افتتاحية – {لعَلّك باخِعٌ نَفْسَك ألاَّ يكُونوا مُومِنين} (الشعراء : 3)   1


إن أيّ رسُول يبعثه الله عز وجل إلى قومه برسالة الإسلام إلا ويكون أشدّ سروراً بتصديق قومِه له، لأنه موقِنٌ تمام اليقين بالجزاء الذي أعدَّه الله تعالى للمصدقين برسالته.

وما من رسول يبعثه الله تعالى إلى قومه إلا ويكون أشد حَسْرةً وأسًى على المكذبين برسالته، لأنه يعلم تمام العلم مصير الطغاة المجرمين الذين أصمهم الله تعالى وأعمى أبصارهم فلا يعرفون كيف يُحسنون اختيار المصير والمآل.

ورسولنا محمد  ليس بدعاً من الرسل، فقد كان  كلما اشتدًّ عنادهم، واشتدّ تكذيبهم اشتدَّت حسْرتُه عليهم، واشتد تأسُّفُه على حُمقهم وسفاهتِهم وانصرافهم عن دين الله تعالى سَفَها بغيْر علم، واغتراراً بدون برهان.

فكانت هذه الآية مُسلّيةً للرسول  عما يعانيه ويكابِدُه أولا، وشِبْه عاتبةٍ على الرسول  ثانيا، لأنه مكَلَّفٌ بالتبليغ فقط أما الهداية فمن الله تعالى، فلماذا التضايُق من عَدَم إيمان مَن بَلَغَتْه الدّعوة إلى دَرَجة قَتْل النفس وبخْعِها حَسْرة على كُفْر من كَفَر، وإجْرام من أجْرم.

وليسَتْ هذه الآياتُ هي الوحيدَة في القرآن!! كلاَّ!! ولكن التسلية جاءت في آيات متعددة، منها : {فلعَلّك باخِعٌ نَفْسَك على آثَارِهم إنْ لَمْ يُومِنُوا بهَذَا الحَدِيث أسفاً}(الكهف : 6) {فلاً تَذْهَبْ نَفْسُك عليْهِم حَسَراتٍ إن اللّه عَلِيمٌ بِما يصْنَعُون}(فاطر : 8) {يأيُّها الرَّسُول لا يُحْزِنْك الذين يُسَارِعون في الكُفْر من الذِين قالُوا آمنّا بأفواهِهِم ولمْ تُومِن قُلُوبُهُم}(المائدة : 41)، {ولا تحْزَنْ عَلَيْهِم ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُون}(النحل : 127).

وكُلُّها تقرِّر حقيقَتَين واضحتين :

أولاهما : أن أمْر الهُدَى والضلال ليس من اختصاص البشر -ولو كان رسول الله – وإنما هو من أمْرِ الله، والقلوب بين أصبعَيْن من أصابع الرحمان، وهو وحده مُقَلِّبُ القلوب والأبصار {إن تحْرِصْ على هُدَاهُم فإنّ اللَّه لا يُهْدَى مَن يُضِلُّ ومَا لَهُم من نَّاصِرِين}(النحل : 37).

ثانيتهما : أن الرسُل يعرفون هذه الحقيقة، ولكنهم بحكم حِرْصِهم الشديد على رؤية الخيْر يعمُر القلوب لا يطيقون الصّبْر على صلادة القلوب وشدة جراءتِها على الله تعالى وإعْراضِها عن هدى الله تعالى إهلاكاً لنفسها، وإرضاءً لشيطانها.

وصفةُ الحرْص على هداية الناس، ودَلِّهم على الخير، وإشفاقِهم عليهم من سوء المصير، صِفة متوارَثةٌ بين الرُّسُلِ وكُلِّ أتباعهم في كل زمان ومكان، ولذلك يُقِضُّ مضَاجعَهم الباطلُ المُفسِدُ للحرث والنسل فلا يتوانَوْن في مقارعته ولوْ كَلَّفهُم ذلك حياتهم!!

وإذا كان الرسلُ والدّعاة حريصين على هداية الناس للحق، فإنّهم أشَدُّ حرصاً على استمرار هذا الحقِّ في قُلُوب وحياة الأتباع، وأتْباعِ الأتباع إلى يوم القيامة، ورسولُنا  تَرَك لنا ذَخِيرةً كبيرةً جدّاً جدّاً في التحذير من الفِتن التي تجعل الأمة الخيِّرة، والمومنين الخيّرين -عندما يتطاول الزمن وتقسو القلوب- ينتكِسُون وينقلبون على أعقابهم خاسرين، لابسين من جديد ثيابَ الجاهليَّة الحمقاء الخرقاء، عُقُوقاً للآباء والأجداد الذين كانوا قد أشهَدُوا الله عز وجل والرسولَ  والملائكَة والحجَر والشجرَ والحضر والمَدَرَ على أنهم طلَّقوا الجاهلية طلاقاً بائناً بيْنونةً كُبْرَى، وعقوقاً للتاريخ المُشْرِق اللامع الذي يشهد لهم بأنَّهُم هُم الذين عَلَّمُوا الإنسانية كيف تمشي واقفة على رجْلَيْها بعد أن كانت تمْشِي ورأسُها مغروسٌ في التراب!!

وسوف نكتفي بذكر ثلاثةِ أحادِيثَ صريحةٍ في التحذير من الانتكاسة :

> الأوّل : يحذِّر من التفسُّخِ الداخلي : قال فيه  : >إذَا فَعَلَتْ أمّتِي خَمْسَ عَشْرَة خَصْلةً حَلَّ بِها البَلاءُ، فقيل : وما هُنّ يا رسول الله؟! قال : إذَا كَان المغٌْنَمُ دُوَلاً، والأمَانَةُ مغٌنَماً، والزّكاةُ مغْرماً، وأطَاعً الرّجُل زوْجته وعقَّ أُمَّه، وبرَّ صَدِيقَه وجَفَا أبَاهُ، وارْتَفَعَتِ الأصْوَات في المسَاجِد، وكَان زَعِيمُ القَوْم أرْذَلَهُم، وأُكْرِم الرّجُل مخَافَةَ شرِّهِ، وشُرِبَتْ الخُمُورُ، ولُبِسَ الحَرِيرُ، واتُّخِذَتِ القَيْنَاتُ والمَعازِفُ، ولعَنَ آخِرُ هذه الأمة أوّلَها، فلْيَرْتَقِبُوا عِنْد ذلك ريحاً حمْراءَ أو خَسْفاً أو مسْخاً<(رواه الترمذي).

> الثاني : في التحذير من إفْساحِ المجال للسُّفهاء ليَقُودُوا ويَسُوسُوا : والسفيه هو الذي قال الله تعالى فيه {وإذا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ ليُفْسِدَ فِيها ويُهْلِك الحَرْث والنّسْل واللّه لا يُحِبُّ الفَسَادَ، وإذا قِيل له : اتّقِ اللّه أخذَتْهُ العِزَّةُ بالاِثْمِ…}(البقرة : 204) فهو لجهْله باللّه وجهله بالصلاح لا تقوده أهواؤه إلا إلى الخراب والمصير الأسْوَد، قال  : >إذا كانَ أُمَراؤُكُم خِيَارَكُمْ، وأغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وأُمُورُكُم شُورَى بَيْنَكُمْ فظهْرُ الأرْضِ خيْرٌ لكم من بطْنِها، وإذا كان أُمرَاؤُكُم شِرارَكُم، وأغْنِياؤُكم بخَلاَءَكُم، وأمُورُكُم إلى نِسَائِكُم فَبَطْن الأَرْضِ خيْرٌ لكم من ظَهْرِها<(رواه الترمذي).

> والثالث : يحذرنا من الوصول إلى خِفَّة وزننا في الميزان الدولي : قال  : >يُوشِكُ أن تَدَاعَى عَلَيْكُم الأمَمُ مِن كُلِّ أفُقٍ، كما تدَاعَى الأكَلَةُ على قَصْعَتِها، قُلْنا يا رسول الله : أمِن قلّةٍ نحْنُ يوْمَئِذٍ؟!، قال : بلْ أنْتُم يوْمئِذٍ كَثِيرٌ، ولكِنَّكُم غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وليَنْزِعَنّ اللَّهُ مِن صُدُورِ عَدُوِّكُم المهَابَة مِنْكُم، وليَقْذِفَنّ اللّه في قُلُوبِكُم الوَهْن، قالوا : يا رسول الله، وما الوَهْن؟!، قال : حُبُّ الدُّنْيا وكَراهِيَة الموْتِ<(رواه أحمد وأبو داود وغيرهما).

تميّز بعض خطباء الأعياد لهذه السنة، تميزوا بحَث المسلمين على الفَرح بالعيد كما كان يفرح به المسلمون في عهد رسول الله ، بالغناء والإنشاد، والضرب على الدّفوف، ومشاهدة الألعاب الحبشية -آنذاك-.

والغريب في الأمر أن التجاذُبَ بين مُجيزي الغناء الجميل الكلام والهدف وبين المحَرِّمين له تحريماً قطعيّاً بدون ترخُّصٍ أو مراعاةَ مناسبة لمْ تهْدأ حِدَّتُه إلا أواخِرَ القَرْن الماضي، بل ما زال بقيةٌ من ضحاياه يلفِظون أنفاسهم الأخيرة التي خنقتْها الفضائيات التي لا تسْتَأْذن أبا، ولا أخاً، ولا زوجاً، ولا حاكماً، ولا مُفتياً، ولا متشدداً، ولا مترخصاً…

والغريب أيضاً أن حَمَلة راية التشدد من عباءة تلك البلدان المتساهلة اليوم خرجَتْ!!

فماذا وقع؟! هل الأمْرُ مصادفة؟! وكيف يكون مصادفةً والتنادي بالفرح صَدَر من عدة جهات، ومن عدة منابر، كأنه مُتواصًى به؟!

وياليت الأمْر كان دعوةً للفرح بالعيد فقط!! ولكن الأمْرَ تعدَّى ذلك إلى النّعْي على العلماء والدعاة الغيورين الذين يلسَعُون ظهر الأمَّة بسياط التحذير من الانزلاق في هاوية المخططات العدائية التي تستَهْدِف تمْييع الأمة، وتمْييعَ أخلاقها، وتمييعَ رِسَالتِها الجِدِّيَة؟!

فالعيد آنذاك فُرْصة فريدة للترويج العَابد، والتسلية السابِحَةِ القانتة!! أما عيدنا ففرصة -عند البعض- لزيادة التجرؤ على الله، والتمرد على الخلق الإنساني الكريم، فهل يلتقيان؟!

أخشى ما يخشاه المرْءُ أن يكون الأمْرُ مخططا :

< لإضفاء الشرعية على الانْحدار الذي وقعت فيه الأمة، بتَبْرير نسْيانِ آلامها وأحزانها وأهدافها، تمهيداً للرِّضا التام بالاسْتِحْمار والاسْتِبْغَال.

< ولإضفاء الشرعية على ثقافة التمييع والاسترخاء تمهيداً للعملية الجراحية الكبيرة المتمثلة في تنقية البرامج التعليمية من كل المبادئ الرجولية، والأصول الإيمانية الفارقة بين الشرع والهوى، بين الجدِّ واللعب، بين الحقائق والأوهام…

استضاءةً بتحذيرات الرسول  الحريصة على وقَايَتِنا من المخاطر العاطبة، نتساءل :

> هل في حُكْمنا -على امتداد العالم الإسلامي- ما يُفرح ويدعو للسرور؟! أليس الاستبداد ضارباً أطنابه؟!

إن الرسول  قال لنا : إذا كانت الشورى منعدمة، والأهواء سائدة، وعبادة الأموال مُتفشيّة فبطن الأرض خير من ظهْرِها.. أليس الأمرُ -اليوم- على ما أخبر به الرسول الأكرم؟! أيَدْعُو ذلك للسرور، أمْ إلى تمنِّي السّتْر تحت القبور؟!

> حذّرنا الرسول  من إفْسَاحِ المجال للأشرار حتى لا يُسَيْطروا على شرايين الأمة فيَخْنُقُوها إلى درجة اضْطِرار أخْيار الأمة رُكُوبَ أمواج المداهنة والمجاملة والإكرام قَصْد الوصول إلى حقٍّ بسيطٍ من حقوق الحرية، أو حقوق الدّعوة، أو حقوق الإعلام، أو حقوق التأسيس للتجمُّعات التربوية.. فَهَلْ في سَيْطرة الأخطبوط الخانق شيءٌ يدعو للفرح والسرور؟!

> وحذرنا الرسول  من ترك المال العام نهْباً لأَموات الضمير، فبِيَد مَن ثرواتُ الأمة الظاهرة والباطنة؟! أليستْ بِيَد الشَّبَكَات المحلية والعالمية النّاهِبة والمُسْتنزفة؟! هل في ذلك ما يدعو للفرح والسرور؟!

> وحذرنا الرسول  من الوصول إلى نقطة ما تحْت اصسِّفْر في الميزان الدولي، فهل للأمة كلها صَوْتٌ واحِدٌ فاعل في المنتظمات الدولية الفاعلة؟! فهل في ذلك ما يدعو للفرح والسرور؟!

> وحذرنا الرسول  من التفسخ الداخلي المُتَمَثِّلِ في شُرْب المحرمات وتشْجيع القَيْناتِ للْعَبَث بالحُرمات فهل في خَلْع جلباب السّتْر والحياء ما يدعو للفرح والسرور؟!

جراحات الأمة غائرة جدا، ومُتَعَفِّنة جدا، وبلاَسِم الشِّفَاء قليلةٌ جداً، وأطبَّاءُ القلوب نادرون جدّاً، فهَلْ يُلام وُرَّاثُ الرسول  على خوفهم من وُصُول الأمة إلى الموْت السّريريّ الشّالِّ للقدراتِ والطاقات؟! {إنّ اللّه مع الذِين اتّقَوْا والذِين هُمْ مُحْسِنُون}(النحل : 128) {فبِذَلِك فلْيَفْرَحُوا هُو خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون}(يونس : 58).


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “افتتاحية – {لعَلّك باخِعٌ نَفْسَك ألاَّ يكُونوا مُومِنين} (الشعراء : 3)