من يكمل رسالة مصطفى العقاد


لقد أحسست بقلبي ينتفض، وأنا أسمع نبأ وفاة صاحب اسم كنت قد رسمته بذهني إنه المسمى مصطفى العقاد، هذا الاسم شاهدته عندما انتهى فيلم الرسالة ، وبقي عالقا بذهني، بما تركه في الفيلم من أثر، المهم قلما قرأت هذا الاسم في قصاصات الجرائد، لذلك لم أتخيل أن الذي ذكرته المذيعة في نشرة الأخبار وصاحب هذا الاسم هو مخرج فيلمي الرسالة وعمر المختار، فالكثير من الأسماء تتشابه؛ أردفت المذيعة بث الخبر إلى أن قالت علانية: المخرج السوري، هنا تيقنت أن الأمر يتعلق بصاحبنا، والكل أجمع على ذكر اسمه مقروناً بفلميه، ربما أحست وسائل الإعلام أنها كانت مفرطة في التعريف بهذا العلم، وهي فعلا لم تقم بواجبها نحوه، فما الجدْوى من أن تذكرني بعْد موتي خاصة إذا علمنا أن الفنان يقوم الإعلام بدور كبير في التعريف بأعماله، أو إرشاد الناس إليها على الأقل، فالإعلام الآن لا يفلح إلا في صنع النجوم، نجوم من رمل، إذ سرعان ما تسطع شمس الحقيقة فتراهم يُجْفَون فتهب الرياح و لا تترك من آثارهم شيئا، إن كان لهم آثار. نانسي عجرم مثال حي على ما أقول، فقد جعلت أقلاماً وازنة كنا ( الماضي) ننظر إليها بعين الاحترام، تكتب مقالات مطولة عنها، وأنا أقصد الأقلام المؤيدة والمعارضة لفنها، وهما (أي الفئتان) كانتا تساهمان في تقريب وفرض اسم هذه (المغنية) على القارئ، وهذا ليس موضوعنا الآن، إلا أنني أريد أن  أبين كيف تنجح هذه الخفافيش في سرقة الأضواء من شخصيات مهمة وتستحق التنويه مثل العقاد، فترى كبار الصحافيين ينزلون من مستواهم الذي عهدناه، إن انشغال بعض الأقلام بهذه الترهات ينتج عنه جهل المواطن العربي برجالاته وأعمالهم الخالدة، فلو سألنا شابا من شبابنا عن العقاد لبقي واجما، في حين إن سألته عن روبي أو ماريا أو هيفاء لأعطى لك معلومات يجهلها هوعن نفسه ، من قبيل عيد ميلادهن.

يجب أن نعلم أننا فقدنا فارسا، كان في الساحة وحده يدافع عنا، في حين كنا نحن نهرب له بالسيف، أي أنه كان ” كيحفر لينا قبر بَّانا واحْنا هاربين ليه بالفاس” ، هذا الفارس وحده من فطن لنقطة ضعف العدو، كان دائما يقول ويوصي الأمة العربية بأن سلاح العصر هو الإعلام، إذ اعتبر الأسلحة التي لم تطلق منها رصاصة واحدة لحد الآن عديمة النفع، لكن نحن لم نَنْحُ نحو رؤى العقاد، تركناه وحيدا، لا أحد منا حاول دعمه، مشاريع كثيرة كان المسكين يحلم بتحقيقها، فيلم صلاح الدين الذي بقي حبرا على ورق، انتظر طويلا لعل ضميرا عربيا يصحو ويساعده في إنتاجه، ولا من مجيب. رغم أن هذا المخرج الكبير لم يثبت في حقه الفشل. فقد وجه رسالة إلى العالم بفلمه “الرسالة”، والنجاح الكبير الذي لقيه برهان على حنكة هذا الفارس، الصائب في اختياراته، أما فيلم ” عمر المختار” فهو الآخر لم يقل نجاحا عن فيلم “الرسالة” فيلم تبثه القناة الثانيةM 2 في ساعة متأخرة من الليل، معظم المشاهدين حرموا من متابعته، ناهيك على أن القناة لم تقم بإشعار المشاهدين باستثناء الليلة التي سيبث فيها الفيلم، رغم ذلك فهي مشكورة على هذا، كنت في هذه الليلة ضبطت منبه الهاتف، لكنه لن ينهضني في الوقت المحدد، فقامت أمي بدوره، لكن للأسف الفيلم كان قد مر نصفه أو أكثر، فلم نندرك إلا آخره، الطريف أن القليل إذا تميز بالجودة أتحف، والكثير إذا غابت عنه الجودة فإنه للوقت أتلف. فنهاية هذا الفيلم مؤثرة، يكفيك أن تشاهد لقطة شنق عمر المختار وتستمع لتكبير وتهليل تلك الجموع من الناس التي حضرت هذا الحدث، لكي تحس بالسينما الهادفة، هذا المشهد بكت له أمي بكاء وانتحبت، أمي تلك الأمية التي لا تعلم موقع ليبيا على الخريطة ولا تعرف ولم تسمع بعمر المختار، واغرورقت عيناي بالدموع لذلك المشهد، أبت أمي في تلك الليلة أن تتركني أنام، حتى أعيد لها سرد القصة من جديد، وأعرفها بشخصية عمر المختار، وأنا الذي كان يطوح النوم بعيناي، ماذا سأفعل؟ أنا الذي زَلَّ لساني، وقلت لها سبق أن شاهدت هذا الفيلم، نعم لقد شاهدته، لكن الفن لا يموت، وهذا ما جعلني أكرر مشاهدته لجودة موضوعه  وجودة كل شيء فيه، وإن بث مرة أخرى فلن أفوت الفرصة حتى أشاهده.

سردت لأمي ما كانت تريده وصليت صلاة الصبح الذي كنت أتكاسل في تأديته مرات عديدة.

إذا كان الغربيون يشيدون تماثيل لأعلامهم، متى سنتعلم نحن  الاعتراف لهم على الأقل؟ ومتى سنتعلم إجلال رجالنا ؟ لله دَرُّك ياعقاد ! إلى أن يعقد مخرجونا العزم على إكمال رسالتك. وهنيئا لك التكريم في مهرجان الصديقين والشهداء، مهرجان الخلود، فلا تدمع عيون أسرتك وعشاقك، {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} والعقاد من الرجال الذين قالفيهم رب العزة : {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر}.

يوسف البنعيادي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *