4- القوامة ليست حِجْراً على المشاركة الثقافية والنقدية


ذ. المفضل فلواتي

حقُّ المرأة في التعلم والثقافة

المرأة والتعلُّم والثقافة : كما أن الإسلام أنزله الله تعالى للرجل والمرأة على حدٍّ سواء، فكذلك العِلْمُ جعله الله تعالى من حق المرأة والرجل على حَدٍّ سواء، فقال تعالى : {واللَهُ أخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُون شَيْئاً وجَعَل لكُم السَّمْعَ والأبْصَارَ والأَفْئِدةَ لعَلَّكُمْ تَشْكُرون}(النحل : 78) فمنافذ العِلم والتعلم التي هي السمعُ والبصر والفؤاد جَعَلها الله تعالى للرجل والمرأة على السواء ليكون كُلُّ واحِدٍ منهما مطالباً بشكر الله تعالى على نِعْمة العلم التي أمَدَّه الله تعالى بوسائلها الأساسية بعد أن أخْرجَ الإنسان -رجلا وامرأة- من بَطْن أمِّه لا يعْلَمُ شيئا، ولكنه بنُموِّه تتفتّح مدَاركُه فَيعْلم ما كان يجْهل، ويفْقَه بوسائل الإدراك ما كان يَجْهله من العلوم المادية والأدبية، والشرعية والفكرية وغير ذلك من مختلف العلوم التي من شأنها أن تُوصِل إلى نتيجة  واحِدة أساسية هي شكر المُنعم والخشية منه : {إنَّمَا يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبَادِه العُلَمَاء}(فاطر : 28) سواء كانوا رجالا أم نساءً. وكل عِلْم لم يُوصِلْ إلى هذه الحقيقة يُعْتَبَرُ جَهْلاً ولو حَمَل صاحبُه آلاف الشهادات، إذْ عِلْمُه لم يتجاوَز العلم ببعض الظواهر الكونية والحياتية {يعْلَمُون ظَاهِراً من الحَيَاةِ الدُّنْيا وهم عِن الآخرِة هُمْ غَافِلُون}(الروم : 6).

ولقد وعَتْ نِساءُ العصر النبوي هذا الحقّ الطبيعي من حقوق الإنسان بدون تمييز بين الذكورة والأنوثة، فقد طالبتْ نساء ذلك العصر الزاهر بحقهِنَّ في التعليم كما يتعلم الرجال، حيث رُئَيتْ المرأة تسابق الرجال إلى حلقات العلم، ورئيتْ وهي في مجالس التحديث والتعليم والإرشاد طوَال عهد رسولالله  روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ]، قال : جاءَتْ امرأة إلى رسول الله ، فقالتْ : يار سول الله، ذهبَ الرِّجَالُ بحديثِك فاجْعَل لنَا من نَفْسِك يوماً نأْتِيكَ فيه تعَلِّمُنا مِمّا عَلّمك اللّه، فقال : >اجْتَمِعْنَ فِي يَوْم كَذَا وكَذَا، في مَكَانِ كذا وكذا< فاجْتمَعْن فأتاهُنّ رسول الله  فعلَّمَهُنّ مِمّا علّمَهُ اللّه<.

وعن فاطمة بنت قيس.. قالت : فلما انْقَضَتْ عِدَّتي سمعتُ نِدَاء المنادي <تقصدُ منادِي رسول الله < ينادي : الصلاةُ جَامِعة(1)، وفي رواية : فنودِي في الناس : أن الصلاة جامعة، فانْطلَقْتُ فيمَن انْطَلَق من الناس، فكُنْت في الصّفِّ المُقَدَّمِ من النساء، وهو يَلي المُؤَخَّرَ من الرجال<(رواه مسلم)(2).

وعن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت : >فلما انصرف رسول الله  (من صلاة الكسوف) حمد الله وأثنى عليه ثم قال : ما من شيء كنت لم أره إلا وقد رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار. ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبا من فتنة الدجال، يُؤتى أحدكم فيقال له : ما علمك بهذا الرجل؟! فأما المومن أو الموقن… فيقول : محمد رسول الله  جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا، وآمنا، واتبعنا، فيقال له : نَمْ صالحا، فقد علمنا أن كنت لموقنا. وأما المرتاب أو المنافق فيقول : لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا(3) فقلتُه، وفي رواية(4) فذكر رسول الله  فتنة القبر التي يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضجّ المسلمون ضجَّة(5) حالت بيني وبين أن أفهم آخر كلام رسول الله  فلما سكت ضجيجهم، قُلت لرجل قريب مني : (أيْ بارك الله فيك، ماذا قال رسول الله  في آخر كلامه؟! قال : قد أوحي إلي أنكم تُفتنون في القبور قريبا من فتنة الدجال)(6).

حق المراجعة والدفاع عن الحق والرأي

عن عائشة رضي الله عنها، قالت : إني لأَسْمَعُ كلامَ خَولةَ بنت ثعلبة، ويخفَى عليَّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول ، وهي تقول : نثرتُ له بَطْني، حتى إذا كبِرت سِنِّي، وانقطعَ ولَدي، ظاهرَ مِني، اللهم إنّى أشكو إلَيْك. فما برحَتْ حتى نزل جبرائيل عليه السلام بهذه الآيات {قَدْ سَمِعَ اللَّه قوْلَ التِي تُجَادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ}<(رواه ابن ماجة).

وورد في الطبقات الكبرى عن عمران بن أنس، قال : كان مَنْ ظَاهَر في الجاهلية حرُمت عليه امرأتُه آخر الدَّهر، فكان أولُ من ظاهر في الإسلام أوْسَ بن صامت… فلاحَى امْرأَتَه -نازَعَها وشَاتَمَها- خوْلة بنْت ثعلبة في بعض صَبْواتِه -جَهْلِه- فقال : أنتِ عليّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال، فقال لامرأته : >ما أرَاكِ إلا قَدْ حرُمت عليَّ< قالت : >ما ذكَرْتَ طلاقا، وإنما كان هذا التحريمُ فينا قبل أن يبعث الله رسوله، فأْتِ رسُول الله فسَلْهُ عمّا صَنَعْت<، فقال : >إنّى لأَسْتَحْيي مِنْه أنْ أسْأَلَهُ عن هذا فأْتِ أنتِ رسول الله  عَسَى أنْ تُكْسِبيِنا مِنْهُ خَيْراً تُفرِّجِين بِه عنَّا ما نحْنُ فِيه مِمّا هُوَ أعْلَمُ بِه<.

فلبسْتُ ثياباً ثم خرجتُ حتى دخلتُ عليه في بيت عائشة فقالت >يا رسول الله، إن أوساً من قد عرَفتَ، أبو ولَدي، وابْن عمِّي، وأحبُّ الناسِ إليَّ، وقدْ عَرَفْتَ ما يصيبُه من اللّمَمِ(7) وعَجْز مقْدرته، وضُعْف قُوته، وعِيِّ لِسانِه(8). وأحقُّ من عاد عليه أنَا بِشَيْء إن وجَدتُهُ، وأحَقُّ من عاد عَلَيَّ بشيء إنْ وجده هوَ(9).

وقد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتابَ ما ذكر طلاقا، قال : أنتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّى<. فقال رسول الله  : >ما أراكِ إلاّ قدْ حَرُمْتِ عَلَيْه<. فجادلت رسول الله  مِرَاراً، ثم قالت : >اللّهُمّ إني أشكُو إليك شدة وُجْدي، وما شَقّ علي من فراقه، اللهم أنْزِلْ على لسان نبيك ما يكون لنا فيه فرجٌ<.

قالت عائشة : فلقد بكَيْتُ، وبَكى من كان معنا من أهل اليت رحمةً لها، ورقَّةً عليها.

فبينما هي كذلك بين يَدَي رسول الله  تُكَلِّمُه، وكان رسول الله  إذا نزل عليه الوحْيُ يغط في رَأْسِه، ويتربَّدُ وجْهُه، وتَجِدُ برْداً في تناياه، ويعْرَق حتى يتحَدّر منه مِثْل الجُمان<. قالت عائشة : >يا خولَةُ إنّه لينْزل عليه ما هُو إلاّ فِيك< فقالت -أي خولة- >اللهم خيراً، فإنّى لم أبْغِ من نبيّك إلا خيراً<. قالت عائشة : >ما سُرِّيَ عن رسول الله  حتى ظننتُ أن نفْسها تخرُج، فَرَقاً -خوفاً- من أن تنزل الفُرقة<.

فَسُرِّي عن رسول الله  -وهو يبتسم- فقال : >يا خَوْلة< قالت : >لبَّيْك< ونهضَتْ قائمةً -فَرَحا بتبَسُّمِ رسول الله – ثم قال  : >قد أنزل الله فيك وفيه< ثم تلا عليها {قَدْ سَمِع الله قَوْلَ التِي تُجَادِلُك فِي زَوْجِها} إلى آخر القصة.

ثم قال : >مريه أن يعتق رقبة< فقالتخولة : >وأيُّ رقبة؟! والله ما يجِد رقبة، ومالَهُ خادِمٌ غَيْرِي<.

ثم قال  : >مُرِيه فليصُمْ شهرين< قالت خولة : والله يا رسول الله ما يَقْدرُ على ذلك، وإنه ليشْربُ في اليوم كذا وكذا مرَّةً، قد ذهب بَصَرُه مع ضُعْفِ بَدَنِه، وإنما هُو كالخِرْشافَة(10).

قال  : >فمُرِيه فَلْيُطْعِمْ سِتِّين مِسْكِيناً< قالت خولة : وأنَّى له هذا؟! وإنما هي وجْبة.

قال  : >فمُريه فَلْيَأْتِ أمَّ المُنذِر بِنْت قَيْسٍ، فلْيَاخُذْ مِنْها شَطْرَ وسْقٍ تمْراً(11)، فيتصدّقُ به على ستِّينَ مِسْكِينا<.

فنهضَتْ، فترْجع إليه، فتجده جالسا على الباب ينتظرُها، فقال لها : ما ورَاءَك؟! قالت : خيراً، وأنتَ دَمِيمٌ. قد أمرك رسول الله  أن تأتي أمّ المنذر بنت قيس، فتأخذ منها شطر وسْق تمراً، فتصدق به على ستين مسكينا.

قالت خولة : فذهب من عندي يعْدو حتى جاء به على ظهره، وعَهْدي به لا يحْمِل خمسة أصْوُعٍ(12)، قالت : فجعل يُطعم مُدَّيْن من تمر لكل مسكين(13).

فخولةُ هنا جادَلتْ الرسول  وراجَعَتْه في عَادةٍ جاهليَّةٍ ظالمة كانت تُعاقَب بها المرأة، فتعجّبتْ كيف يُمكن أن يوافق الإسلام على هذا الظلم، فلمْ يمنعْها مقامُ الرسول  من أن تُنَاقِشَه في هذا الأمر، فكيف تُمنَع من مناقشة الزوج؟ أو الأب؟ أو الحاكم؟!.

إن مناقشتها تدُلُّ على فِقْه المرأة العربىّة لمنهج الإسلام، فهي لَمْ تومِنْ به انقياداً وتقليداً، ولكن اقتناعاً بأن دين الإسلام هو المنهج العادِل لإنقاذ الإنسان من ظلم أخيه الإنسان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تدل هذه المجادلة على نبُوّة الرسول حقّاً، فهو لا يُمكن أن يُغَيّر حُكما أو عادة جاهلية لمجرَّد رغبته هو في تغييرها، أو رغبة القلة أو الكثرة في تغييرها، كلاّ. ولكنْه رسول مُبَلِّغٌ لما يوحى إليه.

وعن أنس أن أخْتَ الرُّبَيع أم حارثة جرَحَتْ إنساناً فاختصموا إلى النبي ، فقال رسول الله  : >القِصَاصَ القِصَاصَ<(14) فقالتْ أمّ الرُّبيِّع : يا رسول الله، أَيُقْتصُّ من فُلاَنَة؟! واللّهِ لا يُقْتص منها؟! فقال النبي  >سُبْحان الله يا أمّ الرّبيع، القِصَاصُ كتابُ الله<. قالت : لا، والله لا يُقْتصُّ منها أبداً.

قال أنس : فما زَالتْ حتى قَبِلُوا الدِّيَة. فقال رسول الله  >إنّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ منْ لوْ أقْسَمَ على اللَّهِ لأَبَرَّهُ<(رواه مسلم)(15).

والمقصُود هنا هو أنّ المرأة لمْ تَبْق مُراجعة ومناقِشة للرسول  بل انتقَلَتْ إلى الرَّفْضِ للقِصَاص وهو المُمَاثلة، قتلٌ بقَتْل، وقطْعٌ لِعُضْو بقطع العُضْو المُمَاثل، وجُرحٌ بجُرح مُمَاثِل. أي أنَّهَا لا تُريدُ المُمَاثلة، ولكن تريد الانتقال للدية، أي العوض عن الجرح. وهذا تطاوُل كبير جدّاً على الرسول . ومع ذلك لمْ يغٌضَبْ، ولمْ يتَسَخَّطْ، ولكنه تركَ الأمْر إلىعائلة أمّ الربيع ليُقْنِعُوا عائلة المرأة الجريحة بقَبُول الدية، فقبلوا، وآنذاك قال الرسول  : >إن من عباد الله< فهو  لمْ يكْتف بعَدَم الغضَب بل أثْنى على سُلُوكِ خُطَّةِ الترضية للْخَصْم.

فكيف نجد بعَْض المغرورين لا يقبلون المناقشة والمراجعة في أي شأن من الشؤون؟! إنها المصيبة التي ابتُلي بها المسلمون رجالا ونساءً، وليست المرأة وحْدَها كما يفهم بعض السُّذَّج؟!.

—————

1- الصلاة جامعة : معناها : الدعْوة لاجتماع عامٍّ مع الصلاة ليُبَلّغ الرسول فيه أمراً للمسلمين.

2- رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في خروج الدجال ومكثه في الأرض 203/8، ففي الحديث دلالة على سرعة الاستجابة للرسول  من النساء كما هو الشأن من الرجال، لأن النساء من الناس، كما فيه الدلالة أيضا على أن المسجد كان مركزاً للعبادة والتعلم والتعليم والقضاء، والاعْدادِ للجهاد وغير ذلك منمختلف الوظائف.

3- شيئا : يقولون : ساحر، أو شاعر، أو مجنون، أو يقولون : إنه ليس خاتم الأنبياء كما يقول القديانيون ومن اقتفى أثرهم، أو كما يقول النصارى واليهود فإنهم مازالوا ينتظرون النبي الخاتم الموجود في كتبهم، وسَوْف لن يأتي، لأنه جاء فعلا.

4- للبخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر 479/3.

5- ضجة : صياحاً وبكاءً عاليا عند سماع المكروه من العذاب والمشقة.

6- فتح الباري 479/3 – 480، انظر : تحرير المرأة في عصر الرسالة الجزء الثاني ص 189، وفي الحديث دليل على اشتراك المرأة مع الرجل بأدب واحتشام في مجامع العلم والتعلم وفيه دليل على سؤال المرأة للرجل عن شيء لم تسمعْه أو لم تفهمْه.

7- اللّمم : صِغارُ الذنوب، والمقصودُ بعض الفَلْتات اللسانية نتيجة الغضب.

8- عَيّ لسانه : انزلاق لسانه نظراً لعجزه عن التحكم فيه.

9- أحق من عاد علي : أي هو أحَقّ من يعُودُ عليّ بالخير إن وجده، وأنا أحَقُّ من يعود عليه بالخير إن وجَدتُه، فهما لبعضهما بعضا كُلّ منهما يفكّر في مصلحة الآخر.

10- الخِرشافة : الأرض الغليظة التي لا يَقدر أحدٌ على المشي فوقها لصعوبتها، والمعنى أن زوجها أصبح عالةً عليها وعلى المجتمع لا يقدر على فعل شيء.

11- الوَسْق : هو كيلَةٌ معلومة كانوا يكيلون بها في الأسواق، وهو سِتُّون صَاعاً، والصاع خمسة أرطال وثُلُث، أي ما يساوي نحو 320 رطْلٍ، والرطْل تقريبا يساوي الكيلو، فيكون نِصْف الصاع نحو 160 كيلو، أي تقريبا قِنطار ونصفه.

12- أصْوُع : ج صاعٍ، وهو خمسة أرطال وثلث أي لا يقْدِر على حَمْل نحو 30كيلو.

13- مُُّيْن : أي حَفْنتَيْن باليَدِ المتوسّطة.

14- القصاص  القصاص : أي المماثلة، النفس بالنفس والعيْن بالعَيْن…

15- لأبَرّه : أي لجعَلَه بارّاً صادقا في يمينه لكرامته عليه.

ذ.المفضل فلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *