افتتاحية – {يَـا أَيُّـهَا الذِين آمَنُـوا اسْتجِيبُوا للَّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُم}(الأنفال : 24)


لقد أخبرنا رسول الله  وهو الصادق المصدوق بأن أُمَمَ الكفر ستتداعى علينا لتَفْتَرِسنا عندما نُخْلِدُ إلى الأرض ويتَفَشَّى فِينا الوَهنُ، عن ثوبان مولى رسول الله  قال : قال رسول الله  : >يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كُلّ أُفُق كما تَدَاعى الأكلة إلى قصعتها، قال : قُلنا يا رسول الله أمِن قِلّة بنا يومئذ، قال : أنتم يومئذ كثيرٌ ولكن تكونون غثاء كغُثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوّكم ويجعل في قلوبكم الوَهَن، قال : قلنا وما الوَهَن؟ قال : حُبّ الدّنيا وكراهية الموت<(رواه أحمد).

لقد جاء هذا التداعي عندما هجَرنا كتاب الله تعالى، وهو :

1) الرّوح : {وكذَلِك أوْحَيْنا إِلَيْك رُوحاً من أمْرِنا}(الشورى : 52) فالقرآن رُوحُ الفرد، وروح الأُسرة، وروحُ المجتمع، وروح الأمّة، وفردٌ أو أسرةٌ أو مجتمعٌ أو أمَّةٌ بدون روح يعتَبَرُون من الأموات، والأمواتُ لا يُرْجَى منهم نَفْعٌ ولا يخشى منهم بأس، ولذلك يُسْرع بدفنهم قَبل فوْح عفنهم، فهَلْ نحنُ مظلومون إذا سلّط الله تعالى علينا من يوقظُنا بقوة الحديد والنار لاسترجاع وعْينا عسانا نتهَيَّأ لاستقبال نسائم الحياة من جديد؟!.

2) هو النور : {قدْ جاءَكُم من اللّه نُورٌ وكِتابٌ مبِين يهْدِي به اللّه من اتّبَعَ رِضْوانهُ سُبُل السّلام}(المائدة : 18) فهل نحن مظلومون إذا اطفَأنا مَصَابِيحَنا وسرْنا ورَاءَ من لا مِصْبَاح له حتى سقطْنا هَلْكى في خَناديق الذل، وخناديق التخلّف، وخناديق التشتُّت والتمزُّق؟!

3) هُو الشِّفاء : {ونُنَزِّلُ من القُرْآن ما هُو شِفَاءٌ ورحْمةٌ للمُومِنِين}(الإسراء : 82) فهل نحن مظلومون إذا تفشَّتْ فينا أمراضُ النفاق والزندقة والإلحاد؟! أمراض الغش والكذب والسَّفه؟! أمْراض الخيانة والعمالة؟! أمراض المتاجَرَة في الأعراض وكُلّ السموم القاتلة للشَّرف والمرُوءة والكرامة؟!.

وإذا كان الإسلام جاء ليَحْكُم الدُّنيا من أجْل الفوْز في الآخرة بالحياة المُخلَّدة في النعيم، بدون تصادُمٍ أو تعارُضٍ {من عَمِل صَالِحاً من ذَكَرٍ أو أُنْثَى وهُو مُومِنٌ فلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبةً ولنجْزِيَنَّهُم أجْرَهُم بأحْسَنِ ما كَانُوا يعْملُون}(النحل : 97) فإنّ الخَلَل جاء من سُوءِ الفَهْمِ للحياة، وسوءِ الفهم للنعيم، حيْثُ فُتِن أكْثَرُ الناس المغَفّلين بالحياة الدنيوية الفانية، ونسُوا الحياة الأخرويّة الخالدة، كما فُتِن أكثر الناس -أيضا- بشهوات الدنيا ونعيمها الزائل، ونسُوا نَعيم الآخرة الخالد، الذي لا يَزُولُ ولا يحُول، فرَتَعُوا في الدُّنيا يعْبُدُون شهواتها، ويتقاتلون على زخارفها، ويتعادَوْنَ من أجْلها، ويُصفُّون بعضَهم بعضاَ من أجل الاستئثار بخَيْراتها!!!

هذا الخلل في الفهْمِ هو الذي أضْعَف الأمة أفراداً وشعوبا وأُسَراً وجَعَلها قَابِلةً للاستعمار، الذي أناخ بكَلْكَلِهِ على مُعْظم شعوب الأمة الإسلامية فنَخَر كيانَها، وخرَّبَ فكْرَها، واسْتَلَب إرادَتها، ورَهَن مَصَادِرَ طاقتها المادية والمعنويّة، وبَذَر عَوامِل الشّقاق والتفرّق بين أحزابها وطوائفها ونُخَبها الفكريّة والسياسيّة، وألْهاها ببريق العلم المادي، والصنائع الماديّة، حيث حرّم عليها الإبداع في هذا الميدان بحجْب أصول العلوم الاختراعية عنها حتى يَبْقَى المستعمر سيد العلوم التسخيريّة. ويبقى العالم الإسلامي في دائرة التبضُّع والاستهلاك، ليبقى السيد المستعمر مالكاً -دائما- المفتاح المُتَحَكِّم في شؤون المنْح والعطاء، يهَب لمَن يشاء بركات التقدُّم والنمُوّ والتزوُّد بأسلحة الحِراسة لعملائه ونظمه، وحُرّاسِ فكره وسياسته، ويُعاقب مَن يشاء من الذين يمكن أن تُسوِّل لهم أنفسهم التمرُّد عليه، أو التبرُّم بثقْل متطلباته.

ولكي يتسنى للمستعمر دوامُ القبضةِ الحديدية أنْسى الشعوب الإسلامية كُلَّ ما يربطها بأصَالتِها من أصُولٍ ومبادئ ومرجعيات وأخلاق ونُظُم ولغةٍ وآداب وعلوم وتاريخ وأمجاد، فلا  تحفيظ للقرآن، ولا تدريس له تدريسا واعيا يجعل الأمة تعي رسالتها بين الأمم، ولا تدريس للسنة المبيِّنة للقرآن، ولا تدريس للسيرة لمعرفة كيف استطاع محمد  أن يُربّي رجالا قرآنيين متفاعلين مع الوحي النازل فأنشأوا به حضارة متوازنة بين الماديّة والروحانية، ولا تدريس للتاريخ واللغة وكل العلوم التسخيرية التي حثّ القرآن على تعلُّمها والإبداع فيها لمعرفة عظمة الكون، وعظمة الإنسان المكتشف بعقله لأسرار الكون، وعظمة ربّ الكون الذي تفضل على الإنسان بالكتاب الهادي إلى الصراط المستقيم.

وبهذا الإنْساءِ الهادف تَسَنّى للمستعمر أن يضمن لنفسه السيادة المطلقة على الأمة المُفرِّطة في هويتها، وبذلك ترسَّخَتْ الهزيمة النفسية، والسياسية، والإعلامية، والاقتصادية والعلمية في جميع أوصالِ ومرافق الأمة، فلا ترى إلا ما يراه المستعمر السيد، ولا تسمع إلا ما يقوله المستعمر، ولا تخطيط إلا وفق تخطيط المستعمر، ولا ترى لنفسها مستقبلا إلا في ظل رضا المستعمر، ما رآه المستعمِر ديناً هو الدين، وما رآه إرْهاباً هو الإرهاب، وما رآه تقدُّماً هو التقدم، وما رآه تسامحاً هو التسامح، وما رآه حقوق إنسان هو الحقوق، وما رآه تطرفا هو التطرف،… فلا توحيد للمسلمين، ولا تسليح للمسلمين بإرادتهم وصناعتهم، ولا حجاب للمرأة المسلمة، ولا مقاومة للمحتل الغاصب وإن كانت جميع قوانين الدنيا تبيح الدفاع عن النفس، والدفاع عن الكيان المعرَّض للإبادَة.

فهل هذه الدُّونيّة يمكِن أن تُعَالجِ ببعْض المواعظ، وبعض المحافظة على الأشكالوالمظاهر الإسلامية في الوقت الذي غَزَا المستعمِرُ أفكارَنا وعقولَنا ومشاعرَنا ونُظُمَنا وإعْلامنا وموازيننا وعاداتنا وسلوكاتنا… إلى درجة أن المُنسلِخِين عن هوية أمتنا يعتبرون السَّيْر وراء المستعمر ذكاءً ونباهةً وإحْسَاناً لاختيار أفْضَلِ طرُق الإنقاذ من مسيرة التخلُّف التي تردّىْنا فيها مُنْذُ طلَّقنا العمل بروح القرآن، وروح الإسلام، بدون أن يدريَ هؤلاء المنسلخون أنهم وأمثالهم من المخدوعين والمضبوعين هم سبب نكبة الأمة في إفلاسها الحضاري والرسالي والقيادي والريادي على كل المستويات؟!

إن العلاج يحتاج إلى رجال من الوزن الثقيل أمثال :

> رجل ياسين الذي تحدَّى وحده قومه، وقال لهم : {إنِّي آمنْتُ برَبِّكُم فاسْمَعُون}.

> وأمثال سحرة فرعون عندما تحدَّوا الإله المزيف وقالوا له : {فَاقْضِ ما أنْتَ قاض}.

> وأمثال حارثة الذي أصبح يرى الجنة والنار رأي العين فأظمأ نهارَهُ وأسْهَر ليْلَهُ.

> وأمثال الصائمين عن كل الشهوات إلا شهوة الخلود في جنة الرضوان، كالذي قال >فُزْتُ وربِّ الكَعْبة< عندما اخترقه رُمْحُ الغدر والخيانة، أو كالذي عزم على أن يطأ بعرجته في الجنة، أو كالذين لم ينبهروا -عند المواجهة- بقوة الطاغية جالوت، ولكنهم لشدة فرحتهم بحب لقاء الله تعالى قالوا : {كَم مِن فِئَةٍ قَلِيلة غلَبَتْ فَئةً كَثِيرةً بإذْن اللّهِ والله مع الصّابِرين}(البقرة : 247).

إن مؤمني رسول الله نوح عليه السلام الذين كانوا في أعْيُن كُبرَاءِ قومه من المُزدرَيْن المُحتَقَرين، ومن الأنذال الأراذِل {وما نَراك اتّبَعَك إِلاّ الذين هُم أرَاذِلُنا بَادِيَ الرَّأْي}(هود : 27) هؤلاء هم الذين كانوا في مِيزان الله تعالى ثقالا، فاستحقوا -رغم قِلّتِهم- استخلافهم على ظهر البسيطة بعد تطهير الأرض من سَفَهِ من لم يزدْه مالُه وولدُه إلا خساراً.

والمستضعفون الذين قال الله تعالى فيهم للرسول  : {واصْبِرْ نَفْسَك مع الذِين يَدْعُون رَبَّهُم بالغَدَاةِ والعَشِيِّ يُورِيدُون وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتّبَعَ هَوَاهُ فَكَانُ أمْرُهُ فُرُطاً}(الكهف : 28) هؤلاء هم الجياع العراة الحفاة الذين عندما وقفوا في وجه طغاة قريش قال  : >اللّهم إنّهم جِياعٌ فأطْعِمْهُم، وعُراةٌ فاكْسُهُم، وحُفَاة فاحْمِلْهُم< فماذا كانت ثمرة إخلاص الجياع العُراة الحُفاة؟! كانت الثمرة : {أنِّي مُمُدِّكُم بأَلْفٍ مِن المَلاَئِكَةِ مُرْدَفِىن}(الأنفال : 9) وكان الثمرة {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} وكانت الثمرة {ومَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللّه رَمَى}(الأنفال : 17).

فهل بعد هذا البيان لمنهج طريق الحياة بيان؟!

وهل بعد الإيمان بفوز الآخرة إيمان؟!

وهل بعد ميزان الصدق والإخلاص ميزان؟!

أ.ذ. الفضل الفلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *