افتتاحية – ألَمْ يانِ للذِين آمَنُوا أن يهْجُرُوا الهَوَى؟!


من خطورة الهوى أن الله عزّ وجلّ أخْبرنا بأنه عند أصحابه >إلهاً معْبُوداً< {أفَرَايْتَ من اتّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وأضَلَّهُ اللَّه على عِلْمٍ وختَمَ على سَمْعِه وقَلْبِهِ وجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّه؟! أَفَلاَ تَذَّكَّرُون}(الجاثية : 22).

فصاحبُ الهوى يعْلم عِلْمَ اليقين أن هواه لا سَندَ لَهُ مِن شَرْعٍ، أو كتاب مُنَزَّل، أو قانون راشد، أو عُرفٍ إنسانيٍّ كريم، وإنما مصدرُه الهَوَى المريض بمرَض الكِبْر، أو مَرَضِ التسلُّط، أو مرض الأَنا، أو مرضِ الأثرة، أو مَرَض العُهْرِ والسُّكْر والعربدة، أو مرض استغلال البشر لمصالحه الخاصة، أو مَرَض شراء الضمائر وبيْعها في السر والعَلَن، أو مَرَض التألُّه وصَرْف الناس عن عبادة الحق إلى عبادة المادَّة والدرهم.

فالذي يمارسُ الاستبدادَ السياسيَّ والعسكريَّ والأمْنِيَّ والاجتماعيَّ والإعلاميَّ يعْلَمُ عِلْمَ اليقين أنه يقْتُلُ أحْسَنَ ما في الإنسان من الكرامَة وحرِّية التفكير والإبداع، وحرِّية التخطيط للتغيير وحُسْن التدبير، وتلك أعظم جريمة قتْل تُرتكَب في حق الإنسانية، لأنها تُجمِّد طاقتها، وتعرقل مسيرتها، وتوقف تقدمها.

ومع عِلْم المستَبدِّ بجَهْله وجُرمه وضلاله فإنه يُصِرُّ إصراراً عنيداً على تأليه هواه، وإرغام الناس على السجود لهواه، والتمجيد لهواه، والتقديس لفتوحاته الهوائية ولو ضَيَّع في ذلك أمجادَ أمَّة، وأموال أمّة، وتاريخ أمة، وأجيال أمة، وأراضي أمة، وعزَّة أمة، ورسالة أمة، بلْ ولو كان يعْلَمُ علم اليقين أن اللّه عز وجل يلْعَنُه، والملائكةَ تلْعَنُه، والأرض والسماء تلعنُه، والأجيالَ تلعنه، والتاريخ يلعنه ويُدوِّنُه في مزابله النَّتِنَة، كما دَوَّن تاريخ فرعون وهامان وقارون وأبي جهل والحاكم بأمره، وكل من تشبَّه بهؤلاء وحذا حذْوهم من أمثال :

> الذي خطب وقال : >من قال لي : اتَّقِ اللّه بعد اليوم ضربْتُ عُنُقَه والسلام<.

> أو الذي طفح به الكيل فقال : >لاَ أُسْأَلُ عمَّا أفْعَلُ<.

> أو الذي حجَّمَ أمْرَ اللَّه وحُكمَه فقال : >لا دين في السِّياسة ولا سِيَاسة في الدِّين<.

> أو الذي تعدَّى قدْره وقال لمسجون في ذات الله >لوْ جَاءَ ربُّك لَسَجَنْتُه مَعَكَ<.

> أو الذي فضح جَهْلَهُ القبيحَ الفظيعَ، وهو من بني جلدتنا ويتكلم بلساننا، ومن رموزنا المطمورين في ركام العِوَج الفكري والزعامة المحنطة، حيث قال : >القرْآن غَيْرُ صالحٍ لهذا الزّمان لأنَّ فِيه تناقُضاً، ولأنَّهُ يُؤَلِّهُ مُحمداً  لأنَّ المسلمين يُصَلُّون عليه كُلّما ذُكِر، وهذا تأْلِيهٌ لمحمد<.

> أو الذي فرَّق  وفَصَل بين >لاَ إِلَه إلاّ اللّه< المعبود بحق، وبين >مُحَمد رَسُولِ اللَّه< الأُسْوةفي العمل والأخلاق والشرح والبيان للقرآن، فقال : نعْمَلُ بالقُرْآن ولا نعْمَلُ بالسُّنَّة.

> أو الذي رُزِق فهْماً منكوسا، وفطرة ممسوخة، فقال إن التشريع القرآني غير صالح لهذا العصر، والدليل على ذلك أنه أباح لحْمَ الخروف وحرَّم لحْم الخنزير، مع أن الحلُّوفة الواحدةَ تلد من 8 إلى عشرة، وكل وا حد يزن قنطاراً، أما النعجة فتلد خروفا واحداً في العام لا يتعدى وزنه نصف قنطارٍ، فمَن الأنفع والأجدى؟! وحرَّم الخمْرَ مع أن الخمر هي العُمدة في التنشيط السياحي والرواج الاقتصادي وتفريج الهموم والكُرب؟!

ولو كان أصحاب هذه الأهواء من حُثالة الناسِ الذين ابْتُلُوا فتسَتَّرُوا لما كان لهم ذِكْرِ، ولما أَثَّرُوا ولكن هؤلاء وأمثالهم اقتعدوا قِمَم المسؤولية، وقِمم التوجيه الفكري فكان لهواهم المُؤلَّه أثرٌ كبير -ومازال- على توجيه الحياة، وإغراقها في بِرَك السياسات الآسنة التي لا تزداد إلا تعفُّناً وتردِّياً على مَدَى امتداد العَفَن الفكري في مختلِف مجالات الحياة أسْرةً، وإعلاماً، وتعليماً، وقضاءً، وشارعاً، وتربية، وفَنا، وسياحة، ولباساً، واهتماماً، وتبعية، واجتهاداً، وأهدافاً.. أينما ولَّى الإنسان وجْهَهُ صَدَمَهُ التوجُّهُ الهوائِيُّ مكشِّراً عن أنيابه الزُّرق ولو تزيّا بمسوح الرُّهْبان، وجلاَلِيب الأبرار.

وإذا كان الله عز وجل يقول : {ولوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْوَاءَهُم لَفَسَدَتِ السّماواتُ والأرْض ومَن فِيهِنّ}(المومنون : 72) فإن كبار العالم من أصحاب الأهواء أفسدوا القيَم والموازين، وعَبَّدُوا الإنسان للإنسان، ولوَّثُوا فكر الإنسان، وبيئة الإنسان، وعرض الإنسان، وروح الإنسان، وفطرة الإنسان، حتى أصبح الإنسان حيواناً في شكل إنسان.

أمّا أصحاب الهَوى من بني جلدتنا فقد هجروا شريعة الله تعالى وحَكَّمُوا شريعة الهوى في كل مجالات الحياة، وهجروا الشورى وحكَّمُوا العَصَا، فساقوا شعوبهم من قرونهم إلى مستنقعات الفقر والجهل والتخلف والذُّلِّ المحلي والعالمي، فما عادت لشعوب الإسلام رسالة ولا حضارة، بل ما عاد لشعوب الإسلام حَقٌّ في التطلُّع إلى حياةٍ أرقى، وعيش أكْرم، وما عاد لها حقٌّ أبداً في اختيار رؤوسها الذين يتولَّون تسيير شؤونها كما هو الشأن عند أصحاب المِلَلِ الأخُْرى الذين كلما فَسَدَ رأسٌ أو شاخ عقلُه عوَّضُوه برأسٍ أخرى تُجَدِّد الدّماء في عروق الشعوب حتى تحتفظ الشعوب دائما بالجِدَّةِ في العلم، والجدة في الأشخاص، والجدة في الأهداف، والجدة في المواقف، والجدة في السياسة… وبهجران الشورى الحقيقية أمات أصحابُ الهوى من بني جلدتنا فِيناَ كُلَّ روح التقدم، حيث أصابونا بالجمود الشامل، والخمول اليائس، وبذلك أصبحنا أمواتاً وإن كنا نمشي على الأرض ونأكُل ونشرب ونتوالد، فكيف يُنْتَظَرُ منا أن نبْعَثَ الحياةَ في شعوب الأرض ونحن نعيش بدون رسالة ولا حياة؟!

إن الله تعالى لم يَأمُرْ المسلمين بالهجرة للمدينة إلا بعد أن ابْتُلُوا بمَكَّةَ .

> فصبَرُوا : على الاستِهزاء المحطم للأنفس وكل المعنويات.

> وصبروا على معاداة الأقرباء قبل البعداء وهجرانهم الهجْر غَيْر الجميل.

> وصبروا على الضَّرْب والتجويع والتعطيش والإحراق والسجن والحصار الطويل.

> وصبَرُوا على القتل المباشر وغير المباشر كما صَبَر أصحاب الأخْدُودِ.

وعندما طَهَّر الله عز وجل الصَّفْوة الخيِّرة السابقة في الإسلام من كُلِّ جَواذِب الأرض وجواذِب الأوتاد الثمانية -أباء، وأبناء، ونساء، وإخوان، وعشيرة، وأموال، وتجارة، ومساكن- وعَلِم سبحانه وتعالى أن كِيَانَ هؤلاء لمْ يبْق فيه جانبٌ لحُبِّ غير الله عز وجل، وحُبِّ رسوله ، وحُبِّ دينه، وحُبِّ الدّعوة لدينه، وحُبّ الشهادة في سبيل دين الله تعالى، وعَلِم سبحانه وتعالى أن حظَّ النّفس والهوى قَدْ طلَّق نفوس هؤلاء تطليقا باتّاً، بحيث لمْ يَبْقَ للشيطان وحزبه سلطان على هؤلاء الأبرار الذين يُباهي الله عز وجل ملائكته بهم في السماوات العُلى، سواء في صلاتهم، أو خشيتهم، أو بكائهم، أو طاعتهم، أو عزوفهم عن مساقط الشهوات الدنيئة.. آنذاك، قال لهم : اخرجُوا من هذه الأرض إلى الأرض التي هيأت لكم بالمدينة لتكوِّنوا دولة نموذجية في التاريخ، حتى لا يأتي أيّ أحَدٌ من السفهاء ويقول : إن الإسلام صعْب التطبيق على الأرض، فالتجربة التاريخية النموذجية تفقأ عينيه، وتصم أذنيه.

وإذا كانت هجرة الأوطان قد انتهت بفتح مكة، فإنّ هجرة الأهواء باقية إلى يوم القيامة، وإذا كان المَهْوُوسُون بالسياسة، والمجْنونون بحبِّ المنصب والجاه، والمصابُون بحُبِّ التسلط والتفرعُن، سادِرين في غَيِّهِم غير مُبالين بزفرات المكلومين، وأناتِ المسحوقين المستضعفين، فإن ربّنا وربَّهم بالمرصاد.

وإذا كان المسلمون الصائمُون والمُصَلُّون والحاجّون والمزكون يظُنُّون أن الله عز وجل سيجمَع كلمتهم، وينصرُهم على أعدائهم، وسيعيد لَهُم كرامتهم وعِزَّهم وهم على ما هم عليه من التبعية والكثير من الشرك الخفي.. فإنما هُمْ واهِمُون، لأن الله عز وجل لم يقل للأولين {الذِين إنْ مَكَّنَاهُم فِى الأَرْضِ أقَامُوا الصَّلاَةَ وآتَوْا الزّكَاة وأمرُوا بالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عنِ المُنْكَرِ وللَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ}(الحج : 39) لمْ يحقق لهم ذلك إلا بعد أن شهِدَ لهم بأنهم أدّوا الثمن مخلصين راضين، والثمن هو : {أُذِنَ للذِين يُقَاتَلُون بأنَّهُم ظُلِمُوا وإنّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِم لقَدِير الذِينَ أخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بغَيْر حَقٍّ إلاّ أنّ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّه}(الحج : 38) الظّلْم نحن غارقون فيه، ولكن بقي أن نواجه الظلم صفّاً واحِداً بـ >ربُّنَا اللَّه<.

أ.ذ. المفضل الفلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *