تربية الأبناء وتنشئتهم على الدين والصلاح


الخطبة الأولى

أيها الإخوة في الله, لو سألتكم معشر الآباء والأمهات قائلاً: ما هو أغلى ما تملكون في هذه الدنيا بعد دينكم؟ وما هو أحب شيء إليكم في حياتكم؟ ومن هؤلاء الذين تفرحون بفرحهم وتحزنون بحزنهم وتغضبون لغضبهم؟ من هم هؤلاء الذين تسعون طيلة نهاركم لتوفروا لهم  عيشة هنية،  وحياة سعيدة؟ من هم هؤلاء الذين هم الأمل والرجاء في حياتكم وعنوان سعادتكم وسروركم؟ من هم يا ترى؟ إنكم لو تكلمتم لقلتم بلسان واحد: إنهم أبناؤنا.  نعم،  إنهم الأبناء فلذات الأكباد،  وعصب الحياة.  فلفرحهم نفرح،  ولسعادتهم نسعد،  ولشقائهم تسودالدنيا في وجوهنا،  إنهم أبناؤنا زينة حياتنا {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}(الكهف:46). أيها الإخوة في الله, إن أمانة الأبناء خطيرة وحقهم شديد وعسير، وحديثنا عن انحراف الابناء. . . نريد أن نختمهبوصايا الاسلام حول تربية الأبناء وتنشئتهم على الدين والصلاح،  ولقد أولى الإسلام العناية للأبناء منذ اختيار الأرض الطيبة التي تبذر فيها الذرية الصالحة،  فهاهو رسول الله  يقول لنا: >تخيروا لنطفكم،  فإن العرق دساس<،  ويقول عليه الصلاة والسلام: >تنكح المرأة لأربع: لحسبها وجمالها ومالها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك<. وما زال الأنبياء وهم ا لمعصومون يهتمون بأبنائهم، قبل مجيئهم الى الدنيا فهذا الخليل عليه السلام يدعو الله أن يرزقه ولداً صالحاً فيقول: {رَبّ هَبْ لِى مِنَ الصالحين} (الصافات:100)،  ويقول: {وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاْصْنَامَ}(إبراهيم:35)،  ويقول: {رَبّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصّلاةِ وَمِن ذريتي}(إبراهيم:40)،  ويقول هو وإسماعيل عند بناء البيت: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}(البقرة:128)،  ويقول زكريا عليه السلام: {رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء}(آل عمران:38). هذا اهتمامٌ من هؤلاء الأنبياء بشأن الذرية قبل وجودها،  أما بعد وجودها فكانت تتضاعف جهودهم،  ويعظم اهتمامهم بتربيتها وتوجيهها إلى الخير،  وإبعادها عن الشر، ودعوتها الى الهداية ومنعها من الضلال. وأول ما ينصب الاهتمام عليه  إصلاح. . العقائد،  كما قال تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يابَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}(البقرة:132). وهذا لقمان يوجه إلى ابنه وصايا عظيمة،  فينهاه عن الشرك ويبين له قبحه لينفره منه،  ويأمره بإقامة الصلاة،  والأمربالمعروف والنهي عن المنكر،  والصبر على المصائب،  وينهاه عن الكبر واحتقار الناس والفخر والخيلاء،  إذاً فجميع الأنبياء والصالحين كانوا يولون قضية تربية الأبناء وتعليمهم أمر دينهم اهتماماً عظيماً.  اليس هؤلاء هم النماذج الخيرة الرفيعة للآباء الخيرين؟ ألا نسعى نحن في الصلاح لابنائنا كما كانوا يسعون لاصلاح أبنائهم ؟ ألأ تحبون أن تتبعكم ذريتكم بإيمان؟ من منا لايحب ان يجمعه الله بذريته في غرفة واحدة من غرف الجنة ؟ الم تقرءوا قول الله تعالى : {الذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء}الايـة.

أيها المسلمون, إن مهمة الآباء مهمة عظيمة يجب على الآباء أن يحسبوا لها حسابها،  ويعدوا العدة لمواجهتها خصوصاً في هذا الزمان الذي تلاطمت فيه أمواج الفتن واشتدت غربة الدين،  وكثرت فيه دواعي الفساد حتى صار الأب مع أولاده بمثابة راعي الغنم في أرض السباع الضارية إن غفل عنها أكلتها الذئاب،  أو انتهشتها السباع.  وإذا كان الاسلام قد اعتبر وأد البنات عارا كان يقوم بهالآباء في الجاهلية، فإننا نخشى على آباء عصرنا وأدا من نوع آخرهو الوأد التربوي فالأب الذي لا يراقب لباس ابنته، ويرضى بها أن تخرج بلباس لايقبله الشرع، ولا ينهاها عن رفاق ورفيقات السوء، ولايحاسبها الى أين ذهبت ومع من كانت،  فهو يئدها اذا هي انحرفت،  اذا هي زاغت وهتكت خلق العفاف والحياء فباتت ألعوبة في أيادي السباع والذئاب،  فما هو السبب ؟ هو تقصير الأم والأب فالوأد التربوي معناه هو أن الأب الذي لا يأمر أبناءه بمعروف ولا ينهاهم عن منكر،  بل يتركهم وأنفسهم مع الشيطان،  فلا يأمرهم بصلاة ولا ينهاهم عن غي وفساد،  ولو نصحته لقال لك: الله يهديهم ،  وهذه فترة شباب ودعهم يلعبون،  وسوف تنقضي هذه الفترة وتزول،. . . . وما أدراك أنها ستزول،  ولو فرضنا أنها قد تزول هل تضمن أن يعيش ولدك إلى تلك الساعة الموهومة التي سيتوب فيها ويثوب إلى رشده وعقله. ألا نتقي الله يا معشر الآباء،  ألا نخاف الله،  والله إنها أمانة سنسأل عنهاغدا يوم القيامة، وإنها لحق لابد أن نؤديه، قال رسول الله : >كلكم راع, وكلكم مسؤول عن رعيته،. . .  الرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته<،  فهل أدينا حق أبنائنا من التربية؟وهل لناعذر أمام الله عندما نقصرفي جوانب التوجيه والتربية الإسلامية لأبنائنا ؟ إنه أيها الإخوة كما أن للأب حقاً على ولده،  فللولد حقٌ على أبيه،  قال بعض العلماء: “إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده،  وقد قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ في اولادِكُمْ}(النساء:11).  فوصية الله للآباء بالأولاد سابقة على وصية الأولاد بآبائهم”. سابقة على قوله تعالى :  {ووصينا الإنسان بوالديه} فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى, فقد أساء إليه غاية الإساءة وهذا هو الوأد التربوي لانه كان سببا في انحرافه وأكثر الأولاد إنما جاءهم الفسادبسبب إهمال الآباء وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه فأضاعوهم صغاراً فلم ينفعوا أنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كباراً.  كلنا يعلم أن الأب إذا رأى ابنه معرضا لخطر نار الدنيا، استغاث بكل ما يمكن لإنقاذه، استغاث بالناس من حوله،  استغاث برجال الأمن ليؤمنوا حياته،  استغاث برجال المطافئ لينقذوا ابنه وأهله من حريق نار الدنيا. . . استغاث واستغاث. . . ولكن هذا الملهوف على إنقاذ ابنه من حر الدنيا قد لا يفعل شيئا من أجل انقاذ ابنه وأهله من حر نار جهنم، ولنسال أنفسنا هذا السؤال،  أيهما أشد حرا: حرالدنيا وحرارة الدنيا أم حر جهنم؟ اقرأوا الجواب في قوله تعالى : {وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون}(التوبة:81).   قال بعض العلماء رحمهم الله (العلماء أرحم بالأبناء من آبائهم وامهاتهم، قيل ولما ذا ؟قال لان آباءهم ينقذونهم من حر الدنيا،  والعلماء ينقذونهم من حر النار يوم القيامة.  فاللهم إنا نسالك الجنة وما يقرب اليها من قول وعمل،  ونعوذ بك من النار وما يقرب اليها من قول وعمل.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبطاعته بالعمل الصالح يرتقي الصالحون أعلى الدرجات، وبالرجاء في فضله ورحمته، يدخل من يشاء من عباده في روضات الجنات، وصلى الله وسلم على من بعثته سابقا بالخيرات، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكرات.

أما بعد أيها الآباء والأمهات،  إن أبناءكم وبناتكم مقبلون على الامتحانات في هذه الأوقات،  فادعوا الله لهم بالتوفيق والثبات، واسألوا الله لهم ولأبناء المسلمين، أن يفتح الله بصيرتهم، وأن يجعلهم من العلماء العارفين، فماذا يقال عن امتحان الدنيا (الامتحان شر لابد منه ) ولكنه شر لا يأتي إلا بخير بالنسبة للناجحين والفائزين تماما كما قال تعالى عن حدث الإفك في سورة النور {لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم} وقالوا أيضا عن الامتحان (عند الامتحان يعز المرء أويهان) يعز الناجحون من لدن الآباء  والأخوان والأصدقاء  ويهان الراسبون والفاشلون من طرف الآباء.  هكذا هي الدنيا عز و هوان, فرح وحزن كما قال بعضهم :

ثمانية تجري على الناس كلهم

ولا بـــد للانسان يلقى الثمانية

سرور وحزن،  واجتماع وفرقة

وعسر ويسر،  ثم سقم وعافية

أيها الاباء والأمهات لماذا لا نقيس نجاح ابنائنا أو فشلهم في الامتحان،  على الامتحان الذي ينتظرنا نحن يوم القيامة ؟ الأبناء يتسلمون النتائج،  وعند التسليم منهم من يهنأ بالنجاح وربما مع النجاح الجائزة،  ومنهم من يتاسف لرسوبه وفشله فيندم على التقصير، أليس توزيع النتائج في الدنيا أشبه تماما بتوزيع النتائج في الآخرة ؟ألم يقل الله عن الناجحين في امتحان الاخرة في سورة الحاقة {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابية، (الجائزة) فهوفي عيشة راضية،  في جنة عالية،  قطوفها دانية،  (ماذا يقال لهم؟) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية}(الايات:19ـ24)،  هذا مآل الناجحين هناك، اللهم اجعلنا وأبناءنا وبناتنا منهم، واحشرنا في زمرتهم،  ولكن ما مصير الراسبين الخاسرين الغافلين عن طاعة رب العالمين،  مصيرهم ماحكاه الله  عنهم بعد الفراغ من الحديث عن الناجحين قال: {وأما من اوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم اوت كتابية ولم ادر ما حسابية ياليتها كانت القاضية ما أغنى عني مالية هلك عني سلطانيه (المصير) خذوه فغلوه،  ثم الجحيم صلوه،  ثم في سلسلة  ذ رعها سبعون ذراعا فاسلكوه (لماذا )إنه كان لا يومن بالله العظيم، ولايحض على طعام المسكين،  فليس له اليوم هاهنا حميم ولاطعام إلا من غسلين، لا ياكله إلا الخاطئون}(الايات : 25- 37).

فيا أيها الآباء, اتقوا الله في أبنائكم, وأحسنوا تربيتهم واحفظوهم من الفساد والضياع ما دام الأمر في أيديكم وما دمتم في زمن المهلة قبل أن تندموا وتلوموا أنفسكم في وقت لا تنفع فيه الحسرة ولا الندامة. أيها الآباء, عذراً إن ندَّت إشارة أو قسَتْ عبارة،  فإنها نصيحة مشفق،  وعتاب محب،  وعذراً عن عتابكم وعفواً على مصارحتكم،  فوالله لو عاشرتم الشباب ونظرتم في واقعهم لما لمتمونا ولا أخذتم علينا،  ولقلتم: أنتم قد قصرتم في حقنا و واجبنا. فمَن الشباب إلا ابني وابنك وابن فلان وفلان.

ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم.

اللهم اهد ضال المسلمين وثبت مطيعهم،  اللهم أبناؤنا وبناتنا اجعلهم لك من الطائعين وعن نهيك مبتعدين،  اللهم اجعلهم هداة مهتدين،  اللهم ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً.

ذ.محمد بنشنوف

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *