دخول الدعوة مرحلة التحدي – التحديات الفاضحة للخصم (2)


التحدي هو : أن توقف المعاند عند حده فكراً أو عملاً أو قضاء، أو تنفيذاً للقضاء أو التهديد والوعيد لإظهار عجزه التام عن تنفيذ ما يشتهي ويهوى ويتمنى، لأنه بكل بساطة بشر عاجز، وإن حاول التأله والتربب فهو عاجز حتى عن تقرير مصيره هو فما بالك بتقرير مصائر الناس.

والتحديات كثيرة ومتنوعة، ولذلك سنقتصر على ذكر جملة من كل نوع ليقاس عليها ما لم يُذكر، وأولها :

التحديات القرآنية

أ- {لئِن لمْ يَنْتَهِ لنَسْفَعَنّ بالنّاصِية} : روى مسلم عن أبي هريرة ] قال : قال أبو جهل : هل يُعَفِّرُ محمد وجهه بين أظهركم؟! فقيل : نعم. فقال ؛ واللاتِ والعُزى لئن رأيتُه يَفْعَلُ ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله  وهو يصلي -زعم- ليطأ على رقبته، قال : فما فجِئَهُمْ منه إلا وهو ينكص على عقِبيْه، ويتَّقِي بيديه، قال : فقيل له: مالَك؟؟ فقال ؛ إن بيني وبَيْنه لخَنْدقاً من نار، وهوْلاً وأجنحةً فقال رسول الله  >لو دَنَا مِنِّي لاختطفَتْهُ الملائكة عُضْواً عُضْواً< فأنزل الله عز وجل {كَلاًّ إنّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أن رَآهُ اسْتَغْنى إنّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أرَايْتَ الذي ينْهَى عَبْداً إذَا صلَّى أرَأَيْتَ إنْ كانَ على الهُدَى أو أمَرَ بالتَّقْوَى أرَايْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلَّى، ألمْ يَعْلَم بأنّ اللّه يَرَى. كَلاَّ لئِنْ لَمْ ينْتَهِ لنَسْفَعن بالنَّاصِية. نَاصِيةٍ كاذِبَةٍ خَاطِئة. فلْيَدْعُ نَادِيَهُ سنَدْعُ الزّبَانِية. كَلاّ لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ<(1).

ب- {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمةَ رَبِّك} : قال الكفار معترضين على ما أنزل الله تعالى من القرآن العظيم على من اختاره الله تعالى ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين {وقالوا لولا نُزِّل هذا القُرآن على رجُل من القَرْيَتَيْن عظيم}(الزخرف : 31) أي هَلاَّ كان إنزال القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم -بالمال والأولاد- من القريتين : مكة والطائف؟! فقال لهم الله تعالى مسفِّها لموازينهم الترابية : {أَهُم يقْسِمون رحمة ربّك}؟! أي ليس الأمر مردوداً إليهم، بل إلى الله عز وجل، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، التي هي كلها رحمة وهداية، وهذه الرحمة والهدَاية لا ينزلها الله تعالى إلا على أزكى الخلق قلباً ونفساً، وأشرفهم نسباً وبيتاً، وأطهرهم أصلا، وأتقاهم لله تعالى فمن أين لكم بهذه الصفات أيها المنغرسون في وحل الطين؟!

حـ- {إنَّ شَانِئَكَ هُو الأبْتَر} : قال محمد بن اسحاق  بسنده : كان العاص بن وائل إذا ذُكر رسول الله  يقول : دَعُوه فإنه رجُلٌ أبْتَرُ لا عَقِب له، فإذا هلك انقطع ذِكْرُه. فأنزل الله تعالى تسليةً للرسول ، ورفعاً لذكره، وتصحيحا للميزان الحق {إنَّ شَانِئَكَ هُو الأبْتَر} أي إن مُبغضك يا محمد، ومُبغِضُ ما جِئت به من الهدى والحق والبرهانِ الساطِع والنور المُبين هو الأبتَرُ الأذَلُّ المنقطِع ذِكْره، المخزيٌّ في الدنيا والآخرة، أما أنت يا مُحمد فالله أعطاك الكَوْثَر وهو الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ورفع ذكرك في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا كلما ذُكر الله تعالى ذُكِرت معه في كل أذان وفي كل تشهد في كل زمان ومكان، وفي الآخرة ستَرْفَعُ لواءَ الحمد ولواء الشفاعة، فأين الذي انبتَرَ ذكره على كثرة البنين والأتباع مِنَ الذي أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمراً على دوام الآباد إلى يوم المحشر والمعاد. صلوات الله عليه وسلامه إلى يوم التناد(2).

د- {إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإِىمَانِ} : لقد كان كفار قريش من شَدة حقدهم على ثبات المسلمين على دينهم يعملون بجُهد جهيد على أن يهزموهم نفسيا ومعنويا حتى يُقنعوا أنفسهم وغيرهم بأن هذا الدين صبغة زائفة باستطاعتهم اقتلاعها.

ولقد نالوا فعلا من معنويات بعض المعذّبين عذابا يُعْذَرون به في ترك دينهم، ومطاوعة المشركين فيما يُملونه عليهم، وعلى رأس أولئك أسرة آل ياسر التي وصل بها التأثر إلى درجة أن كانوا يقولون: الدَّهر هكذا يارسول الله، فيثبتهم الرسول  بقوله : >صَبْراً آلَ يَاسِر فإنَّ مَوْعِدكُم الجَنَّة< و>صَبْراً أبا اليَقْظَان -لعمار- اللَّهُمَّ لا تُعَذِّبْ أحداً من آلِ عَمّار بنِ يَاسِر<.

إلا أن الحقد حَمَل طاغية القوم أبا جهل على إفراغ حِقْده بوحشية في سمية خياط -زوجة ياسر- حيث طعنها برمح في قُبلها حتى خرج من صدرها، بدون رقة ولا مروءة، وبدون انتقاد من كبراء عصابة الكفر أو تأسف، ثم تَبِعها زوجها -ياسر-، فكان ذلك عذابا معنويا مضاعفاً على نفسية عمار، إذ اعتراه ما يُشبه الانهيار، فأعطاهم ما يريدون، وسايرهم فيما يملون عليه، ففكوا أسره، وجاء إلى رسول الله  محطَّم المعنوية، ولكن الرسول  رفع معنويته بأن رخّص له في متابعة القوم إن عادوا -مادام القلب سليما مطمئنا بالإيمان- وجاءت التطمينات الكبرى أيضا من الله تعالى الرحمان الرحيم، فقال سبحانه وتعالى : {إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإِىمَانِ}(النحل : 106) حتى يضمن الله اللطيف للْمُسْلم أن يَرْبح نَفْسَهُ في حالتَي الصمود والضعف بشرط المحافظة على خلوص القلب الذي لا سلطان لأحد عليه، وبذلك أفشل الله عز وجل خطط المشركين وفوّت عليهم فُرصة الفَتْن للمسلمين المستضعفين الذين يرعاهم الله تعالى ويأويهم ويشد أزرهم في كل الأحوال، ويتقبل منهم ويغفر لهم.

أ.ذ. المفضل الفلواتي

—-

1- الأســــاس فـــــــي السنة وفقهها، السيرة 241/1.

2- انظر تفسير ابن كثير 687/4.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *