مرحلة الجهر بالدعوة الهجرة الأولى لأرض الحبشة تخلصا من العذاب والفتن


تـعـقـيـبـات وفــوائـد :

 

أ- التعقيبات والتوضيحات :

1) قال ابن العربي : الهجرة تنقسم إلى ستة أقسام : هجرة من دار الحرب إلى دار السلام، وهجرة من دار البدعة، وهجرة من أرض غلب عليها الحرام، وهجرة خوفاً من المرض، وهجرة خوف الإذاية في المال، وهجرة من الإذاية في البدن : وذلك فضل من الله عز وجل أرخَصَ فيه، فإذا خشي المرء على نفسه في موضع فقد أذن الله سبحانه له في الخروج عنه، والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور.

وأول من هاجر الخليل ابراهيم عليه السلام لما خاف من قومه قال : {إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي}(العنكبوث : 26) وقال : {إنِّي ذَاهِبٌ إلَى ربِّي سَيَهْدِين}(الصافات : 99).

وموسى عليه السلام قال الله سبحانه فيه {فَخَرَجَ مِنْها خَائِفاً يترَقّب قَالَ ربِّ نجِّنِي مِن القَوْم الظّالِمِين}(القصص : 21) وذلك يكثرُ تعداده(1).

2) كانت الهجرة للحبشة لعدة اعتبارات، منها :

جاء في مغازي الزهري : أن الحبشة كانت أحَبَ الأرض إلى رسول الله  أن يُهاجَرَ إلَيْها، ولعل تلك المحبة لها أسباب، منها :

> أن الحبشة هي البلد الآمن : فقد كانت قبائل العرب تدين بالولاء والطاعة لقريش، وتسمع وتطيع لأمرها غالبا، إذ لها نفوذ عليها، وكانت القبائل في حاجة لقريش في حَجِّها، وتجارتها، ومواسمها، وفوق ذلك كانوا يشاركون قريشا في حرب الدّعوة وعدم الاستجابة للنبي ، فلم يكن إذَنْ هناك مطْمَعٌ في الاحتماء بأية قبيلة من قبائل العرب.

> بعد الحبشة عن سَطْوة قُرَيش : إذ كانت بينها وبين قريش مسافات، وبحر.

> لم تكن الحبشة تدين لقريش بالولاء، فلها شخصية مستقلة دينا، وسياسة، وحكما، وولاء، وقراراً ولاسْتقلالية الحبشة حَمتْ المسلمين فلم تردّهم رغم محاولات قريش(2).

> حكم النجاشي العادل >فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد<.

> التزام الأحباش بالنصرانية، وهي أقرب إلى الإسلام من الوثنية، ولذلك فرح المومنون بانتصار النصارى على فارس المجوسيين {ألم غُلِبَت الرّوم في أدْنَى الأرض وهُم من بَعْد غَلَبِهم سَيغْلِبون في بِضْعِ سنِين.. ويَوْمئذٍ يفْرَحُ المُومِنُون بنَصْرِ الله}(الروم : 1- 2) فقد نزلت الآيات في مكة.

> معرفة الرسول  بأخبار الحبشة من خلال حاضنته الحبشية أم أيمن رضي الله عنها.

3) كانت الهجرة سرية، ففي رواية الواقدي : >فخَرَجُوا مُتَسَلِّلِين سِرّاً< خوفاً من أن يُدْركُوا ويُوْذَوْا، ولقد حاولت قريش إدراكهم، ولكن المسلمين كانوا قد أبْحروا.

4) لم تكن الهجرة فراراً من الأذى فقَط : ولكنها كانت أيضا لنشر الإسلام، يدلّ على ذلك أن المهاجرين الأول، لم يكونوا من الموالي المعذبين كبلال، وخباب، وعمار.. بل غالبية المهاجرين الهجرة الأولى كانوا من ذوي النسب والمكانة كـ : عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله ، وعبد الله بن عوف، والزبير، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وسُهيل بن بيضاء، وأبو سبرة، فهؤلاء العشرة المهاجرون الأول لم يكونوا من الموالي.

ومن النساء : رقية بنت الرسول، وسهلة بنت سهيل بن عمرو وأم سلمة، وليلى بنت أبي أمية، وأم كلثوم بنت سهل بن عمرو، وهؤلاء النساء أيضا لم يكُنَّ من الموالي.

ثم خرج بعد الفوج الأول : جعفر بن أبي طالب، وهو الذي كان أميراً عليهم، ولم يكن من الموالي بل كان في الذؤابة من قريش، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة.. ولم يكن فيهم من الموالي إلا القليل. مما يدل على أن الهدف لم يكن الهروب من الأذى بل كان أسمى من ذلك وأعلى.

ب- الفوائد :

1) أتباع الداعية هم بمثابة أولاده : إن لم يكونوا أكثر، ولذلك فهو يتعهدم بالتربية والتزكية، ويعمل جهد الإمكان على حمايتهم من كل الأخطار، ورسولنا  كان من أحرص الناس على أتباعه، ولذلك أرشدهم للهجرة إلى بلاد  الحبشة ليأمنوا على دينهم من جهة، وليعملوا على توسيع دائرة الأتباع من جهة أخرى، وليكونوا احتياطا للمستقبل من جهة ثالثة فيما إذا قدّر الله تعالى القضاء على إخوانهم في قريش. وهكذا ينبغي أن يفكر وُرّاث الرسُل في الدّعوة، فلا يجمعوا أتباعهم في سلة واحدة؛ ولا يكونوا منكمشين، بل ينبغي أن يبحثوا عن حماة جُدُدٍ للدعوة.

2) الأمراء ينبغي أن يختاروا من الأذكياء النجباء : وقد كان جعفر بن أبي طالب من أحسن شباب الدعوة فصاحة، ونجابة، وحكمة، وصدقا، وثباتا، وأدبا، يتجلى ذلك في :

أ- حُسْن العرض أمام النجاشي للجاهلية التي كانوا فيها >كُنّا أهْلَ جَاهِليّةٍ نعبُدُ الأصْنام..<.

ب- حُسْن العرض لمبادئ الإسلام ورسول الإسلام >حتّى بعث الله إلينا منا رسولاً.. فدعانا لتوحيد الله<.

جـ- حُسْن العرض لموقفهم من قومهم، وموقف قومهم منهم >فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا<.

د- حُسن الثناء على النجاشي بما فيه بدون تملق أو تزلف >فلمّا قَهُرُونا وظَلَمُونا خَرجْنا إلى بلادك ورجَوْنا ألاّ نُظْلم عِنْدك<.

هـ- حُسْن اختيار النص القرآني المناسب لحالة الملك ودينه >فَقرأ عليه صدْراً مِن سُورة مرْيم< فبَكى النجاشي حتى اخضلت لحيته.. ثم قال : >إنّ هذا والذي جاءَ بِه عِيسَى ليَخْرُج من مِشْكاةٍ واحدة<.

إن إدخال جعفر النجاشيّ للإسلام يُعتبر أكبر فخر دعويٍّ في غرة جبين جعفر وأصحابه، لأن ضم النجاشي للصف الإسلامي كان وراءه المحبة الكاملة، و الحماية الكاملة.

فهل يستطيع دعاتُنا في هذا العصر أن يفقهوا مثل هذه النماذج ويعرفوا كيف يفتحون قلوب الأكابر، أكابر القوم، وأكابر الكفر، وأكابر الأحزاب، وأكابر المسؤولين ليجعلوهم يخدمون لصالح الإسلام والمسلمين، ويصدون الأخطار عن الإسلام والمسلمين؟!

3) إذا كانت الأهداف من هجرة الحبشة متعددة، فمن جملة الأهداف تكوين الرأي المحلي والرأي العالمي المساند للدعوة، فبالنسبة للرأي العام المحلي إظهار الثبات على الدين، وإظهار التضحية في سبيله الأمْرُ الذي يجعل عقلاء الفكر من قريش يتعجبون من هذا الدين الصانع لمثل هؤلاء الرجال والنساء، وفي ذلك دعوة للتأمل، كما فيه دعوة للالتفات إلى ظلم قريش لهذه الفئة بدون ذنب مقترَف، وفي ذلك ما فيه من وخز الضمير، والشعور بعُقْدة الذنب.

أما بالنسبة للرأى العام العالمي، فعرْضُ الأمر على ملك كبير وحاشيته وأساقفته، وإظهار الظلم الذي لا مبرِّر له، حتى إن الملك ردّ هدايا الظالمين وحمى المظلومين علانية بدون مواربة، هذا كسبٌ كبير أن تُوجد دولة بحجم الحبشة تتبنى قضية المسلمين، وتُخْزي المجرمين.

فهل يستطيع دعاتنا أن يكسبوا دولة من دولنا تتبنى قضاياهم وتؤويهم وتدافع عنهم؟! ذلك المأمول في المستقبل إن شاء الله.

4) وجود ابن عم رسول الله  جعفر وصهره عثمان، وابنة الرسول رقية رضي الله عنهم جميعا يُعطي النموذج الأمثل للدعاة، فرسول الله  كان يُقدِّم أقرباءه أولا في كل الأخطار ليعطي المثل على أن الإسلام إذا كان خيراً فأهله أولا، وإذا كانت الهجرة تضحية مأجورة فأهله أولا، حتى يَسُدَّ الطريق أمام كل المتقولين الخائضين في الفتنة في كل عمل جاد.

5) يجوز للمسلمين أن يدخلوا في جوار غيرهم سواء كان كتابيا أو مشركا بشرط عدم الإضرار بالدّعوة.

6) اختيار الرسول  للحبشة كان على علم وبينة من المحيط، فينبغي للداعية أن يكون كذلك دارساً لمحيطه المحلي والعالمي، عارفا التيارات، والفلسفات، والاتجاهات السائدة.

7) كان الحس الأمني موجوداً عند المهاجرين، فقد خرجوا متسللين، ولذلك لا ينبغي التهوُّر في المسائل الأمنية.

8) لا يحسُن ـأبداً- النوم عن مخططات العدو، فقريش ما قصّرت في طلب إرجاع المهاجرين، وأين مخططات اليوم من مخططات الأمس؟!

9) مبدأ الشورى كان سائداً بين المهاجرين، فلم يتكلموا بشيء أمام النجاشي إلا بعد مشاورة فيما بينهم الأمر الذي يدل على قوة التلاحم، وقوة التجرد لله، وقوة محاربة الدكتاتورية والانتهازية.

إنها المبادئ الإسلامية التي تأصلت في النفوس منذ فجر الإسلام، ولقد تخلى عنها المسلمون فحلّ بهم ما حل من الكوارث والأزمات والخزي والذل والصّغار.

10) اختيار جعفر للقيادة اختيار حكيم فهو الرجل المناسب في المكان المناسب، فهل يختار دعاتنا اليوم الرجل المناسب في المكان المناسب، أم يختارون الأقرب فالأقرب؟!

أ.ذ. المفضل الفلواتي

—–

1- أحكام القرآن 612/1.

2- انظر السيرة النبوية للصلابي 326/1 وما بعدها.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *