المعاشرة الحسنة أساس الاستقرار السعيد


فلسفة الإسلام في الممارسة الجنسية

نصوص صريحة تطوّق عنق المرأة بمسؤولية الاستجابة للفراش

قد تقدمَتْ نصوص في سياق الطاعة الفراشية، وهذه عيِّنة أخرى من النصوص المُحَتّمة على المرْأة الاستجابة مهما كانت العوائق، باستثناء الأعذار الشرعية، من ذلك :

> قال رسول الله  : >إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تُصْبح<(صحيح مسلم).

> >لعَن اللَّه المُسَوِّفة التي يَدْعُوها زَوْجُها إلى فِرَاشِه فتقُول : سَوْف، حتّى تغْلبَهُ عَيْنَاهُ<(صحيح رواه الطبراني في الأوسط والكبير).

ومن الأحاديث التي نصَّتْ على بعض ما يمكن أن تعتذر به المرأة : مثل الركوب، أو الاشتغال بالفُرْن، ويقاس عليه الاشتغال بالطبخ والخياطة أو تحضير الدروس بالنسبة للمشتغلة بالتعليم إلى غير ذلك، قال  :

> >إذَا دَعا الرّجُل زوْجتهلحَاجتِه، فلْتَأتِه وإنْ كانتْ على التَّنُّور<(رواه الترمذي).

> >إِذَا دَعا الرّجُل امْرأَتَه إلى فِرَاشِه فلْتُجِبْ  وإنْ كَانتْ على ظَهْرِ قَتَب<(البزار ورجاله رجال الصحيح).

> >ثلاَثَةٌ لا تُقبَلُ لَهُمْ صلاة، ولا تصْعَد لَهُم إلى السَّمَاء حسَنةٌ : العَبْدُ الآبِقُ، حتَّى يرْجِع إلى مَواليه، فيَضَع يدَهُ في أيْدِيهم، والمرْأَة الساخطُ عليْها زَوْجُها حتّى يَرْضى، والسَّكْرانُ حتّى يصْحُو<(ابن حبان في صحيحه).

> >إِذَا أحَدُكُم أعْجَبَتْهُ المرْأة، فوَقَعَتْ في قَلْبِه، فلْيَعْمِدْ إلى امْرَأَتِه فلْيُوَاقِعْها، فإنَّ ذَلِك يَرُدُّ ما في نَفْسِه<(رواه مسلم) لأن الذي مع المرأة التي وقعت في قلبه هو مع زوجته من باب لا فرق، إلا في المُحسِّناتِ المادية والأدبىّة، والزوجة الفقيهة في شؤون الحياة الزوجية هي التي تعمل على سَدِّ كُل المنافذ والأبواب التي يتسرب الشيطان والهوى لاغراق الأسرة في المآثم والمفاسِد.

أعذار شرعية تُحتِّمُ العصيانَ الصّارف بأدَب عالٍ ومعالجة حكيمة

أ- المحيض : فهذا عُذْرٌ شرعيٌّ نصّ الله عز وجل عليه صراحة بأسلوب محكم، قال تعالى : {فاعْتَزِلُوا النِّساء في المَحِيض} والمقصود -طبعا- اعتزال المباشرة، في الفرج المريض ولو بالعازل الطبي، ويجوز للزوج الاستمتاع بزوجته في غير المكان المنهي عنه، استمتاعا لا ينافي الخلق، ولا يهين المرأة.

> ب- الإتْيان في الدبر : لأنه منهي عنه في القرآن بطريق المفهوم فالله تعالى عندما قال : {نساؤُكُم حرْثٌ لكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُم}(البقرة) فُهِم منه -فطرة وتاريخا وتجربة- أن موضع الحرث المُنبت للأنسال هو القُبل.

ونهى القرآن عنه في آياتٍ متعدِّدة تخبِرُنا بما وقع لقوم لوط من العذاب نتيجة انحراف فطرتهم وحرْثِهم في غير جنس الحرث، وفي غير أرض الحرث، لأن موضِع الحرث جعله الله تعالىفي المرأة، وفي القُبل، لأنّه الأطْهَرُ، والأنْسَبُ، والأخصب، والأحفظ للنسل.

أما الرسول  فقد نهى صراحة -كذلك- بقوله : >مَن أتَى حائِضاً أو امْرأَةً في دُبُرِها أو كَاهِناً فصدَّقَهُ فقَدْ كَفَر بِما أُنْزِل على مُحَمَّد<(مسند أحمد)، وقال  : >الذِي يأْتِي امْرَأَتَهُ في دُبُرِها هِي اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى<(أحمد)

> جـ- ممارسة الجنس عن طريق الفم: هذه البِدعة لم تكن موجودة بالمجتمعات الإسلامية والحمد لله، ولكنها بدأتْ تتسرَّبُ عن طريق الإعلام الحداثي المُوغل في الجنس والشاغِلِ الناسَ به بأوضاعٍ وأشكال مختلفة إلى حَدِّ الهَوس والجُنون قصْد تخدير الناس وشغلهم بأنصافِهم السفلية عن قضاياهم الكُبْرى.

فكما خلق الله تعالى فتحة الأذن للسمع، وفتحة الأنف للشم، ولا يمكن أن يقوم الأنف بالسمع مثلا، فكذلك خلق الله تعالى الفرج لمهمة، وخلق الدُّبر لمهمة، وخلق الفم لمهمة.

فالفرج مهمته بالدرجة الأولى إمتاع الإنسان بالشهوة الحلال، والولد الحلال، والفم خلقه الله تعالى للأكل الطيب، والذكر الطيب، والدّعوة لدين الله تعالى، والدّفاع عن المظلومين، والإصلاح بين الناس، والتعليم المُقدِّم للشعوب والأمم… إلى غير ذلك من المهمات الرفيعة المستوى، وذاتِ الشأن الكبير في تحلية الحياة وترقيتها، فهل يُمْكِن أن يتحوَّل إلى وسيلة لأداء شهوة مريضة؟! لا يمكن أن يُحوِّله لذلك إلا السفهاء مرْضَى القلوب والشهوات(1).

أما الدُّبُر فقد خلقه الله تعالى بالدرجات الأولى لإخراج الفضلات، وما خبُث في الجسم وأصبح سُمّاً يجب التخلص منه، فكيف يتحول هذا المكان إلى معقِد آمال الشهوات التي يُسافَر من أجلها من مكان إلى مكان، وتُبذَل في سبيلها الأموال، وتُذبح فيها الذكورة والأنوثة بسكاكين الذل والإهانة. فاللهم لطفك وسترك!! ولا تهلكنا بما فعل السفهاء منا!!.

شروط وقوع السخط وتحقق اللعنة :

إن قول الرسول  : >لاَ طَاعَةَ لمَخْلُوقٍ فِي معْصِيّة الخالق< هو الفَيْصَلُ في كل علاقة بين آمِر ومأمور، وبين الأب وابنه، وبين الأستاذ وتلميذه، وبين الحاكم والرعية، وبين الزوج والزوجة، فالطاعة للآمر من هؤلاء واجبة على المأمور مادامَتْ في رضا الله تعالى، فإذا خرجت عن هذا النطاق وانتقلت إلى معصية الله تعالى فلا طاعة. فالأبُ إذا غضب على ولَدِه، وسخِط عليه لأنه لمْ يَسْرِقْ فلانا -مثلا- فغضبُه وسُخطُه لا يصيب شيء منه الولَد أبداً، وكذلك الزوجة إذا أمرَها زوجُها بمراقصة الأجنبي أو تقبيله من وجْهِه أو فمه، أو أمَرها بشُرْب الخمر، أو تناوُل لفائف الحشيش أو التّبغ.. فعَصَتْهُ، فإنها لا تكون آثمة ولا يَضُرُّها سُخْطُه أو غَضَبُه، بلْ هُو الذي سيضُرُّه ظُلمُه لها، وستُجازى هي على صبْرها علَيْه، وحُسْن معالجتها لانحرافاته، قال  : >لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُومِنُ باللّه أن تأْْذَنَ في بيْت زوجِها  وهو كَارِهٌ، ولا أن تخْرُج  وهُو كارِه، ولا تُطِيعَ فيه، ولا أن تعزِل فِراشَه، ولا أن تضْرِبَهُ، فإن كان هو أظْلَم، فلْتأتِه حتّى تُرْضِيَهُ، فإنْ قَبِلَ منْها فبِها ونِعْمتْ، وقَبِل الله عُذْرَها، وأفْلح حُجّتَها -أظهرها وقوّاها- ولا إثْم علَيْها، وإن هُو لمْ يَرْضَ، فقدْ أبْلغَتْ عِند الله عُذْرَها<(2).

التودُّد مفتاح جَنْي ثمرة الاستجابة

إذا كان الإنسان يأكُل بعينيه وأنفه قبل أن يأكل الطعام بفمه، يَرَى فيتشهى، ويشم فيتشهى، فكذلك الزوج تتفتح نفسه لاعتصار زوجته واحتضانها باللباس الجميل والرائحة الطيبة، والمؤانسة المرحة، والضحكة المتغنِّجة، والمداعبة المتدللة، والمصارحة الوجدانية الصادقة.. بعض ذلك أو كل ذلك ينسي المشاكل، ويُفرغ القلوب من أحزانها وأوضارها، فتتّقِد العواطف، وتهيج المشاعر، فيقع التلابُس المُثمر للتوادُد والتراحُم والتساكن، حيث يصبح قلبُ الزوج سكنا للزوجة، وقلب الزوجة سكنا للزوج، أي كلّ مِنْهما يعيش في قلْبِ الآخر وإن لم يكن حاضراً.

وإذا كان التاريخ بخيلا علينا بالنماذج النسائية العديدة، فيكفي أن نذكر :

أ- عائشة رضي الله عنها : فقد قالت للنبي  بَعْد عوْدَته من اعتزاله لنسائه، ودخوله عليها أولا >إنك أقْسَمْتَ ألاّ تَدْخُل علَيْنا شهراً، وإنا أصبحنا بتسعٍ وعشرين ليلة أعُدُّها عَدّاً< فقال  : >الشهر تسعٌ وعشرون<3) فكلمة أعُدُّها عدّاً، تعبير صريح عن مقدار ما كابَدَتْه من الشوق في غيابه.

أما الذّوق العالي، والاحترام والتوقير من سيدتنا عائشة رضي الله عنها لسيدنا رسول الله ، فقد ظهر بأجلى معانيه في هذه القصة :

قال لها رسول الله  ذات مرة -مداعبا ومباسطا ومؤانسا- >إنِّي لأَعْلَمُ إذَا كُنْتِ عنِّي رَاضِيةً، وإذَا كُنْتِ عليَّ غَضْبَى، قالت : ومن أين تعرف ذلك؟ قال : أمّا إذا كُنْتِ عَنّى راضِيةً، فإنَّكِ تقُولِين : لا، وربِّ محمّدٍ، وإنْ كُنْتِ غَضْبَى، قلْتِ : لا، وربِّ إبْراهِيم<. قالت : أجل ، واللّه يا رسول الله، ما أهجر إلاّ اسْمَكَ<(4).

انظر إلى التدْليل النبوي للسيدة التي فُضِّلت على النساء كما فُضِّل التّريدُ على باقي الطعام، وانظر إلى الحديث الزوجي الدافئ الذي يؤجج مشاعر المودة (عني راضية) (كنتِ غضبى).. وانظر إلى الأدب العالي الذي كانت تتمتع به السيدة عائشة، وإلى الذوق الرفيع في الرّدِّ البديع >واللّهِ يا رَسُولَ الله ما أهْجُر إلا اسْمَكَ< إنه الوُدُّ الخالص الذي تُتَرْجمُه كلماتٌ قصيرة، ولكنها عميقة لا تُمْحَى من ذاكرة الحياة الزوجية الرائعة.

ب- أم سليم رضي الله عنها : فقد مات ولدها البكر من أبي طلحة الذي كان يعتبره نور عينيه، ولكنها أغلقت على ولدها الميت الباب، وعندما حضر أبو طلحة استقبلته أحْسَناستقبال، وعندما سأل عن ولده طمأنتْه عليه، ثم قدّمَتْ له الأكل الهنيئ، وآنستْه في أكْله بحديثها المُمتِع، وتزيُّنها الفاتح للشهية، حتّى أصاب منها ما يُصيبُ الرجُلُ من زوجه وقْت الأنس والصفاء، ثم قالت له في الأخير >احْتَسِبْ وَلَدَك< فقد قدَّمَتْ له مصيبة الموت بشكل يهوِّنُها عليه بعض التهوين وكان من نتيجة هذا الصبر الفولاذي وهذه السكينة الربّانية أن رزقها الله تعالى خلَفَهُ في تلك الليلة، لله أنتِ يا أم سليم!! ما أعظم إيمانك!! وما أكبر فضلك!! وما أحسن تجملكِ لزوجك وتودُّدَكِ لله!! حتى جرَّعتِه المصيبة حسوةً فحسْوَة، وقطرةً فقطرةً بدون أن تكسريه أو تقصمي ظهره!!.

حـ- شريح القاضي يعترف رغما عنه- بخسارته الكبيرة عند فقده زوْجه : لقد كانت لهذا القاضي قصة طريفة مع هذه الزوجة التي هزت كيانه عندما فقدها، وقد أشرنا إليها سابقا، والمُهِمُ هنا هو أن نسجِّل اعترافه بالخسارة التي أصابته قال : >لقَدْ مَكَثَتْ معِي عِشْرينَ سنةً، لمْ أعْتَبْ عليْها في شيءٍ، إلا مرَّةً واحِدةً، وكُنْتُ لها ظَالِماً< أيّ وسامِ شَرف تتزيّن به هذه المرأة بين النساء الرافلات في سُندس النعيم، واسْتبْرق الربّ الرحيم!.

حكمة الاستجابة السريعة للفراش

إذا كانت الثقافة الجنسية الوافدة على المجتمعات الإسلامية من وراء البحار تعمل على تثوير المرأة على زوجها في البيت والفراش، بل ذهبت في هذا الدرب الحداثي إلى حدِّ اعتبار مباشرة الزوج زوجته اغتصاباً، فهؤلاء ينطلقون من اعتبار الروابط الزوجية أشكالا لا دخل لها في تقييد الحريّة الجنسية وضبطها بالشرع المُراقب من الله الذي أنزله لحفظ الأعراض والأنساب، وحفظ كرامة الإنسان.

أما الثقافة الإسلامية بالنسبة للحياة الزوجية فتنطلق من :

< لا مكان للفاحشة في المجتمع المسلم تحت أي ظرف كان.

< تيسير طرق الزواج لتسريب الغريزة الجنسية في مسارها الكريم الصحيح.

< الطرف المستيقظ الغريزة -طبيعة في الغالب- هو الرجل، ولذلك كان هو الخاطب، وهو المتحمل، وكان هو المسؤول والقوام، فكان نتيجة للجِبِلّة التي خلقه الله عليها هو المتشهي، وهو الراغب في الاتصال، وهو الطالب له.

< الطرف المستنيم الغريزة -غالبا- هي المرأة، ولذلك كان المطلوب منها الاستجابة المطلقة ما لم تكن هناك موانع شرعية.

وحكمة إيجاب الاستجابة الشرعية تتجلى -باختصار- فيما يلي :

< 1) سدُّ الأبواب بإحكام في وجه كل دوافع الخيانة الزوجية : لأن الله قال : {فَمَنْ ابْتَغَى ورَاءَ ذَلِك فأُولَئِك هُمُ العَادُون} أي من ابتغى امرأة أخرى غير زوجته يُعتبر عند الله تعالى متعديا الحدود، ومن يتعد حدُود الله تعالى اعتُبر ظالما لنفسه ولزوجته ولأسرته ولمجتمعه ولدينه ورجولته وكرامته، ولذلك كان طبيعيا الإلحاحُ على فتح أبواب الحلال من جِهة ترغيب الزوجة بتلبية رغبة زوجها طاعة لله تعالى بهذه العبادة المُحَبَّبة المُلَحِمة للعُرى والساترة لضُعفِ الرجل أمام شهوته الشرعية الجُنونية. فما معنى أن تستجيب ولو كانت على قتب، ولو كانت مشتغلة بالطبخ؟! وما معنى : عدم السماح للمرأة بصيام التطوع في حضور زوجها إلا بإذنه؟! معنى هذا شيء واحد هو : مَلْءُ كِيان الزوج بحب زوجته حتى لا يتطلع إلى غيرها أبداً.

< 2) صيانة مبدإ العفة وحفظ ماء الكرامة الرجولية والنسائية : إذا كان الرسول  قال : >الوَلَدُ للفِراشِ، وللْعَاهِر الحَجَرُ< فمعنى هذا لا كرامة لرجل افترش امرأة في غير بيت الزوجية، ولا كرامة لامرأة جعلت نفسها فراشا لرجل في غير بيت الزوجية، فكلاهما عاهر، ويستحق الحجر واللعن والبصق والتشويه اللائق بالسفهاء.

ولتحقيق مبدإ العفة كان :

1) المطلوب تيسير الزواج ولو بخاتم من حديد، ولو بسورة من القرآن.

2) وكان الصيام لمن لم يقدر على الزواج لتضييق مجاري الشهوة.

عنايتها بالمثل الإنسانية والقيم الأخلاقية،  3) التزاوج عن رضاً وتفاهم حتى لا يقع التطلع والتشوف للغير.

4) وكان الفراق السريع عند النشوز وعدم التوافق، جاءت امرأة إلى رسول الله  فقالت له : >إنِّي لا أُطِيق زوْجي بُغْضاً واكرهُ الكُفر بعْد الإسلام< فقال لها -بدون مناقشة- أتَرُدِّين عليه حديقته؟! قالت : نعم، فقال لزوجها: >اقْبَلْ حديقتكِ وطَلِّقْها<.

ويُروى أن عمر بن الخطاب ] سمع امرأة تنْشُد :

فمِنْهُن منْ تُسْقَى بعذْبٍ مُبَرَّدٍ

لَقاحٍ، فتِلْكُْم عندَ ذلِك قرَّتِ

ومنهُنّ من تُسْقَى بأخْضَر آجِنٍ

أجَاجٍ، ولوْلاَ خَشْيَةُ اللَّهِ رَنَّتِ

فبعث إلى زوجها فاسْتنْكَهَهُ -شم نكهته ورائحته- فإذا هو أبْخَرُ الفم -تخرج منه رائحة منتنة- فأعطاه خمسمائة درهم وجارية على أن يطلقها ففعل(5).

> 5) وكان الدفاع عن العرض مشروعا : روى ابن القيم أن عُمر أُتِي بفتَى أمْرَدَ وُجِد مقْتولاً بالطريق، فقال : اللهُمّ أظْفِرْني بقاتِلِه< حتى إذا كان على رأس الحوْل وُجِدَ صبيٌّ موْلُودٌ مُلْقَى بموضع القتيل، فقال عمر : ظَفِرتُ بدَم القتيل إن شاء الله، فدفع الصبيَّ إلى امرأة وقال : قُومِي بشأنِهِ وخُذِي منا نفقتَه، وانظُري من يأخُذُه منك، فإذا وجدتِ امرأة تأخذه وتضمُّه إلى صَدْرها، فأعْلِميني بمكانها.

وحَدث ما توقَّعه عمر، فإذا هي ابْنَةُ شيخ من الأنصار من أصحاب رسول الله ، فجاءه عمر إلى دَارِه، وسأله عن ابنتِه، فقال الصحابي : >هِيَ مِنْ أعْرفِ الناس بحَقِّ اللّه وحَقِّ أبِيها، وذَكَر مِن حُسْن صلاَتِها وصِيَامِها< فقال عمر : >أَحْبَبْتُ أن أَدْخُلَ عَلَيْها فأزيدَها رَغْبَةً فِي الخَيْر< فدخل عمر وطَلَب من عِندها أن يخرج، وبقي هو والمرأة في البيت.

فكشف عُمر عن السيْف، وقال : >أُصْدُقِينِي وإلاَّ ضَرَبْتُ عَنُقَكِ< فقالت : >على رِسْلِك، فوالله لأصْدُقَنك، إنّ عجوزاً كانتْ تدْخُلُ علَيَّ فأتَّخِذَها أُمّاً، وكانت تقُومُ مِن أمْري كما تقُومُ به الوالِدَةُ، ثم قالت : يا بُنَيَّة، إنّه قَدْ عَرضَ سَفَرٌ، ولي ابنَةٌ في موضِعٍ أتخوَّفُ علَيْها فيه أن تَضَيعَ، وقدْ أحْبَبْتُ أن أضمَّها إليك حتَّى أرْجِعَ، فعَمَدت إلى ابنٍ لَها شَابٍّ أمْرَدَ فهَيَّأتْهُ كهيئة الجارية وأتَتْ به، فكان يَرَى مِنَّى ما ترى الجاريةُ من الجارية، حتَّى اغْتَفَلني يَوْماً وأنا نائمة، فما شعرتُ حتى عَلاني وخَالَطَنِي، فمَدَدْت يدي إلى شفْرَةٍ كانتْ إلى جَنْبِي، فقَتَلْتُه ثم أمَرْتُ به فألْقِيَ حَيْثُ رأيْتَ، فاشْتَمَلْتُ مِنه على هذا الصّبيّ، فلما وضَعْتُه ألْقَيْتُه في موْضِعِ أبِيه< فهذا والله خَبَرُهُما على ما أعْلَمتُك< فقال عمر : صَدَقْتِ، ثم أرضاها، ودعا لها، وخرج وقال لأبيها >نِعْمَ الإبْنَةُ ابْنَتُك<(6).

——-

1- لقد سُئل الشيخ يوسف القرضاوي -أكرمه الله تعالى- عن الجنس الفَموي، فقال : >بالنسبة لقضية الفم أوَّلُ ما سُئلت عنها في أمريكا وفي أوروبا في أوائل السبعينات، وهذه الأشياء لا نُسأل عنها في بلادنا العربية والإسلامية، فهم (الأمريكيون والأوروبيون) معتادون على التعري عند الجماع، فهي مجتمعات عُرْيٍ وتبرُّج وإباحة، فالمرأة تكاد تتعرى من لباسها، فأصبح الناس في حاجة إلى إثارة غير عادية، نحن عندنا الواحد لا يكاد يرى المرأة إلا متنقبة أو محجبة، فأي شيء يثيره؟! أما هناك فمحتاج إلى مثيرات قوية، ولذلك لجئُوا إلى التعري والتعري -في ذاته- لا شيء فيه من الناحية الشرعية بالنسبة للزوجين فالرسول  يقول : >احْفَظْ عَوْرتَك إلاَّ عنْ زوْجَتِك وما مَلَكَتْ يمِينُك<.

الآن. في هذا الأمر -التعري- إن كان المقصود به التقبيل، فالفقهاء أجازوا هذا، إن المرأة لو قبلتْفرج زوجها، ولوقبّل الرجل فرج زوجته، هذا لا حرج فيه، وإن كان القصدُ منه الإنزَالَ، فهذا الذي يُمكن أن يكون فيه شيء من الكراهة.

ولا أستطيع أن أقول بالحرمة، لأنه لا يوجد دليل على التحريم القاطع، فهذا ليس موْضِعَ قذَرٍ مثل الدّبُر، ولم يجيء فيه نصّ مُعَيَّنٌ، إنما هذا شيء يستقذره الإنسان، لأنه تصرُّف غيرُ سَوِيّ، إنما لا نستطيع أن نحرِّمه خصوصاً إذا كان برِضَا المرأة وتَلَذُّذِ المرأة. فالأصْلُ هو ما جاء في قوله تعالى : {والذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون إلاَّ عَلَى أزْوَاجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمَانُهُم فإِنَّهُم غَيْرُ مَلُومِين، فَمن ابْتغَى ورَاءَ ذلِك فأُولَئِك هُمُ العَادُون}(المومنون : 5 – 7) انتهى.

انظر كتاب : الأسرار الخفية للمعاشرة الزوجية لأحمد عبد الطاهر ص 227. السؤال : إذا كان من تعدى فرج زوجته إلى فرْج امرأة أخرى إلى دُبر امرأته يُعتبر عاديا كذلك قطعا، ألا يُعتبر عادياً من تعَدّى الفرج إلى الفم؟ الكثير من الفقهاء سكتوا، والكثير تردَّدُوا، والقرضاوي كَرِه ذلك واعتبره تصرفاً غير سوي، فالنتيجة أنه من عمل الشواذ.

2- رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد، في كتاب النكاح 190/2 نقلا من كتاب : شخصية المرأة المسلمة ص 165،.

3- صحيح مسلم 195/7 كتاب الصيام وغيره نقلا عن شخصية المرأة المسلمة 181، والقصة مذكورة أيضا في كتب التفاسير، قصة اعتزال النبي  أزواجه شهرا. انظر ابن كثير 467/3 – 468.

4- صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أم المومنين.

5- منهج عمر بن الخطاب في التشريع ص 418. ومعنى البيتين : أن المرأة السعيدة من تُسْقَى بماءٍ نافعٍ لقَاحٍ يُنعشها فتقرُّ عَيْنُنها به، والشقية من تُسْقى بماءٍ مُنتِن أخضر من كثرة جموده وتعفُّنه، فهذه لولا خوفها من الله لرَنَّتْ، أي لضجَّتْ بالشَّكْوَى.

6- الطرق الحكمية لابن القيم ص 29، وسيرة عمر لابن الجوزي 68 – 29 ومنهج عمر ص 225.

ذ.المفضل فلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *