افـتـتـاحـيـة – { إنَّها لا تَعْمَى الأبْصارُ ولَكِن تعْمَى القُلُوبُ التِي في الصُّدُور}(الحج  : 44)


قال الله لعُمْي البصائر من اليهود والنصارى وغيرهم من كل كفار الأرض في أي زمان كانو{قد كَانَتْ لكُم آيةٌ فِي فِئَتَيْن التَقَتَا فِئَةً تُقَاتِلُ فِي سَبِيل اللَّه وأخْرَى كافِرَةٌ تَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِم رَأْي العين واللَّه يُؤَيِّدُ بنَصْرِه مَن يَشَاءُ إ نَّ فِي ذَلِك لعِبْرةً لأُولِي الأبْصار}(آل عمران : 13).

والفئتان المذكورتان في الآية هما الفئتان المُتَقابِلتَان في غَزْوة بدر، حيث واجَهَتْ الفئة المومنة المُجرَّدة من كُلِّ عُدَّة وعتادٍ -بقيادة رسول الله – الفِِئةَ الكافرةَ الكثيرة العَدَد والعُدَّة، فلم تُفِدْهم كثْرة العَدَد، ولا وفْرةُ العُدَّةِ، ولا قُوَّة السلاح أمَام قُوة الله تعالى، حيْثُ دَمَّر الله تعالى جَيْشَهم، وهَزمَ حِزْبهم، وردَّهُم خائبين فاشلين خاسرين في لحظات معدودة.

والعبرَةُ المأخُوذة من هذه الوقْعَة هي أن قوة الله تعالى لا يقف في طريقها شيء كيفما كان، فهي كالعِبْرة المأخوذة من تدْمير فرعَوْن ومَن والاَه، أو قَلَّد طغيانه مِمَّنْ سَبَقَه أو لحِقَه، فالكُفران واحد، والطغيان واحِدٌ. وسُنَّةُ الله تعالى في نصْر المومنين وتدمير الكافرين واحدة، فمتى وُجدتْ الفِئةُ المقاتِلة في سبيل الله تعالى توَلَّى الله تعالى تأييدها ونصْرها، {وكَان حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ المُومِنِين}(الروم : 19).

ولكن الفئة الطاغية العمياء التي خوطبت أول مرَّة بخطاب الإنذار والتحذير -في أوائل الإسلام- لمْ تتَّعِظْ، بل استهزأت بدين الله، وبخطاب الله، واستهزأت برسول الله، وأتباع رسول الله ، واستهْزأت بقوة الله، وسنة الله، واعْتزَّتْ بمكرها ودهائها، وقوة سلاحها وحصونها، وكثرة أموالها وجنودها. فأتاها الله تعالى من حيث لم تحتسِبْ، وأخرجها من حصونها مدحورة مذمومة في غزوة بني النضير، وأسْكَن المومنين حصونهم وديارهم {هَوَ الذِي أخْرجَ الذِين كَفَرُوا من أهْلِ الكِتَابِ مِن دِيارِهِم لأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُم أن ْ يخْرُجُوا وظَنُّوا أنّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم من اللّه فأَتَاهُم اللّه من حَيْثُ لمْ يحْتَسِبُوا وقَذَفَ فِي قُلُوبِهم الرُّعْبَ يُخْربُونَ بُيُوتَهُم بأَيْدِيهم وأيْدِي المُومِنين فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصَار}(الحشر : 2).

ولم تتعظ الفئة الكافرة الطاغية من جديد، فحزّبت الأحزاب ضد رسول الله  وأتباعه، فكان التقابُل بَيْن الأحزاب الكفرية على اختلاف مِلَلِها ونحلها، وعلى كثرة عَدَدِها وعُدَّتها.. وبَىْن المِلَّة الإسلامية على ضُعْفِها وخصاصها وفقرها وقلة عددها وضُعف عدَّتها، فكانت الضربة الربانية القاصمة لجميع الأحزاب الكفرية، لتعرف وتتيقَّن أن قوة الله تعالى لا تغلبها قوة كفرية عالمية مهما طغت وتجبّرتْ، وليعرف المسلمون ويتيقنوا أن الله تعالى لَن تَغٌلبه قوةٌ عالمية كفرية مهما طغت وتجبّرت سواءٌ في القرن الواحِد والعشرين، أو ما بعد القرن الواحد والعشرين إلى يوم القيامة، قال تعالى مشخِّصاً النصر الرباني الحاسمَ المُنَزَّلَ على عباده المومنين {ورَدَّ اللَّه الذِينَ كَفَرُوا بغَيْظِهِم لَمْ يَنَالُوا خَيْراً و كَفَى اللّهُ المُومِنِين القِتَالَ، وكانَ اللّه قَوِيّاً عزِيزاً وأنزَل الذِين ظَاهَرُوهُم مِن أهْلِ الكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِم وقَذَف في قُلُوبِهم الرُّعْبَ فَرِيقاً تقْتُلُون وتَاسِرُون فَرِيقاً وأوْرَثَكُم أرْضَهُم ودِيَارَهُم وأمْوالَهُم وأرْضاً لمْ تَطَأُوهَا وكَان اللّه على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيراً}(الأحزاب : 27).

إن الله تعالى بفضله ورحمته ونُصْرته لدينه ألْزَم نفسه -سبحانه- بنُصْرة المومنين الذين يعملون على إعلاء كلمة الله.

فما هو الشرطُ الأساسيُّ لتنزُّل نَصْرِ الله؟!

إنه شرطٌ واحِدٌ ووحيدٌ، وهو القتال في سبيل الله، وهو الجهاد -بمفهومه الشامل- في سبيل الله.

وشرط خُلوصه وتجرُّده لله تعالى، أن يتَوَفَّر فيه ما قال الله تعالى : {والذِينَ جَاهَدُوا فِينا لنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنا وإنّ الله لمَعَ المُحْسِنِين}(العنكبوت : 69).

ويتوفّر فيه ما قال رسول الله  : >مَن قَاتَلَ لتَكُون كَلِمَةُ اللّه هِي العُلْيَا فَهُو فِي سَبِيل اللّه<.

كيف يتحقق هذا الشرط؟!

يتحقق بعدة مبادئ ضرورية، منها :

1) أن يكون الدين في العُرف الإيماني فَوْق اعْتبار المال، والأرض، والنفس، أي أنّ الدِّين تُبْذَل فيه الأموال والأنفس وجميع ممتلكات الدنيا من أجْل حِفْظه، لأن الإنسان إذا ربح الدِّين الذي به سيفوز في الآخرة لم يخسَر شيئا وإن مات لا يملك دانَقا ولا درهما، ولأن الإنسان إذا لقي الله بأكْداسٍ من الدنيا وبدون حَبَّة خردَل من الدِّين والإيمان، اعْتُبر من أفْلَس المفلسين، وأخسر الخاسرين.

2) أن يكون حبُّ الله تعالى في قلبه، وحُبُّ رسوله ودينه، فوق كل حُبٍّ لأي محْبُوب.

3) أن يكون حُبُّ إخوانه المسلمين في قلبه فوق كل محبة لأي إنسان مهما كانت نِحلتُه ومذهبُه وجنسيّتُه ولونه.

4) أن يكون كُرْهُه للكفر والكافرين، والنفاق والمنافقين، والإجرام والمجرمين، والطغيان والطاغين ككُرْهه للنار وحريقها وخِزْيها.

5) أن يكون المسلم مقتنعاً تمام الاقتناع بأن هذا الدِّين -الإسلام- هو الحياة، وهو الحضارة، وهو الكرامة للإنسان، وهو العزة الحقيقية لمن اهتدى وعرف الطريق.

6) أن يكون المسلم مقتنعا تمام الاقتناع أن الإسلام هو الرحمة الحقيقية للإنسان والحيوان، وجميع الأكوان، ولذلك فهو لا يألو جهداً في تبليغ هذه الرحمة للإنسان في أي مكان كان.

7) أن يعتبر المسلمُ الحُكْمَ والسُّلْطة والمسؤولية وسيلةً لتثْبِيت شريعة الله وكلمتِه في كل شأن من شؤون الحياة، وأداةً لترسيخ العَدَالة المطلقة بين كل الناس، وبيْن كل فئاتِ المجتمع لا فرق في ذلك بين المسلم وغيره.

8) أن يعتبر المسلم أن المال مال الله، وأن المُلك مُلك الله، وأن الإنسان يملك حقَّ الانتفاع وهو محاسَبٌ على النقير والقطمير.

فمتى وقع التنازل عن هذه المبادئ؟!

وقع ذلك :

1- عندما اعْتُبِر الحكْمُ مغنماً يُقَاتَلُ من أجْلِه ولو ضاع الدِّين، حيْثُ أصْبح الحِفاظ على الحكم وحاشية الحاكم الفاجر أوْلَى من الحفاظ على الدّين، وأتباع الدين، ومبادئ الدِّين، فتمزّقت وحْدة المسلمين بين طاغية وطاغية، وتوزَّعت الأوطان بين ظالم وظالم، وبدَأت الأمة تنشُدُ الخلاص من براثن المستبدِّين المنتمين -خداعاً ونفاقا- للإسلام، ولو على يد الكافرين أعداء الله وأعداء الملة والدين.

2- عندما أصبح المال معبوداً من دون الله تعالى في سبيله تنتهك الحرمات، وتُجرَّد الحملات، وتؤسس المستعمرات.

4- عندما أصبحت الـشورى -وهي أهم ركائز الحكم الإسلامي- مَلْهاةً يُخْتارُ لَها الجُهلاءُ والمسايرون لأهواء الظالمين والمجرمين.

5- عندما أصبَحَت النُّخَبُ الفكرية والسياسية والثقافية والعلمية تغترف من معْدِن الكفر والجحود، وتزدري مرجعية الإسلام، وتعتبرها ظلاما ورجعية وإرهابا.

فماذا كانت النتيجة؟!

كانت النتيجة :

1) أن الله عز وجل وكَلَنا إلى أنفسنا فلم تَعُد الأمة تتَذَوَّقُ حلاَوة ذلك النصر المتنزِّل إلا لماماً.

2) أن الأمة -على مدى قرون- انْسَحَقَتْ أمام هجمات الجهل والجمود والتخلُّف، وأمام هجمات الهَمَج المغولي، والحقد الصليبيّ، والاستخراب -الاستعمار- الغربي، بيمينه ويساره، وأَحْمره وأصْفره وأسْودِه وأخضره.

3) أن أجيال الأمة -على مدى قرون- هبطت معنوياتها إلى مستوى الحضيض، فلم تعُدْ ترفع رأساً لأمر بمعروف أو نهي عن منكر، ولم تعُد تستقل بتخطيط لإصلاح محلي أو إقليمي، أو عالمي، في أي مجال كان هذا الإصلاح، وإنما التبعيّة العمياء للكفر العالمي.

4) أن الأمة أصيبت بأمِّ النكبات سنة 1967 حيث سلّط الله على الأمة من أذلَّهُم الإسلام، ومسخهم التاريخ، وقضى الله تعالى لهم بالإفساد في الأرض مرَّتين، فعَلَوْا عُلُوّاً كبيراً، وأدخلوا الأمة في حروب خليجية مُدَمِّرة لا ناقة لهم فيها ولا جَمَل وما زالوا ينقلونها من حرب إلى حرب، ومن فتنة إلى فتنة، ومن هزيمة إلى هزيمة، ومن استسلام إلى استسلام، ومن هَرْولة إلى هرْولة.

كل ذلك يتم في غباءٍ تام، وتجاهلٍ تامٍّ عن الأسس الكبرى التي عليها قامَتْ النهضة الكبرى، وبسببها خرجت الأمة الإسلامية الخرْجةَ النموذجية العظمى، خرْجة الرسالة، خرجة الكرامة، خرجة العدالة، خرجة الوحْدة، خرجة النزاهة والتجرد التام، خرجة الطموح إلى الاستقرار في نعيم الجنان، تحت ظل الرحمن.

غاب هذا الفقه نتيجة الجَهْل والكسل والخمول، ونتيجة التبلُّد والذهول فأصبحنا كالأمم التي قال الله تعالى فيها : {أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْض فتَكُونَ لَهُم قُلُوبٌ يعْقِلُون بِها أو آذانٌ يسْمَعُون بِها، فإنّهَا لا تعْمَى الأبْصار ولَكِن تعْمَى القُلُوب التي في الصُّدُور}(الحج : 44).

ذ. المفضل فلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *