هل نعي بعض معاني شعائرنا؟


قد لا نمل من التذكير , مع مجموعة من المهمومين بغثائية واقع الأمة, بأن تنحية المرجع الأساس المغذي للحضارة الإسلامية القرآن الكريم منذ انبثاقها, عن تصوراتنا وتوجهاتنا, وعن ممارساتنا تحد من فرص إعادة بناء الإنسان الحضاري المعتز بانتمائه, المستشعر بعمق المسؤولية المكلف بتبليغها للعالم أجمع. ولعل الفصام المهول بين سلوكياتنا وأدائنا لشعائرنا الدينية يبين المستوى القيمي والأخلاقي الذي تتحدد فيه صورة المسلم اليوم, الأمر الذي يدفعنا إلى التأكيد على أهمية وعي كل مكلف في مختلف العبادات بالحكم المتعلقة بها, ومعرفة , على الأقل, الحد الأدنى من مقاصدها المصاحبة لسياقها في النص القرآني والنص الحديثي , لاستحضارها في كل عبادة, وتمثلها في كل لحظة من لحظات حياتنا المختلفة.

فابتداء من قوله تعالى : {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}(الرعد:28)

مرورا بكل آياتالله وأحاديث نبيه , ندرك أن عبادة كالذكر التي يمارسها المسلم من أجل التقرب إلى الله وكسب رضاه ومغفرته في كل شعيرة مكلف بأدائها كالصلاة والصيام والحج, لها مقصد واضح هو اطمئنان القلوب, فإذا لم تطمئن قلوبنا لذكر الله ندرك أن هناك خللا ما في أنفسنا أو في ممارستنا للذكر يجب إصلاحه كي يسري الاطمئنان في جميع سلوكياتنا. بمعنى أن كل عبادة نمارسها يجب أن نعايش مقاصدها عقليا ووجدانيا.

وفي هذه الأيام المعلومات يعيش المؤمنون في أجواء شعيرة من أسمى الشعائر لأنها تجمع بين عبادات شتى كالصلاة والذكر والصدقة وغيرها. فهل يعلم كل الحجاج أنهم يجب أن يعيشوا فيه رياضة عملية وتربية فعلية على الإخلاص والاستسلام والخضوع لله عز وجل, وأن يدركوا أنه سبحانه خصهم بالنداء ؛فيكونون أهلا لهذا النداء؟؟ ..

إن الحج عبادة بدنية مالية يقول تعالى: :{ولله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا} يرجع منها الحاج كما ولدته أمه طهرا ونقاء إن أداها بإخلاص ووعي.وهو ميدان فسيح لمن أراد أن يتدرب عملياً على  الحلم، والصبر، وكظم الغيظ من جرَّاء ما يلقى من المشقة في الزحام والتعب، والنصب سواء في الطريق إلى الحج، أو في الطواف، أو في السعي، أو في رمي الجمار، أو في غيرها من المناسك؛ فيتحمل ما يلقاه من ذلك بصبر وطاعة, لعلمه بأن الحج أيام معدودة، ولخوفه من فساد حجه إذا هو أطلق لنفسه نوازع الشر، ولإدراكه بأن الحجاج ضيوف الرحمن، فإكرامهم، والصبر على ما يصدر من بعضهم دليل على إجلال الله تعالى. وهكذا نجد أن سائر أفعال الحج وأقواله تربية روحية عملية، وتعريف للإنسان بقدر نفسه، وحقيقة مركزه في الحياة، والغاية التي من أجلها خلق، وبالتالي تموت فيه عوامل دوافع الغرور والكبرياء، فندرك أن في أفعال الحج تعويدًا للمسلم على امتثال أمر الله تعالى لأنه أمر الله تعالى، سواء عقل معناه وحكمته أم لا. قال – تبارك وتعالى – {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}(الحج: 32). فلا يفسد الحاج هذه المعاني إذا لم تظل سارية في حياته بعد رجوعه, ويبتعد عن قيمها وأحكامها مع الأيام, وليكن في مستوى المسلم الرسالي الذي تشي سلوكياته وأخلاقه بمدى تمثله لكل حكمة من حكم التكاليف, ولكل معنى من معانيها.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *