مشكلة الأطفال المتخلى عنهم والحلول المطروحة لحلها


يعرف المجتمع المغربي في هذه السنين الأخيرة ظاهرة غريبة عن تقاليده الإسلامية خطيرة على مستقبل أجياله القادمة

إنها ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم الذين يرمون في الشوارع أو يتركون في مراكز الولادة بعد فرار أقرب الناس إليهم، وأحق الناس برعايتهم وتربيتهم، يهربن من الفضيحة والعار، ويتركن فلذات أكبادهن وحدهم يلاقون المصير المجهول.

وإذا كانت أسباب هذه الظاهرة معروفة لا يستطيع أحد إخفاءها، وتبريرها والدفاع عنها فإن الحلول المقترحة لحلها حظيت بعناية كبيرة، واهتمام واسع على الصعيد الرسمي والجمعوي. وهي حلول تحتاج إلى دراسة شرعية معمقة لمعرفة موقف الإسلام منها ورأيه فيها، وهذا ما نحاول التعرف عليه والتعريف به من خلال هذا البحث

الحل الأول :

يقوم هذا الحل على محاولة التعرف على آبائهم الطبيعيين والحاقهم بهم بقوة القضاء، أو ترغيبهم في الاعتراف بهم، واستلحاقهم باختيارهم وإرادرتهم.

وهو حل مازال البعض يتشبث به ويدعو إليه ويحرص على تقنينه رغم مخالفته للمبادئ العامة، المعلومة من الدين بالضرورة في الشريعة الإسلامية من أن ولد الزنا لا يلحق بالزاني، ولا يصح استلحاقه إذا رغب في ذلك الزاني بإرادته واختياره، استنادا إلى الأحاديث الصحيحة التالية :

> الحديث الأول :  حديث ((الولد للفراش وللعاهر الحجر))(رواه البخاري وغيره) الفتح 172/13.

والحجة فيه من وجهين :

أولا : حصر النسب في الفراش في قوله ((الولد للفراش)) هكذا بصيغة الحصر، أي ليس الولد إ لا للفراش للقاعدة البلاغية والأصولية أن تعريف المبتدأ بأل يفيد الحصر، على حد، الحمد لله

وثانيا : في قوله : ((وللعاهر الحجر)) بصيغة الحصر أيضا على حد قوله تعالى {لله الأمر من قبل ومن بعد} للقاعدة السابقة المفيدة أنه ليس للزاني إلا الحجر ولا نسب له في الولد، وهي تأكيد لما أفادته الجملة الأولى من حصر النسب في الفراش، وهو الزواج أو ملك اليمين.

> الحديث الثاني : حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قال : ((يا رسول الله إن فلانا ابني عاهرت بأمه في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش وللعاهر الحجر))(رواه أبو داود) وهومثل الذي قبله في وجوه الدلالة أيضا.

> الحديث الثالث : حديث الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ((أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا، لا يرث ولا يورث))(رواه الترمذي 290/3) وا لحديث صريح في نفي نسب ابن الزنا ونفي إرثه وتوريثه.

> الحديث الرابع : حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال : ((لا مساعاة في الإسلام، من ساعى في الجاهلية فقد لحن بعصبته، ومن ادعى ولدا من غير رشدة فلا يرث ولا يورث))(رواه أبو داود، معالم السنن 235/3).

فهذه الأحاديث خصوص صريحة في أن ولد الزنا لا يلحق بالزاني، ولا يصح استلحاقه، وهو مجمع عليه كما قال ابن عبد البر في التمهيد 90/8 ونحوه للشافعي الأم 365/4.

وكذلك اللقيط لا يصح استلحاقه إلا ببينة  تشهد للأب بنسبه أو قيام قرينة قوية تدل على صدقه في دعواه أبوته له على المعروف في الفقه المالكي.

وأما الأم فحكى ابن المنذر الإجماع على أنها لا يصح استلحاقها ونقله بناء وأقره.

ولكن ابن سلمون حكى ثلاثة أقوال في استلحاقها اللقيط فقيل يصح استلحاقها وقيل لا وقيل إن اعترفت به من زنا وحدت لحقها وإلا فلا.

الحل الثاني :

يقوم هذا الحل على إعطائهم أبا غير أبيهم الطبيعي الذي لا يعرف وينسبون في الأوراق الرسمية والحالة المدنية إلى اسم عبد الله يقال له : ابن عبد الله، أو أبوه عبد الله.

وهو حل يدعو إليه البعض وتتبناه بعض الجهات ويبرورنه بما يلي :

– أن من شأن ذلك تسهيل إدماجهم في المجتمع الذي يعيشون فيه، وإزاحة العراقل التي تواجههم في الإدارات والمصالح العمومية.

– أن الأب الطبيعي في هذه الحالات هو في الحقيقة عبد من عباد الله، فإذا قيل فيه : أبوه عبد الله أو ابن عبد الله لم يكن في ذلك خروج عن الحقيقة.

إلا أنه رغم هذا التوجيه ورغم ما يمكن أن يضاف لذلك ويقال في تبرير هذا العمل، فإنه لا يصلح مبررا لارتكاب محظور شرعا ولا يجوز بحال من الأحوال كما يدل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس الصحيح والقواعد العامة للشريعة الإسلامية كما يتبين ذلك مما يلي :

1- قوله تعالى : {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم}(الأحزاب : 4).

فهي نص صريح في منع دعاء الإنسان لغير أبيه في حال جهل الأب فأحرى إذا لم يكن له أب.

2- قوله صلى الله عليه وسلم ((كفى بامرئ ادعاء نسب لا يعرفه أو جحده وإن قل))(صحيح ابن ماجة 118/2).

3- حديث عمرو بن خارجة ((… ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل))(صحيح ابن ماجة 112/2).

4- القياس على ابن الملاعنة، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في امرأة هلال بن أميّة حين لاعن بينهما أن لا يدعي ولدها لأب))(رواه أبو داود 277/2).

هكذا بصيغة العموم أن لا يدعي لأب، أيّ أب كان، الملاعن أو غيره، لأن النكرة في سياق النفي للعموم.

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما ((أنه صلى الله عليه وسلم فرق بينهما وألحق الولد بأمه))(البخاري بشرح الفتح 460/9). وفي رواية ((وكان الولد يدعى لأمه)).

فهذه الأحاديث تدل كلها على أن ابن الملاعنة لا يجوز نسبته لأي أب، وأنه ينسب لأمه فقط، وإذا كان هذا حكم ابن اللعان فإن ابن الزنا واللقيط أولى وأحرى بأن لا ينسب لأب حقيقي أو صوري وإنما ينسب لأمه.

5- أن في ذلك شهادة زور والعمل به، فإن نسبته إلى أب وهو لا أب له هو كذب وزور.

6- أن في ذلك تدليسا واخفاء للحقيقة التي من حق الجميع أن يعلمها عن ذلك المولود لمعاملته ومصاهرته ولما يترتب على ذلك من أحكام فقهية تتعلق بمجهول النسب وابن الزنا في الفقه الإسلامي، وكمثال على ذلك :

– ثبوت خيار الرد لمن تزوج امرأة تبين أنها ابنة زنا، أو تزوجت رجلا تظنه نسبيا فإذا هو ابن زنا.

– رد شهادته في الزنا وعدم قبولها وإن كان عدلا.

– اتخاذه إماما في الصلاة.

وغير ذلك من الأحكام التي يتوقف تطبيقها على معرفة حاله، لذلك يجب كشفه ولا يجوز التستر عليه.

7- أن في ذلك تبييض الأنساب، وهو أشد خطورة من تبييض الأموال الذي يستنكره العالم ويعاقب عليه، فهل الأموال أهم وأشرف من الأنساب؟ وهل هي أحق بمعرفة أصولها ومصادرها من النسب؟

8- أن ذلك يشجع على ارتكاب الفاحشة وانتشارها، ويهدد الأمة بمزيد من اللقطاء وأبناء الزنا، فإن المرأة غير العفيفة إذا علمت أن ولدها سيلقى العناية والرعاية التي لا يلقاها الأبناء الشرعيون ولا يشار إليه ولا إليها بسوء في نسبهم لم يبق أمامها ما يمنعها من ارتكاب الفاحشة والاستمتاع بلذاتها، ثم التخلص من عواقبها بإلقاء طفلها في الشارع أو حمله بين ذراعيها إلى مركز رعاية المتخلى عنهم وهي آمنة مطمئنة على مستقبله، وتترك المصائب والأهوال للأم الشرعية والمرأة العفيفة تتجرع سموم منع الحمل، والتعرض لمخاطر الإجهاض خوفا على ولدها الشرعي أن لا تجد له حليبا أو لا يجد مدرسة أو عملا.

9- قلة الفائدة أو انعدامها من هذه العملية، فإن الولد اللقيط أو ابن الزنا عندما لا يجد له أبا في واقع الحياة، ولا جدا ولا أعماما ولا أبناء عم لابد أن يسأل نفسه، من هو هذا الأب الذي لا وجود له إلا في الأوراق الرسمية والحالة المدنية وسيسمع من جهات عديدة تعلم الحقيقة ما يثير شكوكه أولا، ويصبح من الصعب إقناعه أو إقتناعه بأب مقطوع من شجرة كما يقولون، وسيعلم بكل تأكيد طال الزمن أو قصر أنه لا أب له، وأن أمه حملت به بوجه غير شرعي، وأن الأب  الذي يجده في الأوراق وينسب إليه مجرد كذبة كذبوها عليه لإرضائه واتقاء شره، وسيزداد تأكيدا حين يرى من حوله ممن هم مثله وفي وضعيته يحملون نفس الإسم الذي يحمله أبوه -عبد الله. ضرورة أن عبد الله هذا الأب الوحيد لا يمكن أن يكون أبا لهذه المجموعات البشرية من اللقطاء المختلفي الألوان والأشكال واللغات والأعمار في مختلف الأزمان والبلدان، وسيعرف هؤلاء الأطفال وغيرهم أن ابن عبد الله وابن أبيه، وابن أمه كلها أسماء تتفق في دلالتها وتتوارد على مدلول واحد، وهو ابن لا أب له شرعي.

فلينسب إلى أمه وليعرف بحقيقة أمره، ولا حاجة إلى هذا التستر على الفاحشة والغطية الفاشلة التي قد تصدم اللقيط وتزيده حنقا وحقدا عندما يكتشف الحقيقة مؤخرا.

كما أن اختيار هذا الإسم الطاهر النقي أحب الأسماء إلى الله لتغطية فاحشة منكرة تولدت عن معصية مستقذرة إساءة بالغة لهذا الإسم وتلطيخ له واستخفاف به في هذا المقام بالذات، ولماذا لم يختاروا اسما آخر غير هذا إذا لم تطاوعهم نفوسهم على قول الحقيقة، واختاروا الكذب على الصدق، والبهتان على الحقيقة.

10- ما يترتب على هذه العملية من الإساءة إلى أبناء شرعيين يحمل آباؤهم الشرعيون اسم عبد الله، ويعرضهم للشبهات والشك في أنسابهم وسماع الغمز واللمز في أعراضهم وأعراض أمهاتهم من أناس يظنون أن كل ابن عبد الله هو غير شرعي، كل ذلك وهذا من أجل التستر على أولاد غير شرعيين.

كما أن من شأن هذا أن يصد الناس عن تسمية أبنائهم بهذا الإسم (عبد الله) حتى لا يتعرض أحفادهم لهذا الظن السيء.

إن قاعدة ((سد الذرائع))، وقاعدة ((لا ضرر ولا ضرار)) وقاعدة ((درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)) تقتضي كلها منعه وتحريمه، وهو مادل عليه الكتاب والسنة كما سبق، وإجماع الأمة، فقد كان زياد بن أبيه لا يُدعى إلا زياد بن سمية أو زياد ابن أبيه في عهد الصحابة والتابعين حتى استلحقه معاوية بن أبي سفيان بأبيه، فعاب عليه ذلك الصحابة والتابعون.

وقال عكرمة في ولد الملاعنة التي لاعنها هلال بن أمية في عهده صلى الله عليه وسلم وكان عاملا على مصر يدعى لأمه، ولا يدعى لأبيه.

وأما ما يقوله دعاة إعطائهم نسبا من تسهيل إدماجهم في المجتمع وإزاحة العراقل من وجوههم فتبرير غير صحيح وغير مفيد.

أما أولا فإنه كان الواجب تعديل القوانين الوضعية التي تتعارض مع مقتضيات الشريعة الإسلامية في حقهم لا تغيير أحكام الشريعة لتساير القوانين الوضعية لتسهيل إدماجهم فإن ذلك لا يحل ولا يجوز لأنه نسخ للشرع بالهوى.

وأما ثانيا فإنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل تحقيق إدماجهم واندماجهم والتغلب على ما في نفوسهم وقلوبهم نحو مجتمعهم مهما قدم لهم هذا المجتمع من خدمات وآثرهم به من رعايات اجتماعية صحية وتعليمية، وسيبقون دائما مصادر قلق وإزعاج وعناصر سوء وشر مستعدة لفعل كل شيء للانتقام من مجتمع ليس لهم فيه أبٌ ولا جد ولا عم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حذر من تفشي أولاد الزنا واعتبر وجودهم نذير سوء وطالع شؤم على الأمة، ففي صحيح مسلم عن أم المؤمنين زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : ((خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما فزعا محمرا وجهه يقول : لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر اقترب، فتح اليوم من ردم ياجوج وماجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها، فقلت : أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : نعم إذا كثر الخبث))(خرجه البخاري).

قال العلماء كثرة الخبث ظهور الزنا وأبناء الزنا، الجامع لأحكام القرآن 153/18.

وعن أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ((لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعقاب))(المصدر السابق).

وقال عكرمة : ((إذا كثر ولد الزنا قحط المطر، وهذا في حكم الحديث المرفوع لأنه لا يقال بالرأي.

وفي مسند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ولد الزنا فقال : لا خير فيه، نَعْلاَن أجاهد فيهما في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا))(إعلام الموقعين : 282/4).

الحل الثالث :

يقوم هذا الحل على فكرة الإجهاض للتخلص منهم ومن مشاكلهم قبل وجودهم، وهو حل طرحته بعض الفضائيات ولاقى استحسانا وترحيبا من بعض المستوجبين، ويمارس فعلا من طرف البعض….

ولكنه حل مرفوض إنسانيا وأخلاقيا ودينيا.

أولا لما فيه من الاعتداء على إنسان ضعيف وبريئ لا ذنب له فيما وقع.

وثانيا لما فيه من التشجيع على الفاحشة بتيسير التخلص من تبعاتها وطمس آثارها.

وثالثا لتحريم الإسلام الإجهاض تحريما قاطعا مهما كانت الأسباب والظروف، لقوه تعالى : {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم}(سورة الأنعام) وفي آية أخرى {ولا تقتلوا أولادكم خشة إملاق نحن نرزقهم وإياكم}(الإسراء).

وفي بيعة النساء التي أخذها الرسول صلى الله عليه وسلم على الرجال والنساء بند صريح ينص على منع قتل الأولاد، يقول الله تعالى : {يا أيها النبيء إذا جاءك المومنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا لا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا ياتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله}(الممتحنة).

قال المفسرون في قوله تعالى : {ولا يقتلن أولادهن} لا يئدن الموءودات، ولا يسقطن الأجنة.

وفي صحيح البخاري وغيره في قصة المرأة التي حملت من الزنا وجاءت تطلب تطهيرها وإقامة الحد عليها أنه صلى الله عليه وسلم قال لها : ارجعي حتى تلدي.

فلم يقم عليها الحد وهي حامل من زنا ليلا يؤدي إلى قتل ما في بطنها.

وأراد عمر رضي الله عنه أن يحد حاملا اتهمت بالزنا فقال له معاذ بن جبل رضي الله عنه : إن يكن عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها (سنن سعيد بن منصور 67/2) بل ذهب الفقه الإسلامي إلى أبعد من هذا حين منع إقامة حد القتل على المرأة حتى تستبرأ بحيضة خشية أن تكون حاملا فيؤدي قتلها إلى قتل ما في بطنها.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *