أحوال الناس مع الصلاة في رمضان وغيره


الخطبة الأولى

أيها الاخوة المؤمنون : لقد فرض الله علينا الصلاة في جميع الشهور والأيام ،ولم يترك لنا حرية اختيار ادائها قبل دخول وقتها ولا بعد خروجه ،لما حدد وقتا معلوما لأداء كل صلاة فقال عز من قائل : {إنَّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً مَّوقوتاً}(النساء:103) بحيث يعتبرآثما من أخر الصلاة عن وقتها لغير عذر شرعي.غير أن للناس في هذا الشهر المبارك مع الصلاة أحوالاٌ- لا يخرجون عنها غالباً-أردنا  بيانها ليكون المسلم على حذر من أن يُصنف نفسه في خطيرها وعظيمها ،ولعلنا نكون على شوق وعزم منا لكي نرتقي إلى أكملها وأفضلها. سائلين المولى- عزّ وجلّ- أن يجعل هذا العمل خالصاً، وإليه مقرباً، وعن النار مباعداً، وأن يعفو عنّا جميعاً بمنه وكرمه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

< الصنف الأول : “من يصوم رمضان، ولا يصلي فيه ولا في غيره -وبالطبع هذا الصنف غير موجود معنا الآن ولا يسمع كلامنا ولكن نقول له غيابيا- أي صوم هذا الذي ترتجي ثوابه وأجره وأنت لا تصلي، أما تعلم أن الصلاة هي عمود الدين وهي أهم وآكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وقد علمت أن من تركها عمداً جاحداً لوجوبها كفر بإجماع المسلمين، ومن تركها تهاوناً وكسلاً كفر على القول الصحيح،

وهذا حبيبك محمد  يقول: >إن بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة<(مسلم /ص) ولا يخفى عنك أن الكافر لا يُقبل منه صيام ولا غيره.

< الصنف الثاني : من يصوم رمضان ولا يصلي إلا فيه؛ أما هذا فقد أغضب ربه، وخادعه وهذا حري أن يكون عبداً لرمضان وليس عبدا لرب رمضان! وكما قيل فيه وفي شاكلته “بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان” فمن ترك الصلاة فهو على معصية كبيرة كما ذكرنا ولا عبرة بصيامه وصلاته في رمضان فقط.

< الصنف الثالث : من يصوم رمضان ولا يعرف الصلاة ولا الجماعة طيلة أيام العام إلا في صلاة الجمعة، وصلاة العشاء في رمضان، وهذا إن لم يتب من جرمه فأمره عظيم، وخطره وبيل ومرده إلى قوله تعالى: {فويلٌ للمصلين. الَّذين هم عن صلاتهم ساهون}(الماعون :4 -5) فهذا المبخوس بعد أن استفاق من نومه على صوت المؤذن أو بالأصح على وقت الإفطار والتهم ألوان الأطعمة والأشربة، ساقته قدماه -حسب العادة- إلى المسجد ومن المعتاد أن تجد المسجد في صلاة العشاء في رمضان مزدحماً وربما يضيق بالمصلين- أما سائر الفروض فهو لا يصليها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا إن كان ممن أضاف إلى ترك الجماعة ترك الصلاة بالكلية فهو على خطر عظيم نسأل الله العافية.

< الصنف الرابع : من يصوم رمضان ويترك صلاة الفجر والظهر والعصرو المغرب جماعة ويصليهن في بيته وربما كان خارج أوقاتهن؛ فمن الناس من يقضي ليل هذا الشهر المبارك وأوقاته الفاضلة في المعاصي ما بين سهر على منكرات، ومجالس آثام ومعاصٍ، لا تعد ولا تحصى، فهؤلاء ضيعوا ليلهم في غضب الله، واستخدموا نعمه الظاهرة والباطنة فيما يسخطه عليهم، ويبعدهم عن رضوانه، ولا يخفى أن من ترك الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها دونما عذر شرعي صحيح، لا تبرأ ذمته ولو أعاد الصلاة ألف مرة، إذ أن كل عبادة لها وقت معلوم لاتصح إلا فيه.ومن تعمد ترك الصلاة بسهر في معصية الله فقد أتى كبيرة من أعظم الكبائر .

< الصنف الخامس : من يصوم رمضان ويصلي الصلوات، ويترك صلاة الفجر طيلة العام، وربما يصليها في رمضان إن كان مستيقظا، فقد ابتلي عدد من الناس بالتخلف عن صلاة الفجر جماعة، بل ربما عن صلاتها في وقتها- وقد تجد من أهل المساجد من نسي أو تناسى أن هناك صلاة خامسة تُدعى (صلاة الفجر/الصبح)- إذ دأبهم طيلة العام السهر إلى ساعات متأخرة من الليل، فتجد أحدهم تاركاً لهذه الفريضة إما عمداً أو لعدم المبالاة بها، وفي الوقت نفسه تجده شديد العناية بضبط منبه الوقت على ساعة الدراسة أو العمل!!، ولكن في رمضان قد يصليها لا لكونه مهتماً بها لكن لدخولها في وقت صحوه ويقظته!!، ولهؤلاء نقول تذكروا أن  أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر(مسلم/ص)..هذا هو حكم رسولك ، وهل تعلم يا أخي عقوبة المنافق!؟

< الصنف السادس : من يصوم رمضان ويصلي منفردا  و لا يعرف طريق المسجد ولا الصلاة مع الجماعة لا في رمضان ولا في غيره؛فهناك فئةٌ محرومةٌ من الخير، محرومة من تفيؤ ظلال بيوت الله -نسأل الله لنا ولهم الهداية- فهم لا يعرفون المساجد ولا الجماعة حتى في هذا الشهر المبارك حيث تتنزل البركات، وتصبو القلوب إلى خالقها، فمن باب أولى أنهم لا يؤمونها فيما سواه. روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود ] قال : >..ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا المنافق معلوم النفاق<(مسلم/ص)فهل يرضى عاقل لبيب أن يعرف في حيه بأن فلاناً لا يشهد الجماعة؟!..  هل يرضى بأن يقال عنه فلان منافق؟!.

< الصنف السابع : من يصوم رمضان وينشط في أوله بالصلاة إلا أنه يكسل بعد مضي أيام منه، لا سيما الأيام الفاضلة في آخره، إن المسلم الكيس الفطن يحاول قصارى جهده أن يغتنم الفرص ومواسم الخير فالعمر قصير، والذنب كثير والخطب كبير، فرمضان موسم جد وعمل، لا موسم نوم وكسل، وإن من الخسارة أن يكون ذلك النوم والكسل و التفريط في آخر الشهر المبارك، حيث الأيام والليالي الفاضلة التي لا يعد لها في السنة مثيل، وكفى بلية القدر فضلاً وشرفاً. فاللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا..

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبينا المجتبى، وعلى الآل والأصحاب ومن اقتفى. أما بعد: فهذه لفتة وتذكرة موجزة حول أصناف الناس في رمضان مع تلك الشعيرة العظيمة، والركن الثاني من أركان الإسلام، ألا وهي الصلاة.

< الصنف الثامن :من يصوم رمضان ويحرص على صلاة التراويح وتجده في الوقت نفسه يتخلف ويفرط في الصلوات المفروضة؛ فمما لا شك فيه أن الفرائض مقدمة على النفل، وأن الواجب مقدم على المستحب، فما عساه أن يسمى ذلك الذي يفرط في الصلوات المكتوبة، إما بالنوم وإما بالانشغال بما لا يتفق مع هذا الشهر المبارك، وفي الوقت نفسه تجده أحرص ما يكون على صلاة التراويح، فهذا قد ظلم نفسه وحرمها مما أوجب عليه، واهتم بالطاعات التي هي من باب النفل والزيادة.

< الصنف التاسع : من يصوم رمضان ويصلي مع جماعة المسلمين، إلا أنه لا يحرص على إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، وربما تفوته الجماعة وإضافة إلى ذلك فهو مضيع للسنن القبلية والبعدية”وهذا مما ابتلي به الكثير من الشباب بل وممن يعدون من أهل الخير، إذ لا تراهم إلا في الصفوف الأخيرة يقضون صلاتهم. فإلى هؤلاء جميعاً نقول لهم ألا تريدون أن تكونوا ممن قال فيهم النبي  : >من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان، براءة من النار وبراءة من النفاق<(حديث حسن).

< الصنف العاشر: من يصوم رمضان ويحافظ على الصلوات جماعة، ويكون رمضان دافعاً له على تقوية إيمانه وزيادته؛ وهذه الطائفة الموفَّقة هم من عُمَّار المساجد، ولرمضان في حياتهم الإيمانية أكبر الأثر، إذ تجد أحدهم في هذا الشهر المبارك من الحرص بمكان في المبادرة إلى المساجد عند الأذان أو قبيله، والمحافظة على الصفوف الأولى فهؤلاء نقول لهم، احمدوا الله واشكروه، واسألوه من فضله وتعرضوا لنفحات مولاكم، وأدعوه بالثبات على ذلك في رمضان وغير رمضان، وإياكم من نقض الغزل بعد القوة!!

وفي آخر المطاف هذه دعوة من رب كريم رحيم طالما بادرناه بالذنوب والمعاصي وهو سبحانه يتودد إلينا بالنعم والرحمات يقول لنا : {وأنيبوا إلى ربِّكم وأسْلِمُوا له}(الزمر:54). أخي.. عد إلى اللهوأسلم له حقيقة الإسلام وقل بلسان حالك ومقالك: {ربَّنا ظَلَمْنا أنفُسنا وإن لَّم تغفر لنا وتَرْحَمْنا لنكوننَّ من الخاسرين}(الأعراف:22). وتذكر أن سيئاتك مهما بلغت فإن الله تعالى يبدلها حسنات.. نعم حسنات!! ولا تسلم نفسك للشيطان وخطواته وكن ممن قال فيهم رب البريات {إلاَّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يُبدِّل الله سيِّئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رَّحيماً}(الفرقان:70) وفي ختام هذه الكلمات ندعو الله تعالى بما علمنا أن ندعوه به {ربَّنا لا تُزغ قُلُوبَنَا بعد إذ هَدَيْتنا وَهَبْ لنا من لدنك رحمةً إنَّك أنت الوهَّاب}(آل عمران:8).

ذ. محمد بنشنوف

خطيب مسجد بلال بفاس.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *