تفسير سورة الطلاق


11-  صلاحُ الرعيل الأول وورَعُه كان يُغنيه عن توثيق الشهادة

قول مالك وأبي حنيفة إن الجمهور الأول والرعيل الأول لم يكونوا يُشهدون هذا صحيح، هذه مسألة ينبغي أن يكون الجميع على بيّنة منها، لأن الصحابة إذا كانوا لا يُشهدون في الزواج لأنهم كانوا على حالة من الدين متينة تجعلهم يتورعون عن أن ينكروا الزواج أو يفروا منه، بل الرجل يتزوج امرأة حتى بدون شهود فإن تزوجه يُمكن أن يعتبر زواجا شرعياً ولو كان الشهود ليسوا حاضرين، وإنما أُعلن ذلك وسُمع في القرية فقط، فالإعلانُ والفُشُوُّ هو شهادة، لأن الإنسان كان يتقي الله، وكان لا يَجِد أنه من الميسور عليه أن يتزوج امرأةً اليومَ ثم يُنكر غدا، ليس هناك صحابي يفعل هذا، يتزوج امرأة اليوم وغدا يُنكرها.

لكن لما تقدّمت السِّنون وفسدت أحوال الناس وساءت علاقتهم بربهم ساءت كذلك علاقتهم بالناس فأصبح الرجل ربما تزوج امرأة، ثم من بعد يُنكر أن يكون قد تزوج بها فهنا احتيج إلى الشهود والتوثيق حِفظا لحقوق المرأة والرجل أولا، وحفظا للأنساب ثانيا، وحفظا للأموال ثالثا.

استحباب الشهادة كان قديما أما الآن فالإنسان يفعل الفظائع من أجل المال، ويفعل الأشياء العجيبة التي لا تخطر على بال لأنه ليس له قيمٌ ولا دينٌ ولا شيء، الإنسان حقيقة أصبح الآن يفكر بالدنانير والدراهم، ويَعْبُدُ الدرهم والدينار، وأصبح كل شيء ممكناً، إذن فلابد أن نواجه هذه الحالة بالتَّوثِيقِ.

ولهذا شرط الفقهاء الشهادة وقالوا : إن الإشهاد شرط كمال في العقد أي من عقد على امرأة فليكمّل العقد بالإشهاد فإن لم يفعل فليُحضر الشهود على الأقل في الدخول، إن لم يُحضرهم في العقد، ولذلك قالوا إن الشهود شرط كمالٍ في العقد، وشرط صحة في الدخول أي لا يصح أن يدخل رجل بامرأة إلا إذا أشهد عليها رجلين عدلين توثيقا لحقوقها.

إذن فقول الفقهاء بأن الرعيل الأوللم يكونوا يشهدون على ذلك فهذا يرجع إلى أحوالهم، ولكن تغير الأحوال الآن يوجب الإشهاد، فلا يمكن أن نجري أحكام الصحابة على أناس يسرقون ويدلِّسون ويُزوّرون ونقول لهم سيروا كالصحابة، لا، حُكْمُ الصحابة خاص بهم، كانوا أتقياء فتساهل الشرع معهم >هذا هو المستند الأول لما قاله مالك، وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى<.

أما المستند الثاني فهو : قولهم >إن الشهادة في الطلاق والرّجْعة مقيسةٌ على الشهادة في البيع< وهذا الأمر ليس صحيحا لأن من شرط القياس أن لا يكون هنالك فرق واضح بين المقيس والمقيس عليه، فنحن الآن نقيس الطلاق والرجعة على البيع وبينهما بونٌ شاسع.

أولاً إن ما يتعلق بالخصومات بالطلاق والرجعة هو أكثر بكثير مما يتعلق بالبيوع، أي البيوع لا تقع فيها خصومات إذا كانت شرعية، جئتَ أنت تبيعُ وجاء الآخر يَشْتَري منك كَحَال الناس في الأسواق، يبيعون الأغنام وكذا كذا، هذا يشري الخروف لعيده، ينقدُ الآخر الثمن ويَجُرُّ الخروف، هذا يعطي المال وهذا يأخذ الخروف ويتفارقان فلا تقع غالبا بينهما خصومات، فهل يمكن أن نتصور أن صاحب الخروف بعد أن يأخذ الثمن يذهب إلى المشتري فيتبعه في الطريق ويقول له إنك قد أخذت هذا الخروف مني ولم تنقدني ثمنه، هذا مستبعد جداً، الغالب هذا يأخذ الثمن ويُسلم البضاعة، هذا هو الذي يقع، وهكذا تجري الأمور كذلك في دكاكين البقالين، بين الباعة والمشترين.

إذن فهذه البيوع أسهل وهي تدور كثيراً وتروج فلذلك تعقيدُها بالإشهاد فيه نوع من التكليف للناس بما لا يطيقون، إنما يحتاج الناس إلى الإشهاد إذا صارت المبيعات ضخمة، والأثمنة كبيرة كالذين يشترون العقاراتِ، ويشترون الدُّور، ويشترون السيارات، ويشترون أشياء فيحتاجون إلى التوثيق، أما الذين يبيعون ويشترون يومياً حاجاتهم اليومية لا يشهدون على ذلك، ولو حاولوا لعطّلوا التجارة إذن كما قلت إن البيع لا تتعلق به الخصومات مثل الذي يتعلق بالطلاق، أما الطلاق فإنه يترتب عنه شيء كبير من الخصومات، الطلاق والمراجعة تنجم عنهما مشاكل كبيرة إذا لم يُوثّق ذلك.

الآن نتكلم عن ميزة الإشهاد فقط،  ولنتصوَّرْ أن رجلا أشهد على أنه طلّق فلانة وشهد الرجلان على ذلك ثم قضى الله بموت أحدهما، ماتت المرأة، أو مات الرجل فهذا الإشهاد يعصم كل واحد من أن يدّعي أنه لم يطلق بخلاف  ما إذا وقع التطليق بدون إشهاد، فإن المطلِّق يندَمُ إذا ماتت زوجته الثرية بعد الطلاق، فإنه يمكن أن يقول : لم أطلّقها، ولكنها ماتت عند أبيها، ويقول إنها كانت مجرد غاضبة، ولكني لم أطلقها، فمن يشهد بأنه لم يطلّقها؟ إذن فيرثها حينئذ ويدخل حينئذ وارثاً مع أهلها، والحقيقة أنه كان قد طلٍّقها وأبَانَها وفَارَقَها، ولكن من الذي يشهد بهذا؟ لا أحد.

والآن تقع بعض الأشياء من هذا القبيل على الساحة وفي الواقع حيث نجد بعْض الرجال مثلا طلقوا زوجاتهم، ولكنهم طلقوا وسألوا الفقيه، فقال لهم إنما هو طلاق لازم تُرجعها بشاهدين من أهلك فقط، هذا الذي يُفْتي به الفقهاء تُرجعها، فهي زوجتك ليس هناك مشكل، يوجد رجل طلّق زوجته وللمرة الثالثة، ولكنه لم يذهب عند العدول ولا المحكمة، طلّقها للمرة الثالثة ومات فتتواطأ المرأة مع أولادها على السكوت عن قضية الطلاق ويأتي أهل التركة، وترث على أساس أنها زوجته، وهذا حرام ولهذا كان لابد من الإشهاد والتوثيق تجنّباً للوقوع في الحرام، فهذه مشاكل تتعلق بالطلاق والرجعة ولا تتعلق هذه المشاكل بالبيوع.

إذن فلذلك يبدو والله أعلم أن القول أو الذهاب إلى التوثيق يكون أفضل خصوصا في عصرنا هذا، أي قول مالك بالاستحباب ربّما لا يساير الواقع المتعفن، ولا يساير العصر الملوث ربما كان قول ابن عباس ومن معه بأن التوثيق أو الإشهاد واجب أقرب إلى ضمان سير أحوال الناس إلى الأفضل والأمثل، إذن فقول الله تعالى : {وأشهدوا ذويْ عَدْلٍ منكم} تترتب عنه هذه الأحكام، فوجب إذن إشهاد على الطلاق، وإشهاد على المراجعة، لتُحْصَى العدّة ولتُحْصَى المُدد، وليُعلم أن هذه الزوجة بائن، أو أنها زوج لفلان، ولينضبط أمْرُ الأسرة الإسلامية على ما سبق.

د.مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *