افتتاحية – {فَلْيَعْبُدُوا ربَّ هذَا البَيْت الذِي أطْعَمهُم من جُوع وآمنهُم من خُوْف} (قريش  : 3- 5)


لقد برَع العالَمُ الحداثيُّ براعةً منكَرة في صناعة وسائل الخِداع للسُّذَّج باختراع الشعارات الجوفاء لإلْهاء الشعوب المستضعفة وتنويمها وتخديرها حتى يتسنَّى للاعبين الكبار، والمستكبرين الطغاة تمريرُ سياسة الاستغلال البشع، والسرقة المنظمة لكل ثروات الشعوب الجاهلة المستضعفَة.

وفي هذا السياق اخترعَ الحداثيون اليومَ العالمي لمحاربة الرّشوة، ومحاربة التدخين، ومحاربة السيدا، ومحاربة الفقر إلى غير ذلك من الأيام العالمية الكذوبة.

وإذا كان الله عز وجل جعل قَبْضَ الرزق وبَسْطَه بيده سبحانه وتعالى، فهو القابض، وهو الباسط، وهو الرزّاق، وهو المُطْعِم والمُنْعِم، فإنما ذلك لحِكمة كوْنيّة عالية، هذه بعض معالمها :

1)أن الله عز وجل عادل وحكيم وعليم يعطي حَسَب مصالح الخلق وآجالهم المقدَّرة، فإذا انتهى الأجَلُ انتهى الرزق، وإذا انتهى الرزق -أيضا- انتهى الأجَل.

2) أن الله عز وجل كريم بيده خزائن السماوات والأرض، أمّا الانسان فبخيلٌ لوْ مَلَك شيئا، {قُل لو أنْتُم تمْلِكُون خَزَائِن رَحْمةِ ربِّيَ إذاً لأمْسَكْتُم خَشْيَة الإنْفَاقِ وكان الإنْسَانُ قَتُوراً}(الإسـراء : 100).

3) أن الله تعالى يعْلمُ أن الإنسان يُطْغيه الغِنى {إنّ الإنْســانَ ليَطْغَى أن رآه اسْتَغْنَى}(العلق : 6) {ولَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْق لعِبَادِه لبَغَوْا في الأرْضِ  ولكِن يُنزِّل بقَدَرٍ ما يَشَاءُ إنّهُ بعِبَادِه خَبِيرٌ بَصِيرٌ}(الشورى : 27).

4) أن الله تعالى جعل التفاوتَ في الرزق مرْهُوناً بالتفاوت في الكفايات والمواهب وإتقان العمل والأسباب إلى غير ذلك من التفاوتات التي تحافِظُ على السّنة الربانية التي جعلتْ الإنسان مُسخّرا بعضُه لبعض في هذه الحياة الدنيا {نحْن قَسَمْنا بيْنَهُم معِيشَتَهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بعْضَهُم فوْقَ بَعْضِ دَرَجاتٍ ليَتَّخِذَ بعْضُهُم بعْضاً سُخْرِيّاً}(الزخرف : 32).

5) أن الله عز وجل خلقَ الإنسان مكرّما، ومن تمام التكريم أنه سبحانه أراد ألاَّ يتحكَّم أحدٌ في مصادر رزقه، لأن التحكُّم في الرزق يُصادِر الحريّة والإرادة، ومصادرة الحرية والإرادة أعظم إهانة توجه للإنسان، تنتفي معها حريّة الاختيار للإيمان أو الكفر، وتنتفي معها حجة الثواب والعقاب.

6) أن الله عز وجل جعل الرزق بيده حتى يبقى الإنسان مرتبطا بالله تعالى مصدر رزقه، ومصدر مَدَده، ومصْدر توفيقه وترشيده وهداه، ومصدر تسخير الأرض والسماء والبر والبحر له، فلا يتعلق قلبُه بمال، أو صاحب مال، أو ربّ عمل، أو حكومة، أو نقابة، بل يتعلق القلب بالله وحده، إذ هو الذي يسخرنا لخدمة مصالح بعضنا بعضا، ونفع بعضنا بعضا لوجه الله تعالى فقط.

وإذا كانت أكثرية الحكومات في البلاد الإسلامية درجَتْ على تقليد الدّول الكافرة في معالجة كل قضاياها بعيداً عن مراعاةِ حقّ الله تعالى ربّ الكوْن، وربّ الحياة، وربّ الأحياء، ورب الإنسان، بحيث تعْرض برامج التعليم، وبرامج السياسة، وبرامج الاقتصاد، وبرامج الإعلام، وبرامج القضاء، وبرامج السياحة، وبرامج التشغيل، وبرامج الأسرة… كأن الله عز وجل غير موجود، وإذا كان موجوداً -تقديراً وفرضا ومجاملة- فهو سبحانه لا يحكم، ولا يُدبّر، ولا يحاسِبُ، ولا يراقب، ولا يثيب، ولا يعاقب…

تجاهُلٌ تام لحق الله تعالى، لأن مسؤولينا الموقّرين يعرفون تمام المعرفة أنهم لو عرضوا برامجهم وفْقَ النظرة الشرعية للحياة، وانطلقوا من حقّ الله عز وجل أولا لشطّبهم النظام العالمي الذي لا يعرف الله في الوُجود، فهم يخافون من الناس ولا يخافون من الله الآخِذِ بنواصي المجرمين مهما علاَ شأنهم، وكبُر انتفاخهم {فلاَ يغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُم فِي البِلاَد}(غافر :3).

فهل بهذا التجاهل لله تعالى ستُحَلُّ مشاكلنا؟! هل بهذا التجاهل ستتكوّن شخْصيتُنا؟! هل بهذا التجاهل سنتقدم علميا واقتصاديا وسياسيا؟! كلاَّ.

إن غيرَنا سبقوا وتقدموا بالجد في التعلم، والجد في البحث، والجد في اكتشاف علوم التسخير، والجد في توفير الحياة الكريمة للأفراد والشعوب، والجد في انتهاج السياسة المتوازنة، والجد في محاربة الاستبداد والرشوة والفساد السياسي والأخلاقي، والجد في التوحد على المصالح الدنيوية التي تجمع بينهم…!! فوجودهم على هذه القمم رهْنٌ ببقائنا في الحُفَر!!

فمسؤولونا يقلدونهم في تغييب حقّ الله تعالى، ولا يقلدونهم في تحقيق الحرية والديمقراطية، وتعميم التعليم، وتشجيع الكفاءات، وإعطاء القيمة لإنسانهم كأنه لم يُولَدْ مِثلنا من طين، ويتعيش مثلنا من الطين!!

فلا نحن تقدّمنا في المادة وتسخيرها مثلهم، ولا نحن رجعنا إلى ديننا لنَفُوقَهُم!! فنحن في المنزلة بين المنزلتين، لسنا كفاراً خُلّصاً صرحاء، ولسنا مسلمين خُلّصاً صرحاء!! فأين نحن؟! نحن المذَبْذَبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا.

إن الله تعالى يضع حقه سبحانه وتعالى على رأس كل الحقوق والتشريعات، وعلى رأس كل العلاجات لكل المشاكل، وهذه عيّنة من الأمثلة الصريحة في هذا السياق :

1- قبل أن يأمرنا بالإحسان للوالدين وعدم قتل الأولاد، وإقامة العدل قال {واعْبُدوا اللّه..}(الأنعام والنساء، وفي الإسراء {وقَضَى ربُّك ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاه وبالوَالِدَيْن إحسَاناً}.

2- عندما أمرنا بالقراءة في أول آية نزلت قال : {اقْرَأ باسْمِ ربّك} أيْ تصَرَّفْ في كل شؤون الحياة على هذه البسيطة باسم خالق الكون، وخالق الحياة، وخالق الإنسان.

3- عندما أعطانا حرية الأكل والشرب قال : {فكُلُوا مِمّا ذُكِر اسْمُ اللّه عليْه}(الأنعام : 119).

4- عندما حدَّد لنا المرجعية التي ننطلق منها في كل أمورنا قال : {يا أيُّهَا الذِين آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَي اللّه ورسُولِه}(الحجرات : 1).

5- بل في ميدان تبيين مصْدر الرزق، ومصدر الأمن قال : {فلْيَعْبُدوا ربَّ هَذَا البيْت الذِي أطْعَمَهُم مِن جُوعٍ وآمنَهُم من خَوْف}.

6- بل إذا كان الابتلاء بالجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات سنة ربانية، فإن ذلك لحكمة الرجوع لله تعالى عبادة، ودعاءً، وتضرعاً، وتوبةً، وإنابة لتفريج كل الأزمات المُبْتَلَى بها {فلَوْلاَ إذْ جَاءَهُم بأْسُنَا تَضَرَّعُوا ولكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّن لهم الشَّيْطانُ ما كَانُوا يعْمَلُون فلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا به فتَحْنا عَلَيْهم أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حتَّى إذَا فرِحُوا بِما أوتُوا أخَذْنَاهُم بغٌتَةً، فإِذا هُم مُبْلِسُون فقُطِع دَابِر القَوْمِ الذِين ظَلَمُوا والحَمْدُ للّه رب العَالَمِين}(الأنعام : 45).

إذن نسيان الرجوع لله، ونسيانُ التضرع، نسيانٌ لله تعالى الذي بيده تفريج الأزمات، والتوفيق إلى الأسباب النافعة لحل الأزمات، والإغاثة بالغيث النافع المزيل لأصول الأزمات، نسيان كل هذا هو السبَبُ الرئيسي في فتح كل أبواب الفتن الداخلية والخارجية علينا، حتى إذا لم نفقه حكمة تلك الفتن سلط الله علينا الضربات القاصمة التي تأتي على الأخضر واليابس.

معنى هذا أن القوة الكفرية إذا كانت تعالج أزماتها :

1) باحتكار وسائل الإنتاج، والاختراع، والتصنيع، واحتكار المفاتيح والأسرار العلمية الخاصة بالتسخير والتداوي والوقايات حتى يبقى المحتكرون السادَةَ المتحكمين في تدفق الأموال وضخِّها وتوزيعها حسب المصلحة الخاصة للمتكبرين الذين لا يعرفون لغة وجْه الله، وسبيل الله..

2) باكتساب القوة المادية تسليحا واقتصاداً، وعلما، وإعلاما..

3) باستعمار الشعوب الضعيفة ونهْب ثرواتها…

فعلاج أزمات الفقر وغيرها في الإسلام يعتمد :

1- على الإيمان بالله وحده الرزاق، فلا تعلق بغيره أبدا.

2- بإسناد المسؤولية للمتقين حتى يتقوا الله في توزيع الأموال وخزنها، فوضع الأموال في أيدٍ أمينة متوضئة الأساسُ الأول في حلُول البركات.

3- المراقبة الدقيقة على الأموال مداخل ومخارجَ ومكاسبَ ومصَارف.

4- مراقبة استغلال النفوذ لاكتساب المال وتأسيس المشاريع.

5- حماية المال العام، سواء كان ثروات نقدية أو ثروات معدنية، أو ثروات أرضية، أو تروات حيوانية، أو ثروات صناعية، أو ثروات غابوية، فالمال العام هو ملك للأمة، فلا حق لأحد بالتطاول عليه.

6- إحداث التوازن في الأجور العليا، ليحدث التقارب بين جميع الفئات، فلا معنى لأجرة تعادل رواتب مائة شخص أو أكثر، وأجرة لا توفر الضرورات، ولا معنى لتعويضات بالملايين وتعويضات بالملاليم.

7- الاقتصاد في النفقات الكمالية، فلا معنى لموظف عنده عدةُ سياراتٍ مركونةٍ في المآرب، وملايين الأفراد لا يملكون دراجة هوائية.

8- التربية على القناعة والاستغناء بالله تعالى، والطمع في ثواب الآخرة لأنه الأبقَى والأدْوم.

9- إحياء ركن الزكاة لاستمداد البركات.

هذه بعض النقط الكفيلة بإخراجنا من الأزمات، وصدق الله العظيم إذ يقول : {ولو أنّ أهْلَ القُرَى آمَنُوا واتّقَوْا لفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِن السَّماءِ والأرْض، ولكِن كَذَبُوا فَأخَذْنَاهُم بِما كَانُوا يكْسِبُون}(الأعراف : 95).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *