المذهب المالكي وتطوره بسنة التجديد تنبيه السادة باقتراب الساعة


من المختصرات الفقهية إلى بداية التجديد

الـمختـصـرات الفقهية

وجاءت مرحلة المختصرات الفقهية، ووصل مختصر خليل بن إسحاق الجندي إلى المغرب، على يد محمد بن عمر بن الفتوح التلمساني المكناسي، فانكب عليه المغاربة حفظاً وشرحاً، حتى زادت شروحه وحواشيه على الستين، فيما يقول الإمام ابن غازي ت 919هـ رحمه الله (1).

والاختصار بطبيعته ذو تأثير سيئ على الثقافة بعامة، وعلى الفقه بصورة خاصة، وقد قال عالم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون ت 808هـ، تحت عنوان : (كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم) : “ربما عمدوا إلى الكتب الأمهات المطولة في الفنون للتفسير والبيان، فاختصروها تقريباً للحفظ؛ كما فعله ابن الحاجب في الفقه،…. وهو فساد في التعليم؛ وفيه إخلال بالتحصيل؛ وذلك لأن فيه تخليطاً على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم، وهو لم يستعد لقبولها بعد؛ وهو من سوء التعليم؛.. ثم فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلم وصعوبة استخراج المسائل من بينها؛ لأن ألفاظ المختصرات تجدها لأجل ذلك، صعبة، عويصة، فينقطع في فهمها حظ صالح عن الوقت؛ ثم بعد ذلك فالمَلَكة الحاصلة من التعليم في تلك المختصرات… مَلَكة قاصرة”(2).

ويقول الإمام الشاطبي : إن ابن بشير وابن شاس وابن الحاجب(3) أفسدوا الفقه؛ ويقول محمد بن الحسن الحجوي : إذا كان هؤلاء أفسدوا الفقه، فإن خليل بن إسحاق أجهز عليه(4)؛ وبمختصر خليل وشروحه انقطعت الصلة المنهجية بين الإمام مالك والفقهاء الذين ينسبون أنفسهم إليه، وحلت محلها الصلة بخليل بن اسحاق الجندي حتى قال نصر الدين اللقاني المصري (ت 957هـ) : “نحن خليليون إن ضل خليل ضللنا”(5)، يقول محمد بن الحسن الحجوي : “فقد صار الناس من مصر إلى المحيط الغربي خليليين، لا مالكية..، فمن زمن خليل تطور الفقه إلى طور انحلال القوى، وشدة الضعف، والخَرَف الذي ما بعده إلاّ العدم”(6).

والواقع : أن منهجية الإمام مالك في التشريع قد انقلبت، لهذه الفترة، رأساً على عقب، فقد كان الكتاب والسنة يحتلان المرتبة الأولى بين مصادر التشريع، فاحتل الفقه هذه المكانة، ووضع الكتاب والسنة أي الوحي، في مرتبة ثانوية، ونسي الفقهاء أو تناسوا قول الله تعالى الذي كان يحكم منهجية الإمام مالك : {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم}(الحجرات : 1).

ويمكن التمثيل لهذا الواقع من الفقيه صالح عبد السميع الأبي الأزهري في شرحه لمختصر خليل المسمى (جواهر الإكليل).

أ- قال خليل بن اسحاق الجندي، في سجود الشكر : “وكره سجود شكر”.

وبعده قال الشارح(7) : “كالصلاة عند بشارة بمسرة أو دفع مضرة؛ وأجازه ابن حبيب لحديث أبي بَكْرة : أن النبي  أتاه فسر به فخر ساجداً لله تعالى(8) وحجة الجمهور عدم العمل به”، فالشارح رد الحديث النبوي، لأن بعض الفقهاء لم يعمل به، فألغى الحديث النبوي بحجة أن البعض لم يعمل به، فمتى كانت معصية فقيه بمخالفة السنة تلغي السنة؟ وهل يقبل منطق الإسلام هذا الانحراف في التعامل مع الوحي؟.

ب- قال خليل بن اسحق في تعليل القبض باليدين في الصلاة : “وهل كراهة القبض في الفرض للاعتماد، أو خيفة اعتقاد وجوبه، أو إظهار خشوع؟ تأويلات”.

وقال الشارح : “بقي من تأويلات كراهة القبض مخالفته لعمل الصحابة والتابعين من أهل المدينة الدالة على نسخه، وإن صح به الحديث”(9).

ففي كلام الشارح جهل وكذب على الصحابة والتابعين، فهم لم يصلوا قط سادلين، والإمام مالك لم يسدل في الصلاة قط، وإنما روي السدل عن بعض الشيعة الإمامية من أتباع التابعين روي بسند غير صحيح، عن الإمام الشيعي جعفر الصادق، وهو يعلِّم أحد أتباعه كيفية الصلاة، قال : “وأرسل يديك، وضعهما على فخديك قبالة ركبتيك، فإنه أحرى أن تهتم بصلاتك”(10).

وحتى لو فرضنا ما قاله عن الصحابة والتابعين صحيحاً، فالنسخ يكون في عهد الرسول  لا بعد وفاته؛ وإذن فالجرأة على إلغاء الحديث، الصحيح باعترافه، بادعاء النسخ غير مبرر لامنطقاً ولاشرعاً.

ج- قال خليل بن اسحق في دعاء استفتاح الصلاة “كدعاء قبل قراءة”.

وقال الشارح : “كدعاء قبل إحرام، وقبل قراءة؛ فيكره على المشهور للعمل وإن صح به الحديث”(11).

وإزاء هذا نتساءل : من هو المشرع في الإسلام : الله ورسوله، أم الفقيه المستقل عنهما، أو المضاد لهما؟.

تطور فقه النوازل

هذا، وإذا كان الفقه قد سجل تراجعاً خطيراً على مستوى منهج إمام السنة وفقهه : الإمام مالك، رحمه الله، فإنه -من جهة أخرى- قد سجل ثروة كبيرة في مجال فقه النوازل، حيث زخرت المكتبة المغربية بكتب النوازل على منهج (التقليد) الذي يستدل بالفقهاء، وليس بالرسول المعصوم ، ومن ثم فهذه النوازل لها قيمتها الكبيرة من الوجهة التاريخية والاجتماعية والحضارية؛ لكنها ذات قيمة محدودة من الناحية التشريعية، لانفلات فقهها، في كثير من المواقع، من رقابة الكتاب والسنة، أي رقابة الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

سيدي محمد بن عبد الله السلطان المجدد

وجاء السلطان العلوي المجدد سيدي محمد بن عبد الله بن اسماعيل، رحمه الله (ت 1204ه1/ 1790م) فأحيا التجربة الموحدية في صورة تجديد للمذهب بإرجاعه إلى الكتاب والسنة، وبإبعاد الدراسة عن المختصرات المعقدة، وخاصة في المراحل الأولى للدراسة، كتب إلى علماء مساجد فاس يقول : “إننا أمرنا أن لا يدرِّسوا إلاّ كتاب الله تعالى، بتفسيره، ومن كتب الحديث المسانيد والكتب المستخرجة منها، والبخاري، ومسلماً وغيرهما من الكتب الصحاح؛ ومن كتب الفقه : المدونة، والبيان والتحصيل، ومقدمات ابن رشد”(12).

فالسلطان المجدد ركز على الكتاب والسنة، وكتب الفقه للمتقدمين، التي تخلو من تعقيد المختصرات، ومنع تدريس المختصر الخليلي للمبتدئين، وألزم أساتذتهم بتدريسهم الكتب السهلة، كرسالة ابن أبي زيد القيرواني، وأمثالها؛ واختار بالنسبة للمتقدمين في الدراسة شرحاً للمختصر هو أبعد ما يكون عن تعقيدالاختصار في اقتناعه.

أما في الفتوى فألزم المفتين بكتب المالكية المتقدمين ممن أخذوا عن الإمام مالك مباشرة، أو ممن أخذوا عن تلاميذه، أو ممن أخذوا عن تلاميذ تلاميذه؛ قال :

على المفتي أن يستند في فتواه إلى كتب الأئمة الأقدمين، مثل محمد بن الحسن الشيباني، الذي حمل مذهبي أبي حنيفة ومالك، وأخذ عن الشافعي، وابن القاسم؛ وأشهب، وابن نافع، وابن وهب، ومطرف، وابن الماجشون، وهؤلاء كلهم ممن أخذوا عن الإمام مالك مباشرة، ثم ممن أخذوا عن هؤلاء كسحنون وطبقته، ثم ممن أخذوا عنهم، كالقابسي، وابن أبي زيد….

ولا تصح الفتوى من غير كتب هؤلاء الأئمة في المذهب؛ ومن ترك كتب هؤلاء، واشتغل بأخذ الفتوى من كتب الأجهوريين، وغيرهم من أصحاب مختصر خليل، مثل بهرام، والتتائي والسنهوري، والسوداني وأمثالهم فقد خرج عن الصراط المستقيم، وكان كمن أهرق الماء واتبع السراب،..”(13).

ويحدد السلطان المجدد مصطلح (العلماء)، بأنهم المشتغلون بتلاوة كتاب الله تعالى، وحديث رسول الله ، واستنباط الأحكام منهما، والفقه في الدين، فهؤلاء العلماء المذكورون هم الذين يطلق عليهم لفظ (العلماء)، رضي الله عنهم وأرضاهم”(14).

وبالمفهوم فالمقلدة الذين يأخذون العلم عن غيرهم دون دليل، ليسوا في مفهوم السلطان المجدد، بعلماء؛ وقد قال الإمام ابن عبد البر : “أجمع الناس على أن المقلد ليس معدوداً من أهل  العلم، وأن  العلم معرفة الحق بدليله”(15).

ورغم أن السلطان سليمان بن  محمد بن عبد الله العلوي تراجع عن نهج والده في تجديد منهج الإمام مالك الفقهي، فإن الاتجاه ظل موجوداً، وإن بنسب متفاوتة، فكما كان بجانب السلطان المجدد علماء تأصيليون مثل محمد بن عبد الرحمن المنجرة، وأحمد الورزازي، وإدريس العراقي، ومحمد الجنوي؛ فقد كان بجانب السلطان سليمان بن محمد بن عبد الله ومن بعده، علماء تأصيليون(16) مثل عبد القادر بن شقرون، ومحمد الطيب بن كيران، وحمدون بن الحاج وابنه محمد الطالب بن حمدون، ومحمد بن عبد السلام الناصري، وهؤلاء كانوا يراقبون الفقه، كمجهود بشري معرض للصواب والخطأ، بالشرع أو الوحي، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويكفي أن نقرأ حاشية محمد الطالب حمدون بن الحاج على شرح محمد ميارة للمرشد المعين، حيث يصحح أخطاء ابن عاشر وشارحه استشهاداً بسنة رسول الله  وتقديماً لها على آراء الفقهاء التي لا تستند إلى دليل(17).

——

1- الفكر السامي، ج 4، ص : 244.

2- مقدمة ابن خلدون، ص : 733.

3- ابن بشير هو أبو الطاهر ابراهيم بن عبد الصمد بن بشير من المهدية بتونس، له كتاب (جامع الأمهات) وكتاب (المختصر)، ذكر أنه أتمه سنة 526هـ، وابن شاس هو أبو محمد بن عبد الله بن نجم بن شاس المصري له كتاب في الفقه المالكي، توفي مجاهداً في دمياط سنة 610هـ، أما ابن الحاجب فهو أبو عمرو عثمان بن أبي بكر ابن الحاجب المصري، توفي 646هـ، حظي مختصره الفقهي بالإقبال والمكانة حتى أخذها منه مختصر خليل.

4- الفكر السامي، ج 4، ص : 245.،

5- الفكر السامي، ج 4، ص : 245- 246.

6- الفكر السامي، ج 4، ص: 245- 246.

7- جواهر الإكليل، ج1، ص : 71.

8- أخرج الحديث ابن ماجة عن أبي بكرة أن النبي  كان إذا أتاه يسره أو يسر به خر ساجداً شكراً لله تبارك وتعالى (صحيح سنن ابن ماجة رقم 1143) وهو حسن.

9- جواهر الإكليل، ج1، ص : 52.

10- من لا يحضره الفقيه، ج1، ص : 265.

11- جواهر الإكليل، ج1، ص  53، والحديث الصحيح الذي يشير إليه أخرجه الشيخان البخاري ومسلم، فعن أبي هريرة قال : كان رسول الله  إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل القراءة فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال : أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد.

12- الملك المصلح، ص : 213.

13- الملك المصلح سيدي محمد بن عبد الله، ص : 209- 210.

14-  الملك الصالح سيدي محمد بن عبد الله العلوي، ص : 192.

15- الفكر السامي، ج4، ص : 412.

16- الحركة الفقهية في عهد السلطان محمد بن عبد الله العلوي، ج1، 449- 525، وج2، ص : 235- 284.

17- انظر حاشية محمد الطالب بن حمدون، ج1، ص : 172، وج2، ص : 66.

د.محمد الحبيب التجكاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *