فريضة الزكاة وآثارها الطيبة على الفرد والمجتمع


minbar

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

عباد الله : لقد اصطفى الله سبحانه رجالاً أخياراً لبناء الإسلام أساساً، وإقامة وإكمالاً، وصيانة ورعاية ونشراً، أفلا تحبون أن تعرفوا أولئك الرجال الأخيار؟ إنهم هم الذين يحافظون على صلواتهم، ويوتون زكواتهم، ويصومون ويحجون ويجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وينشرون كلمة الله، ويغرسون سنة رسول الله ، هؤلاء هم الذين يدفع الله بهم البلايا عن الناس، وبهم يغاث الخلق، وبهم تستجاب الدعوات، لأنهم هم الطائفة الظاهرة على الحق، وهم الذين يحسنون فهمَ وتطبيقَ قوله تعالى : {وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن ياتي أحدكم الموت فيقول : ربّ لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصّدق وأكن من الصّالحين. ولن يؤخّر الله نفسا إذا جاء آجلها والله خبير بما تعملون}(المنافقون : 10- 11).

قال علماؤنا في معنى هاتين الآيتين : فيها دليل على أنه يجب تعجيل الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أبداً، فمتى استحق المسلم الزكاة وتوفرت شروطها وجب عليه أن يعجل بدفعها، سواء كانت زكاة الأموال أو العروض أو الديون أو الحبوب أو الأنعام أو الرواتب أو غير ذلك مما يجب في الشرع تزكيته.

عباد الله : لقد اعتاد المغاربة إخراج زكاة الأموال في بداية شهر محرم من كل عام، تبركا بفاتح السنة الهجرية، وتفاؤلا أن تكون السنة المقبلة مباركة ديناً ودنيا، حتى أصبح الناس يسمون الزكاة “العاشور” لتكرار ذلك في  عاشوراء، لا للعُشُر الواجب في بعض أنواع الأموال التي تزكى، فاختيار شهر محرم توقيتا لدفع الزكوات غير واجب، وإنما يجوز لكل مسلم أن يبتدئ سنة زكاته بداية أي شهر من الشهور العربية (القمرية)، ففي تعدد مواقيت الزكاة فائدة إخراجها من حين لآخر، وانتفاع الفقراء والمساكين على مدى شهور العام، وأنتم تعلمون أن الشرع لم يحدد وقتا معينا لزكاة الأموال والماشية -مثلا- إلا مرور العام (الحول) وإن كان قد حدد للحبوب الحِصاد، وللثمار الجِذاذَ، إلا أنا وجدنا بعض المسلمين يعتقد أن الشرع قد حدد شهر محرم لإيتاء الزكاة، وهذا لا دليل عليه، وتعلمون أيضا أن بعض المسلمين رجالا ونساء يكنزون في بيوتهم أو في المصارف والأبناك أموالا يجمدونها ولا يؤدون عنها الزكاة، وهم يحسبون أن الزكاة لا تجب إلا في المال المروَّج، ومنهم من يحسب أن اليتيم لا تجب الزكاة في أمواله إن كان ممن تجب عليهم الزكاة، ويعتبرون ذلك أيضا في حالة العجز والشيخوخة والمرض والإعاقة ومنهم من يحسب أن الديون لا تجب فيها الزكاة، وقد وجدنا من يظُن أن الزيت لا زكاة فيه وهذا وشبهه يكشف لنا أن فقه الزكاة صار غريبا مجهولا بين أهله وذويه.

ومما صار ينتشر كذلك بين المسلمين أن الضرائب التي تفرضها الحكومة تنوب عن الزكاة، وهذا فهم باطل، لا يستند على دليل شرعي، و هناك فروق كثيرة بين الزكاة والضرائب، في التشريع والأهداف والكيفية.

فالزكاة ركن من أركان الإسلام فرضها الله ورسوله، وهي واجبة بالأدلة الشرعية كلها، والضرائب سواء مباشرة أو غير مباشرة لا تقوم على تلك الأصول القوية.

والزكاة ثابتة دائمة لا تُوقف ولا تُرفع، ولا يزول حكمها، والضرائب قد توقف وترفع، وقد يتغير حكمها كلا أوبعضا، أو بعض الأحيان، لأنها تقديرية اجتهادية فقط، بحسب الظروف وعدل الحكام.

والزكاة حدد الله سبحانه مصارفها من فوق سبع سماوات، ولم يكلها لا إلى نبي مرسل، ولا ملَك موكل، والضرائب ليس لها مصارف معينة ولا منضبطة.

والزكاة حدد رسول الله  أصنافها التي تُخرج منها، وأنصبتها، والمقادير الواجبة فيها، والضرائب لا تحظى بهذه الضوابط الشرعية.

والزكاة لا ظلم في مقاديرها، ولا في جمعها ولا في توزيعها. والضرائب قد تُفرض ظلما وعدواناً على البعض، وقد يُجبر عليها من لا يطيقها، وقد تجمع بطرق جائرة، وقد تُصرف في أوجه غير مشروعة والذين يلزمون بأداء ضرائب ثقيلة مرهقة ومُجْحِفة قد يسلكون أساليب غير شرعية للتفلت والتخلص من أداء تلك الضرائب كلا أو بعضا، أما مقادير الزكاة فليس فيها ظلم ولا إرهاق، ومن احتال فيها فإن الله له بالمرصاد، لأنه لم يظلمه.

والمظلوم في الضرائب يجوز له أن يشكو من ظلمه إلى السلطة العادلة، أو إلى الله سبحانه، والغاش المحتال في الزكاة لا يستطيع الناس جميعا أن يَحْمُوه من الله عز  وجل، والله قادر على أن يحمي الصادق المحسن في الزكاة، ويخلف له أضعاف ما أنفق، قال تعالى : {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين}(سبأ : 39).

وتالله لو أدى المسلمون حقوق الله لكفاهم شر كل ذي شر ولفتح عليهم بركات من السماء والأرض، ولسقاهم الغيث قبل أن يستسقوا، ولنصرهم على من ظلمهم، ولأخْدَمَ لهم من في السماء والأرض، ولكنه سبحانه يسلط الظالمين بعضهم على بعض.

لقد صارت الزكاة عند البعض -مغرماً- والحرام مغنماً، والربا فائدة ومنفعة، والخمر نشاطا والرشوة إعانة و…. وإنها لمصيبة عظيمة في الدين، فإنا لله، وإنا إليه راجعون، اللهم ارزقنا إيمانا يباشر قلوبنا، ويقينا صادقا حتى نحب ما أحببت ونبغض ما أبغضت، آمين والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

 الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على نبي الرحمة والهدى، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار. وبعد :

لقد وهبنا الله سبحانه كل ما نعلم من النعم وما لا نعلم، ولم يطالبنا برد إلا النزر اليسير منها فصار بعضنا يدعي أن الله ينزع منه ماله، ويسلب حريته، ويجبره على ما يكره، فأين نحن من أبي بكر رضي الله عنه الذي أعطى كل ماله، ومن عمر  رضي الله عنه الذي قدم نصف ماله، ومن عثمان بن عفان  رضي الله عنه، ومن عبد الرحمن بن عوف  رضي الله عنه، ومن سعد بن معاذ  رضي الله عنه الذي قال للرسول  : “خذ من أموالنا ما شئت، ودع منها ما شئت، وللذي أخذت أحب إلى أنفسنا مما تركت”.

عباد الله : إن للزكاة وظائف اجتماعية قيمة وكثيرة، فهي تطهر نفس معطيها، وماله وخلقه، وتطهر آخذها من الحسد والضغينة، وتحافظ على روح الجماعة والألفة والمحبة بين المسلمين قال تعالى : {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلواتك سكن لهم}(التوبة : 103).

والزكاة تحفظ للفقراء والمساكين ماء وجوههم من التسول والاستجداء الذي لا يبقى معه همة ولا كرامة، وهي تُعين الفقراء والمساكين على العمل والحركة، وتبعث فيهم روح العمل والإنتاج، حتى يعطوا هم الزكاة لمن يستحقها.

لكنّ مثل هذه الآثار الطيبة لا تحققها تلك الزكوات التي توزع بكيفية عشوائية وغير منتظمة لا في أوقاتها، ولا في مقاديرها ولا في أحوال من يأخذها.

فها أنتم تشاهدون القوافل المتتابعة من الأطفال والنساء والرجال في كل الدروب والشوارع يطلبون الزكاة، وكم تسمع منهم من سب وشتم إذا لم يعْطَوْا، حتى صار الناس يعطونهم بدون نية الزكاة ولا الصدقة، دفعاً لشرورهم وإسكاتاً لألسنتهم، وأنتم تعلمون أن الزكاة يجب أن تدفع لمستحقيها، وهم في دورهم. وذلك بعد معرفة أحوالهم وتقدير حاجاتهم… فهل ما يعطى لهؤلاء وهم في الشوارع يعتبر زكاة شرعية؟ وهل كل من يسأل الزكاة أو الصدقة هو من الأصناف الثمانية؟ وهل الزكاة تربي المجتمع وتعالج مشاكله بهذه الفوضى؟ إن ما تشاهدونه يخزي ويحزن ويؤسف، ويشوه مظاهر الأمة والدولة، وهذا مناقض لأهداف الزكاة ومقاصدها.

فاحذر أيها المسلم أن يلغي الشرع زكاتك فتكون يوم القيامة من الخائبين.

عباد الله : إن الله الذي فرض علينا الزكاة هو الذي فرض علينا أن نبحث عمن يستحقها من الأصناف التي حددها القرآن من أجل تقدير حاجاتهم وإيصالها إليهم وهم في بيوتهم مكرَّمون، لأن ذلك من حقوقهم الواجبة علينا. قال تعالى : {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}(المعارج : 24- 25) ومعلوم أنه ليس من حسن  الأدب أن تقول لمن أقرضك : تعال خذ دينك!.

واعلم أيها المسلم أن الذي فرض  عليك الصلاة فرض عليك أوقاتها وكيفيتها وفرض عليك الصوم ووقته وكيفيته والحج ووقته وكيفيته فكل مخالفة في وقت العبادة المفروضة وكيفيتها يعرِّضها للبطلان وكذلك الزكاة لها أوقاتها وأحكامها وآدابها، فالذي يزكي ولا يراعي أحكام الزكاة ولا آدابها ولا شروطها فهو كأنما أكره على إعطائها ليتخلص منها ومن مشاكلها، فهو لا يجد لذة ولا راحة في معاناة البحث عن مستحقيها وفي توزيعها على الوجه المشروع، وقد يحرم من ثوابها يوم القيامة.

وإذا كانت أحوال بعض المسلمين لا تسمح لهم بمباشرة البحث عن المحتاجين والمعوزين والمحرومين، ولا يمكنه التريث والتحقق من أجل الإحسان في تقدير حاجاتهم، فليبحث عمن يكفيه هذه المهمة، ولكن ممن عُلِم عنه الأمانة والخبرة في هذا المجال، لأن الله سبحانه سيسأل الجميع يوم الفزع الأكبر، سيسأل المزكي ويسأل المكلف المؤمن، ويسأل الجشعين، الذين لا يستحقون الزكاة ولكنهم يطوفون بأنفسهم وأطفالهم ونسائهم في الشوارع والأزقة والأبواب، فيحرمون منها المتعففين المحتاجين حقا، الذين يكرهون مزاحمة المحترفين، أو لا يستطيعون لمرض أو عجز أو حياء، كما سيسأل الله السلطة المسؤولة حين تغض الطرف عن المتسولين المحترفين، ونحن نعلم أن المسؤولين بإمكانهم أن يميزوا بين المحترفين والمحرومين حقا، ويدبروا هذا الأمر بإحكام ونظام حسب الطاقة والوسع، وتؤدب غير المحتاجين بما يناسب.

اللهم فقهنا في ديننا وبصرنا بعيوبنا وزهدنا فيما يضلنا ويفتننا، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *