5- الأديب الإسلامي

الأشكال الفنية مواعين وأزياء مطروحة في الطريق يلتقط منها الأديب ما يشاء ويتخير منها ما يناسب نوازعه العاطفية والشعورية في التعبير ، ولكن الأهم هوالحمولة الدلالية والمعرفية التي يصدر عنها الأديب المسلم ، لأن الأدب الإسلامي خصوصا والفن الإسلامي عموما “ينبغي أن يصدر عن فنان مسلم ، أَيْ إنسان تكيفت نفسه ذلك التكيف الخاص الذي يعطيها حساسية شعورية تجاه الكون والحياة والواقع بمعناه الكبير ، وزُوِّد بالقدرة على جمال التعبير ، وهوفي الوقت ذاته ، إنسان يتلقى الحياة كلَّها من خلال التصور الإسلامي ، وينفعل بها ويعانيها من خلال هذا التصور ، ثم يقص علينا هذه التجربة الخاصة التي عاناها في صورة جميلة موحية”( 1 )

ليس هذا فحسب ، وإنما ينبغي لهذا الأديب أن “يعرف هذا التصور ويعيشه إيماناً وممارسة وسلوكا يعبر عن هذه الحياة ، ويصور مشاعره وتجربته من خلال هذاالتصور بصورة طبيعية بعيدا عن التكلف والافتعال أوالتناقض ، وهوحين يمارس نشاطه الأدبي لا يمكنه أن يعبر عن غير هذه الحياة ، ولا يمكن أن يصور أي حياة أخرى أويستعير أي صورة أخرى ، لأنه حينذاك يفتقر إلى الصدق والحقيقة ، إنه يمثل حينذاك القسر والافتعال والتزييف والكذب”( 2)

وهذا يعني أن الأديب الإسلامي حين يبدع ، إنما يعبر عن سلوك وممارسة مرتبطة ارتباطا عضويا بحياته اليومية ، وعن تجربة حقيقية تشكل جزءا من عبادته لله عز وجل ، وليس استعارة للأقنعة ، أوتحايلا على الأدوار ، فيميل مع الرياح حيث تميل ، ويتبع الهوى حيثما استقر به الركب ، ويتلوَّن تلوُّن الحرباء حسب الظروف التي يحقق من ورائها المآرب الشخصية ، وهذا ما يحتم عليه التزود من معين الإسلام إلى أبعد الحدود ، حتى يكون الإسلام “دما يسري في عروقه وأنفاسا تملأ كيانه ، وتمده بالصفاء والحياة ، وروحا تسري في كل كيانه ، فزادُه من الإسلام زاد حقيقي أصيل ، وليس فتاتا من الفكر ونظرات في الفقه فقط ، إنه فَهِمَ عقيدته من أصولها وليس من تعريفات الفلاسفة والمتكلمين  إنه يدرك الإسلام روحا تتصاعد مع كل نفَس من أنفاسه، ومنه ومن خلاله فَهِمَ الحياة ، وفهم النشاط وفهم الأولى والآخرة ، وقام بكل الشعائر والتزم بالأحكام”(3 ) ، إنه التمثل والتشرُّب بالنور الإلهي الذي ينير السبيل للسالكين ، ليسيروا مطمئنين على درب الله حتى يأتيهم اليقين .

على هذه الأسس سعى الرواد الأوائل والداعون إلى الأدب الإسلامي للتنظير لهذا الأدب ولتحديد مسالكه وتوطيئها أمام الأجيال التي سارت على آثارهم .

وللإنصاف ، فإن بعض هؤلاء الرواد اعترضوا على هذا التنظير ، ورفض فكرة التنظير للأدب الإسلامي ، لأن هذا يدل على “أن هذا المذهب جديد لا صلة له بالماضي ولا علاقة له بتراثنا الأدبي القديم في العربية وغيرها ، وأنه مذهب منالمذاهب الحديثة يلتقط من هنا وهناك ليكون مذهبا جديدا”(4).

بينما رأى آخرون بأن التنظير في الأدب والفكر مثل التخطيط للسياسة والاقتصاد ، وبالتالي فإن التنظير للأدب الإسلامي تلمُّسٌ لمعالمه وقضاياه ، وبدونه “ستخفى أمور كثيرة ، ويصبح الأمر فوضى ، فضلا عن أن الأدب الإسلامي يمتلك من الآفاق والعوالم ما يحفز على تأليقها وبسطها للمتأدبين ، ليدركوا سعة عوالمه وشمول نظرته ، الأمر الذي يطور نتاج الأديب المسلم ، ويعلوبمستواه وينوع في مضمونه ويتألق في فنّه وتَنَاوُلِهِ”( 5).

——-

1 ـ منهج الفن الإسلامي ، ص 263 .

2 ـ الأدب الإسلامي : أصوله وسماته ، ص 105 ـ 106 .

3 ـ نفسه ، ص 12 .

4 ـ نفسه ، ص 50 .

5 ـ في الأدب الإسلامي : مواقف وتجارب ، الدكتور محمد عادل الهاشمي ، دار المنارة ، بيروت ، الطبعة الأولى 1987 ، ص 31 .

د.بنعيسى بويوزان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *