص لتعليم البشر على يد رسول مُعَلّمٍ!!

3) ا لاستعانة باليهود : فعندما أعْياهُم الإعلامُ السخيف المشوه للدعوة فكراً وطعنا وحطا من قدْر الوحي والرسول الموحى إليه، رأوا أن يستعينوا باليهود لا طلبا للهدى ومعرفة الحق، ولكن قصْد الإعْناتِ والإعجاز والتسفيه، ولذلك عندما طلب منهم أن يسألوه عن فتية الكهف، والرجل الطوّاف، والروح، جاءهم الجواب بالتفصيل الدقيق مع التوجيهات الربانية المطلوب الاتعاظ بها والاعتبار.

ولكنهُم ما التفتوا لقصة الفتية، ولا لقصة ذي القرنين، ولا لحقيقة الروح، وإنما أعرضوا عن ذلك إعراضاً كُلّيا مما يدُل على سفاهة عقول المعاندين المتكبرين الذين طبع الله على قلوبهم، بسبب الاعوجاج الذي تأصل في الفطرة المصابة بمَرَضِ الأنَا، والتسلط، والطغيان الأعمى.

-يتبع-

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *