مقدمات ضرورية لفهم المراحل، وفقه ما بين عصرنا وعصر النبوة من فروق


إن الإنسان بشكله وخِلْقته هو الإنسان نفسه الذي خلقه الله تعالى منه آدم إلى اليوم، والإنسانُ بفطرته وميوله، وهُداه وضلاله، واستقامته وتمرده، وسموه وانحطاطه هو الإنسان نفسه الذي خلقه الله تعالى من أول مرة بنفس الميول والدوافع والمقومات، ولكن زمن الإنسان في عصر نوح وإبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام ليس هو الزمان الذي بُعث فيه محمد  من حيث التطوُّر العقلي والعلمي والفكري والصناعي، فقد كان الإنسان في عصر محمد  قد بلغ أوج الكمال الفكري والعقلي الذي أهّله لأن يُخاطَب بالقرآن المُعجز من حيث البيان والتشريع والعلم والتاريخ وتوضيح أُسس الهداية وأسس الضلال، وتصوير العوالم الغيبية والمشاهَدَة كأنك تراها.. إلى غير ذلك من الإعجازات القرآنية التي لا تُضاهَى. فالإنسان -من حيث النضج الفكري- الذي خوطب بالقرآن أول مرة هو الإنسان نفسه الذي يعيش اليوم إيمانا وهداية، أو مكراً وتآمراً وطغيانا، فالفرق هو في الوسائل وأشكال القهر والإذلال، ولكن الإنسان من حيث الطَّفرة العلمية والصناعية ليس هو الإنسان نفسه، الأمر الذي يقتضي تجديد الفقه للدّعوة، وتجديد الفهم للدين من حيث المتغيّرات، أما الثوابت فهِيَ هي لم تتغَيَّرْ من : دعوة لعبادة الله تعالى وحده وإيمان بالرسل والكتب والبعث… ومن صلاة وصيام… ومن عدم انتهاك الحدود المحرمة كمفسدات العقل والعرض كالخمر والزنا، إلى غير ذلك من الثوابت في الأوامر والنواهي فالذي تغير هو مستوى الإنسان من حيث المكتشفات العلمية المكثفة فقط.

أولا :  المرحلة التاريخية للدعوة النبوية

يمكن اختصار المرحلة التاريخية للدعوة النبوية فيما يلي :

1) المرحلة السرية : للتكوين والتربية والتعليم والتزكية والتنظيم والتجميع للأتباع من الأقربين وغيرهم، وهي فترة تغطي المرحلة الأرقمية التي كان الرسول  يلتقي فيها بأصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم بدون تحديد المدة الزمنية، لأن المسلمين كا نوا يلجأون إلى الرسول  للتلقي والتزود وسماع القرآن طيلة المرحلة المكية.

والأهداف الكبرى لهذه المرحلة هو البناء الذاتي للشخصية الإيمانية النموذجية في فكرها وتوجّهها ونظرتها للحياة والأحياء، والدنيا وزينتها، والآخرة ونعيمها، ونظرتها للحق وقوة دلائله والباطل وتهافت فكره، وسخافة توجهه.

كما أنها تهدف إلى إخراج المومن الفريد في سلوكه وخُلقه واهتماماته، بحيث تُصبح مجرد الرؤية والمخالطة للمسلم تُقنع المتهالكين على حطام الدنيا بجِدِّية الخط الإسلامي في إحداث التغيير الإصلاحي المطلوب للإنسان المحترم لإنسانيته وكرامته وعقله.

2) المرحلة الجهرية : للصّّدْع بالحق، والتعريف بمبادئ الإسلام وأهداف الرسالة الكبرى، من إنقاذ للإنسان السوّيّ، وإقامة الحجة على المنحرف، وهَدْمٍ لباطِل المعتقدات الكفرية وتوجّهاتها التسلطية. فهي مرحلة مُنازلة الحق للباطل فكراً ومعتقداً وسلوكاً حتى يزداد الذين آمنوا إيمانا، ويتبيَّن الطريق للمتردّدين والغافلين والشاكين، وتتهاوى مقولات الكافرين. وهي مرحلة تبتدئ من {فَاصْدَعّْ بَمِا تُومَرْ} إ لى نهاية المرحلة المكية، حيث ينضاف إلى الصدع بالحق الدفاع عن الحق بالأسلوب المناسب.

وهكذا تتلخص الأهداف الكبرى للمرحلة الجهرية في نقطتين اثنتين :

الأولى : توضيح الحقِّ، من ربِّ الحق، بواسطة رسول الحق، وعاقبة أهل الحق، الثابتين عليه وسط أمواج الباطل العاتية ليمحّص الله الذين آمنوا  ويمحق الكافرين.

الثانية : إقامة الحجة على المعاندين الرافضين لدين الله تعالى قطعاً لكل عذر يمكن أن يتعلقوا به يوم يقفون بين يدي الله تعالى لتقديم الحساب.

ولكي يكون المسلمون قائمين بالدّعوة التي تقيم الحجة على الناس لابد أن يعرفوا الدين كما أنزله الله تعالى بدون تلوين مذهبي، أو قومي، أو سياسي، أو جمودي حرفي، أو صوفي مُخرف، أو علماني مائع مهزوم. لأن التلوين يجعل الدين ممزوجا بالأهواء، والهوى صغر أو كبر يفسد الدين، وإذا فسد الدين انتفت حجيته، وذلك هو ما يسعى اليه المبطلون -لا أنْجَح الله مسعاهم-ولذلك كان الحسم الإلهي أمراً ونهياً {وأنْ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أنْزَلَ اللَّهُ ولا تتبِع أهْوَاءَهُم}(المائدة : 51) فالأمر : {احْكُمْ}، و النهي : {ولا تتبع أهواءهم} لأن الحكم بما أنزل الله تعالى خالٍ من الهوى وبخُلُوِّه من الهوى تُقام به الحجة.

ومع حُسْنِ المعرفة يأتي بالطبع حُسْن التطبيق، وحسن الدعوة، لتكتمل حلقات الحصار للكفر الذي لا سند له لا من الشرع، ولا من العقل، ولا من الفطرة، ولا من المصلحة الحقيقية للإنسان حالا ومآلاً.

3) مرحلة الصمود وتحمُّل الأذى المادي والمعنوي : وتأتي بعد الجهر وابتداء نزول القرآن الفاضح لخُواء الحجج التي يعتمدها الكفار في مقاومة الدّعوة وتشويه أصول الدين، فلم ينفعهم ادعاء التقليد للآباء والأجداد، ولم ينفعهم إطلاق الأساطير على القرآن العظيم، ولم ينفعهم إتهام الرسول بالكذب والكهانة والسحر وغير ذلك، ولم ينفعهم إغراء الرسول  بالمال، والملك، والتسييد، والنساء، والتشارك في العبادة إلى غير ذلك من المغريات، ولم ينفعهم تخويف أبي طالب ليتخلى عن حماية ابن أخيه..

بعد كل ما سبق لم يبق أمام الأعداء إلا الا نقضاض على الدّعوة للقضاء على رموزها وأتباعها، فكان القرآن ينزل بالأمر بالصبر والكف عن كل خطوط المقاومة بالسلاح الذي يعتمده الكفار {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً}(المعارج : 5) {واصْبِرْ عَلَى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً}(المزمل : 9) {واصْبِرْ لحُكْمِ رَبَّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}(الطور : 36) {كُفُّوا أيْدِيَكُمْ}(سورة النساء) ومع الأمر بالصبر كان يرد الأمر بالالتجاء إلى الله تعالى في أشكال الصلاة والتبتل والتضرع والركوع والسجود والتسبيح {لا تطعه واسْجُد واقترب}(العلق : 20).

ويدخل في الصمود التحدي بالجهر بالقرآن وإعلان الصلاة، والتظاهر الجماعي، ومواجهة الكفار بما يكرهون ولو أدى ذلك إلى الاستشهاد >سمية خياط< نموذجاً.

4) مرحلة التأمين للجماعة : أي مر حلة الهجرة للحبشة لحماية حَملة الدعوة، وتجنب الصراع السياسي خصوصاً بعد إحكام الحصار، وإحكام التجويع لاغتيال الدّعوة بدون تبعات قانونية أو جناية مرئية.

5) مرحلة محاولة فك الحصار : المضروب على الدعوة، بعرضها على القبائل خارج قريش، بعد موت أبي طالب.

6) مرحلة البحث عن الملجإ والمنطلق للدّعوة : بالعمل على تكوين المومنين خارج الرقابة الكفرية المتحكمة في قريش.

7) مرحلة الاستخلاف والتمكين بعد وجود الأرض :

وتشمل مرحلة الاستخلاف عدة مراحل:

أ- مرحلة إحكام البناء الداخلي : وعناصره هي :

< وثيقة المدينة أو >دستور المدينة< وهي عبارة عن وثيقة التعايش بين المسلمين بعضهم مع بعض، وبين المسلمين وغيرهم من مختلف المتساكنين بالمدينة، يهوداً أو مشركين، فهي عبارة عن معاهدة >المواطنة<.

< التآخي بين المسلمين أي بين المهاجرين والأنصار -غالباً- للتكافل والتشارك والتواسي.

< بناء المسجد مركز العبادة وا لتحاكم والتشاور والتزاور والتلاقي المستمر والمنظم خمس مرات على الأقل يوميا.

وصاحَبَ بناءَ المسجد إعلانُ النداء له بالآذان، ثم تحديد القبلة التي ينبغي أن يتجه إليها المسلمون بصفة دائمة، رمزاً لوحدة المتجَه في الدين والمشاعر والوظائف والسياسة.

وهذه العناصر كلها تصُبُّ في مجرى البناء الداخلي وإقامته على أسُسٍ متينة لمواجهة الأخطار الخارجية المتربصة بالمسلمين.

ب- ابتداء الصراع المسلح باذنمن الله تعالى على مختلف الجبهات : الشركية، واليهودية، والنصرانية، والنفاقية وغير هؤلاء من المتربصين والحاقدين.

وقد ابتدأ الصراع بالسرايا، ثم انتقل إلى مرحلة التوازن، فعصر التكافؤ السياسي والعسكري في المواجهة.

حـ- الانتصار على جبهة الشرك، وجبهة اليهود داخل الجزيرة >الفتح وخيبر< >والطائف<.

د- المواجهة الخارجية للروم.

هـ- عام الوفود، ثم الوفاة، بعد إكمال نعمة الدين عقيدة وشريعة وجهاداً، {اليَوْمَ أكْمَلْتُ لكُم دِينََكُم وأتَْمَمْتُ عليْكُم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُم الإسْلامَ دِيناً}(المائدة : 4).

ذ.المفضل فلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *