المدارس القرآنية بالمغرب 1


ملاحظات في تقويم المنهج

لا يوجد اليوم على وجه الأرض جميعا كتاب يحفظه الملايين من الناس؛ حفظا موحدا متقنا،  دون أن يكون بينهم اختلاف أبدا في واو أو فاء، أو حركة أو سكون، غير القرآن الكريم، وهذا فضلا عن أنه أقدم كتاب يوجد اليوم بين أيدي الناس، يسلم السلام التام من أي تبديل أو تحويل، ثبت ذلك بما يفيد العلم اليقيني القطعي.. وفي بلدنا  هذا – المغرب – وجدنا أهله عبر التاريخ يعتنون بكتاب الله أيما اعتناء، اعتناء يستوعب كل الأبعاد المطلوبة في ذلك. ولقد كان أهمها : الحفظ، حتى إن المغاربة لم يعرفوا بشيء في تاريخهم على مستوى المنهج العلمي، أو  التعليمي بالأحرى، بقدر ما عرفوا بالحفظ، حتى غدا ذلك سمة بارزة عندهم لا ينفكون عنها، بل وركنا شديدا لا يأوون إلا إليه. فكانوا أول ما يبتدئون به الأبناء : حفظ القرآن الكريم، وذلك وفق منهجية محكمة، جاءت كإفراز طبيعي لتاريخ طويل من التجربة والممارسة. واستمر ذلك النوع من الاعتناء بكل فاعلية وتألق، حتى في العصور التي أصيبت فيها الأمة بنوع من الزيغ والاسترخاء، أو تلك التي ابتليت فيها بما هو معروف من تداعي الأمم الغالبة على بيضتها وحماها.

غير أنه مع إفاقة الأمة من وهدتها، ومع انبعاث تيار الوعي الإسلامي الحديث بين أبنائها، بدأ الاهتمام بهذا الجانب كواجهة من واجهات العمل الإسلامي، تتداخل فيها  الأبعاد الدعوية والتربوية والثقافية والاجتماعية، مما يشكل معالم الركيزة الأساس في عملية التغيير المنشود.

وقد تجلى ذلك في ما عبرت به في عنوان هذه المقالة ب “المدارس القرآنية”، وأقصد بها تلك المؤسسات التي أنشأت في عدد من الحواضر والمدن، وعرفت ازدهارا كبيرا، وانتشارا واسعا في العقدين الأخيرين من القرن الماضي الميلادي.. وهي مؤسسات أهلية تعد من مؤسسات المجتمع المدني، وذلك لارتباطهابالمجتمع ارتباطا كليا، من حيث منطلقاتها، وأهدافها، ووسائل عملها، وإمكانياتها، وطاقاتها، وكل ما يتعلق بها، وهي مؤسسات تعنى -عموما- بتحفيظ القرآن الكريم، وتلقينه الناشئة، وتدريس ما يرتبط به من فنون وعلوم ومعارف، وسواء علينا أكانت تسمى ب “جمعيات” أو “دور قرآن” أو “معاهد دينية” أو غير ذلك…

بيد أنا إذا اعتبرنا الأمر حسنة من حسنات اليقظة الإسلامية اليوم في هذا البلد، تسهم -ولا شك- في تحصين الذات الثقافية والمعرفية للأمة، والدفع بالبناء الحضاري المتكامل، فإنه كأي عمل أو إنجاز بشري، لا بد أن يعتوره الكثير من النقص والقصور..

ومن ثم حاولت أن أدلي، هنا، ببعض الحديث، المرتبط بالمنهج، وفلسفة التعليم، في هذه الواجهة المنسية اليوم من بين الكثير من واجهات التربية والتعليم، التي أريد لها أن تكون منسية إرادة وقصدا..

وقبل الدخول في صلب الكلام، لا بد من لفت النظر إلى أمر ذي بال، فيما يتعلق بالذي نحن بصدده، وذلك أن أي عمل من الأعمال القاصدة الواعية التي تولى الإنسان القيام بها، لا بد من نجاحها بل لتوليد الإرادة الضرورية للشروع فيها، لا بد من التحقق بضمانتين اثنتين : الأولى، ضمان الأمن، والثانية، ضمان الرزق، أو بعبارة أخرى: توفر العامل الأمني الذي يحقق الإنسان به رغبته الفطرية العميقة في البقاء والاستقرار والأمن، والعمل في ظل الظروف المناسبة، ثم العامل المادي الذي يلي تحقيق تلك الحاجة الأولى، وهو أيضا رغبة متجذرة في نفس الإنسان، ولا استقامة للحياة بدونها.. وهذا كله يعتبر من أكبر التحديات المصيرية بالنسبة للإنسان اليوم، وقبل اليوم. ولذلك جعله الله من أهم النعم السابغة على الإنسان، فرتب عليه أمره له بالطاعة والانقياد، فقال تعالى:  {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}(قريش : 3- 5)، وفي بلدنا – اليوم – قد تجاوزت “المدارس القرآنية ” هاتين العقبتين -والحمد لله- ذلك بأن الضمانة الأمنية متوفرة، فالسلطة لا تقف ضد هذه المدارس بالذات، ولا تمنع من إنشائها أو تضيق عليها، أو تضايق نشاطها.. وهو ما يمثل فعلا مكسبا عظيما، بل ونعمة، وشرطا من شروط العمل المريح، وفي الجانب الآخر لا تعاني من نقص في العامل المادي الذي يشكل عصب الحياة، فلديها مصادر مالية هامة ومستقلة، تحقق كفاء احتياجاتها، خاصة من قبل الأعمال الإحسانية، وأقول هامة، لأنها تتكئ على مستندات قوية، عميقة الجذور، سامقة الأهداف، ذلك بأنها تتم بدافع الأجر والمثوبة في الآخرة(1).

وهذا ما يجعل جوهر الإشكال، بالنسبة لهذه المدارس في الواقع؛ إنما يكمن في مدى القدرة على التحقق بالفعل الناجح، والعمل المثمر، القائم على الفهوم السليمة، والرؤى السديدة، التي يبتغي بها أصحابها وجه الله وحده والدار الآخرة.. وهكذا دائما نعود في مثل هذا إلى قوله تعالى : {قل هو من عند أنفسكم}(آل عمران : 165).

فإذاً الإشكال المرتبط بالعقول المسيرة، والطاقات المسؤولة الموجهة، يمثل مركز الثقل، بل والصدارة في هذا الذي نحن بصدده، فمن ثم يحسن أن نبدأ به في هذه الملاحظات النقدية(2).

المشيخة العلمية

لا شك أن العملية التربوية التي ترتبط ارتباطا مباشرا؛ بالتدين والتعبد والتزكية؛ تعتبر مما لا مجال فيه -بميزان الدين- لشيء اسمه ” المشيخة ” بل هو أمر مرفوض، ويجب أن يلغى إلغاء تاما، لكن -في نظري والله أعلم- العملية التعليمية تحتاج إلى نوع من هذا، وقدر مقدر لا بد منه، لا يتعارض -طبعا- مع ما يجب أن يكون عليه المتعلم من قدرة، واقتدار على النقد، والاعتراض، والتحليل، وإعمال العقل، واستقلال الشخصية، وحضور الذات، واكتساب الملكات، وتطوير القدرات، وإنماء المؤهلات..

وفائدة “المشيخة” هنا أن جزءا كبيرا من علوم الشرع -خاصة القرآن الكريم- إنما يعتمد على التلقين والمشافهة؛ إذ ذلك أضبط للعلم، وأقعد به من غيره.. ولقد قالوا قديما – مبالغة – ” إنما يؤخذ العلم من أفواه الرجال “، كما أنشدوا أيضا :

“وكل من يقرا بلا شيخه

يتبعه الجهل حتى يعميه”

وهو  ما تجده اليوم معدوما أو يكاد، ولا أقصد هنا  انعدام رجال العلم، إنما انعدام المعنى الذي تشير إليه تلك العبارات، معنى ” المشيخة ” كمنهج في التعليم والتلقين وتحفيظ القرآن.. وهذه “المدارس القرآنية ” من أخطر ما يجر عليها المتاعب والإشكالات: غياب هذا المعنى فيها، بل وحضور ما هو ضده، فكثيرا ما تتبعثر أوراق العملية التربوية، وتتمزق مفاصلها في ظل المنهج الذي تعتمده هذه المدارس، إذ غالبا ما يشرف على سير العمل بها أناس لا علاقة لهم بصنعة تعليم القرآن، وفن تحفيظه –  أعني من حيث كون ذلك صنعة وفنا، لا من حيث امتلاك الإرادة المخلصة، والاستعداد الوجداني، الباعث علىالعمل، في نفوس أولئك القائمين عليه –  فتجدهم يشرفون على عملية التعليم، ويضعون لها القوانين التي تتقنن بها، ويوجهون الطلبة بها، بل والأساتذة القائمين بشأن التعليم والتحفيظ أنفسهم! فيحدث فساد كبير في التربية والتكوين؛ والعلة في كل هذا أنهم ليسوا من أهل الشأن في ذلك، أو ليسوا من أهل الذكر الخبراء، حسب تعبير القرآن نفسه، فيتعارض هذا النوع من الإشراف والمسؤولية مع الإشراف المباشر لمن يتولى مهمة التعليم تلك، مما ينشأ عنه انفصام خطير وثنائية سيئة في مجال التعليم، ترجع سلبا على نفسيات المتعلمين، وتكوينهم التربوي.

وعندي أن خيوط العملية التعليمية في شأن تحفيظ القرآن خصوصا، يجب أن تتجمع وتتركز وتلتقي في شخصية واحدة، تحضر فيها تلك العملية بأبعادها التعليمية، والتربوية، والتنظيمية، والفكرية، والمادية، وبعد ذلك لا بأس بوجود من يقوم بدور الإعانة والمساعدة، التي قد تكون ضرورية في كثير من الأحيان، بعيدا عن تداخل المسؤوليات، وتضارب الفهوم، وتجاوز الاختصاصات. وهذا كله درءا للانفصام الذي يحدث في شخصية الطلاب المتعلمين، وكذا دفعا للانفجارات التنظيمية، التي تندلع داخل تلك المدارس عادة من جراء ذلك!

ولئن كان وجود مثل هذه النماذج  يعتبر اليوم أمرا عزيزا، فإنه ليس معدوما، ولا غير ممكن تماما، إذ واقعنا المغربي لا يعدم أمثلة بارزة من ذلك القبيل.

ضعف الكفاءة

المقصود ب ” الكفاءة ” هنا : ما كان منها علما وتعليما.. وذلك أن كثيرا ممن أصبحوا اليوم يتولون عملية التحفيظ ينقصهم العديد من شروط ذلك و أدواته، وأهم شيء في ذلك نستنبطه من حقيقة عملية التعليم هذه، إذ تحفيظ القرآن وإقراؤه وتعليمه: ليس مجرد عملية تلقين ساذجة، تتم بشكل آلي منمط، تعتمد النقل والسرد كمنهج في التوصيل، ومن ثم يستطيع أن يقوم بها كل أحد، كلا!! بل هي فن وصنعة! تتداخل فيها مجموعة من العمليات والمراحل، يعرفها أهل ذلك الشأن، تتطلب ملكة تُكتَسب لأجل ذلك؛ عن طريق المراس والاشتغال اليومي، بعد التلقي التوارثي من المشايخ، والتشرب التلقائي للروح المرتبطة بالمنهج. الشيء الذي يمكن أن نقول إنه اليوم في ندرة وتراجع مخيف!

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يلاحظ الضمور المخيف لكثير من العلوم أو بالأحرى الفنون المرتبطة بالقرآن وحفظه، وذلك من قبيل “علم الرسم القرآني”، وعلم “قواعد التجويد”، أعني من حيث التطبيق، لا التقرير النظري المجرد، وكذا ما يتعلق بالمخارج والصفات عند النطق بالحروف، وهو ما يمثل الوجه البارز المعبر عما ذكرناه من الارتكاز إلى طريقة التلقين الشفهي بالنسبة للقرآن الكريم.. ونذكر بهذا الصدد أيضا خفوت “علم القراءات”، وغياب رجالاته.

فهذا كله مما يعرف هذه الأيام انطفاء ذريعا؛ بموت السلف وانعدام الخلف! ولكم يمكن أن نتصور في غيابه؛ ماذا يتبقى منحقيقة تداول الكتاب العزيز، وإتقان حفظه، وحسن المعرفة به..

العلوم الموازية، وتعليم القرآن

أشير هنا إلى ما هو سائد اليوم من تدريس بعض العلوم، موازاة مع عملية التحفيظ، التي تتم في آن واحد، وذلك بناء على قصد حسن في ذلك. وعندي أن حفظ القرآن الكريم سواء ابتدأنا به المتعلمين كما كان سائدا عبر التاريخ في المغرب، أو جعلناه بعد تلقينه علوما أخر، كالحساب، واللغة، والأدب، كما كان عند المشارقة قديما، وكذا في تصور البعض من المغاربة، سواء كان هذا أو ذاك؛ فإنه يتعين عدم خلط القرآن بشيء من غيره، ولو كان علم النحو أو الفقه أو حتى التجويد، أعني هنا أن تكون قواعد التجويد مادة تعنى  بالتلقين النظري المستقل عن التطبيق، إذ كثيرا ما يحدث من جراء ذلك انفصام معرفي خطير في هذا، يجد فيه الطالب القواعد النظرية في ضفة، وما حفظه مجردا عنها في ضفة أخرى، وذلك معنى ما يعبر عنه أهل هذا الشأنكعادتهم، بقولهم الدارج: ” المعنى في الراس، والخسارة في الكراس “، ثم إنه حين لا تكون القواعد، والمخارج والصفات، شيئا عمليا ممارسا، يتم تلقائيا، وبالضرورة عند القراءة والحفظ؛ فإنه يجعل الحافظ يحفظ القرآن على غير وفق ما ينبغي من قواعد التجويد، وسلامة النطق بصفات الحروف من مخارجها، ومن ثم فهو يحفظ الأغلاط، فإذا حفظها، فمعناه أنها رسخت في ذهنه، واستقرت في ذاكرته، ونحتت في حافظته، فأنى له بعد ذلك أن ينفك عنها؟ أو يقوم لسانه من اعوجاجها؟ ولو بذل الجهد الجهيد! وهذا بالضبط واقع كثير من الحفظة والمتعلمين اليوم، ينطقون اللحن خفيه وجليه، ويعقلون الأغلاط عظيمها وحقيرها! وإن أعظم ما ابتلي به المغاربة عبر تاريخهم من مصائب النقص – مما نبه عليه بعض العلماء كابن العربي وابن خلدون وغيرهما – ضعف ملكة اللسان عندهم(3).

فإذاً لا بد أن تعود التقريرات النظرية في علم التجويد سليقة،ملازمة عند القراءة والحفظ، وطبعا تلقائيا يتطبع به صاحبه.

قلت: يتعين عدم خلط القرآن أثناء الحفظ بشيء من غيره، وذلك لما تحتاجه هذه العملية من التفرغ التام، والانصراف الكلي، والاستجماع الشامل، والتوفير الكامل للجهد والطاقة والقابلية والرغبة والوقت، فإذا أتم الطالب الحفظ وأتقنه، فعندها يمكن حينئذ أن نأخذه بما شئنا من العلوم والفنون المناسبة بعد ذلك، وأرى -والله أعلم- أن هذه هي الطريقة المثلى، والسبيل الأقوم في هذا الشأن، حسب ما استفدناه من مشايخنا، واستنتجناه مما هو مشاهد في واقعنا، وهو شيء -نرى- أنه خاص بالقرآن الكريم دون غيره، لما له من خصوصيات، وتداخلات لكثير من العلوم والفنون، وفوق هذا وذاك، لما له من أهمية خاصة، وتأثير بالغ فيما يستقبل من الحياة العلمية والمعرفية لصاحبه. أما ما سواه من العلوم فلا بأس أن تتم في زمن واحد، بل قد يكون ذلك أنفع وأجدى.

الحواضر والمدن.. وحفظ القرآن

لقد أنشأت معظم هذه المدارس التي نتحدث عنها، في المدن والحواضر العامرة، ومعلوم أن عملية الحفظ عملية شاقة متعبة، ولذلك فهي تحتاج إلى صفاء الذهن، وخلو الفؤاد عن كل الشواغل والصوارف والمعوقات، إذ من المتفق عليه -كدليل  على ما نقول – أن طلب العلم في حال الصغر =حيث تحقق ما وصفنا- أفضل بكثير من ذلك في حال الكبر. واليوم، ومع تطور الحضارة، وتعقد الحياة، أصبحت الحواضر والمدن البؤر الأكثر انفجارا بما يفتن الناس عن غاياتهم، ويلهيهم عن مسؤولياتهم، ويصرفهم عن مواقع اشتغالهم الحقيقي، فلا يمكن بعد هذا   n في نظري- أن يكون  إنشاء مدارس في قلب هذه البؤر اختيارا سليما، خاصة عندما يتعلق الأمر بحفظ كتاب الله، بل يحسن التنحي عن هنالك جانبا، إلى حيث الهدوء والاطمئنان، والأكوان تفيض صفاء ونقاء وفطرة، فهذا مما يغري بكمال الاجتهاد، ويساعد على الجد وحسن الدرس، إن لم يكن كالضروري في ذلك، ورحم الله قائلهم إذ قال :

“وإن ترد الحفظ للقرآن   فعليك بالدرس والاعتزال

ولتكن للشيوخ كالمملوك

تنل وتبلغ مبلغ الملـوك”

ثم إن البوادي والقرى وضواحي المدن، كانت وما تزال، الأماكن الأكثر التصاقا بالفطرة، والأكثر حفاظا على الصبغة. وفي نفس الوقت، الأكثر بعدا عن فتن الحضارة ومغرياتها، ويمكن أن أقول كذلك: إن أهلها وفقهاءها هم أكثر حفاظا على طريقة الأولين، ومناهج المتقدمين.

تخلص التعليم من التربية،

أو فقدان العلم للعمل

ليس ثمة انفصام -في التصور الإسلامي- بين العلم والعمل، بل إن هذا لا تقوم له قائمة إلا بذاك، وذاك لا معنى له إن لم يكن معه هذا، وقد قيل :

“يهتف العلم بالعمل

إن أجابه وإلا ارتحل”

وغياب البعد التربوي في كثير من مؤسساتنا التعليمية داء وبيل! والملاحظ أن هذه المدارس القرآنية لا تسلم بدورها من هذا الداء، فتجد روح الانضباط، وفقه الالتزام – للأسف- من الأمور الغائبة التي لا يلتفت إليها(4)، ولا يكفي في معالجة هذه القضية -كما هو الحال اليوم – أن نضع قانونا تنظيميا ملزما، يعرض من خالف بندا من بنوده لعقوبة ما، تكون في كثير من الأحيان هي الطرد والحرمان من الدراسة، فضلا عما يؤدي إليه ذلك من نتائج عكسية، تؤثر سلبا فيما يرجى من تكثير سواد الأمة من العلماء والمتفقهين. فهذا نوع من فقه الإلزام، لا فقه الالتزام، بل لا بد من الاهتمام كل الاهتمام بالجانب الجواني والنفسي،  والجانب الأخلاقي والسلوكي، في شخصية المتعلم؛ تربيةً، وتزكيةً، وترقيةً  في مدارج  الكمال والجمال.. خصوصا إذا علمنا أن أولى الناس بضرورة التخلق بأخلاق القرآن هم أهل القرآن، وحفظته وحملته، والمتفقهون فيه، وإن كان هذا لا يرفع التكليف عن غيرهم، وإنما المقصود أن هؤلاء في محل القدوة والاتباع، فهم المطالبون بالدرجة الأولى – وكما قلت، فإنه لا بد من اعتماد التوجيه والإرشاد، والبناء التربوي الصحيح، باعتباره السبيل الأقوم لذلك. وبالجملة، فإن المطلوب في هذه المدارس أن توفر في متخرجيها شيئا اسمه “الربانية” لقوله تعالى : {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الناس الكتاب وبما كنتم تدرسون}(آل عمران : 78). وكذلك شيئا اسمه ” الرسالية “.. رسالية العلم والقرآن والفقه.. الرسالية التي قال فيها الله سبحانه وتعالى : {إنما يخشى الله من عباده العلماء}(فاطر : 28).

غياب التخصص

منهج تدريس العلوم الشرعية في هذه المؤسسات  – عموما – منهج تقليدي عتيق، يقوم على تدريس كل ما يمكن أن يدخل في مسمى ” العلوم الشرعية ” أو يوصل إليها ويساعد عليها، بالإضافة إلى علوم أخرى خارج ذلك أحيانا، ومعنى هذا أن الطالب يدرس كل شيء، لكنه في النهاية – عند تخرجه – لا يكون في الحقيقة قد درس أي شيء، إذ لا يكون قد اكتسب- فعليا -ما يؤهله بشكل كاف للاضطلاع بالمهمات المرجوة منه، ولذلك يجب أن تتوج تلك السنوات الدراسية  -التي غالبا ما تستغرق أربع سنوات إلى ست- بنتيجة فعلية وازنة. لا بد أن يكون بالنسبة للمتخرج : تخصصا يتقنه، أو علما يقتله، أو فنا يحبكه، أو صنعة يبرع فيها، أو ملكة من الملكات يأخذ بناصيتها، وأرى أن يكون ذلك منسجما مع ما يتطلبه الواقع المعاصر، ويفرضه من تحديات، خصوصا ونحن نعاني اليوم -كما أشرنا آنفا-  من غياب الكفاءات المقتدرة في مجالات متعددة، وفنون مختلفة : كتحفيظ القرآن وتعليمه، والخطابة(5)، والدعوة والوعظ، والإمامة، والفتوى، والتدريس، فالواجب إذاً أن تكون ثمة تخصصات رصينة نخرج من خلالها: الخطباء المفوهين، والوعاظ المؤثرين، والأئمة العالمين، والمفتين المتفقهين، والمدرسين المتقنين، وأغلب هذا إنما يعتمد التدرب والتمرس، واستيعاب أسس المنهج، واكتساب الملكة، فيجب أن يراعى ذلك إذاً.

الاعتماد علىالمصادر الأولى للعلم

وذلك أنه من الأدواء التي حذر منها العلماء المصلحون قديما:  اعتماد كتب المتأخرين في أخذ العلم، فلقد كان كثير منهم لا يرى النقل من هذه الكتب، ولا يسوغ ذلك، وذلك لما فيها من التعقيد، وشدة الاختصار، والعري عن الدليل، وغموض المعاني، وضعف الأفكار، إلى آفات أخرى من ذلك.. والمشكلة أن هذه المدارس ما زالت اليوم -ونحن في القرن الخامس عشر- ترى ذلك منهجا سليما مريحا، يجب اتباعه، فتعتمد المتون والمختصرات والكتب المتأخرة، دون التمييز بين ما ينفع منها وما يضر، تاركة وراءها ظهريا كتب المتقدمين، التي تمتاز بالبساطة والوضوح والتأصيل.. وتساعد الناظر فيها على تشرب روح المنهج، واكتساب الملكة في أقرب وقت ممكن.

وضابط ذلك عندي بالنسبة لهذه القضية، أن ينظر في كل علم علم، وفن فن، فنميز بين ما سبيله النقل والتوقيف -إن صح التعبير- وخاصيته الثبات والسكون، وبين ما سبيله الوضع والاجتهاد والتنظير والإبداع، وخاصيته التطور والتجدد والحركية، فنقبل في الأول بمنهج التعامل بالمتون والمختصرات، حفظا وتفهيما، وذلك من قبيل: علم النحو، وعلم التصريف، وعلم القراءات وغيرها، ففي هذا يمكن الاعتماد مثلا في النحو على الخلاصة ( ألفية ابن مالك ) وفي القراءات على الشاطبية أو ما شابه ذلك. أما بالنسبة للصنف الثاني من العلوم فلا يكفي ذلك فيه، بل قد يكون ضارا، وهو كذلك بالتأكيد. {لمن ضره أقرب من نفعه لبيس المولى ولبيس العشير}(الحج : 13)، ومن هذا القبيل ما تعلق بعلم الفقه وأصوله، فهذه بالذات في مجال العلوم الشرعية من أشدها حركية، وأكثرها دينامية في واقع الاجتماع وحياة الناس.. فلا يمكن بعد هذا لعاقل أن يتمسك فيها بالاعتماد – مثلا- على (المختصر الخليلي) و (متن ابن عاشر) و (جمع الجوامع) و (تحفة الحكام) أو ما هو من ذلك القبيل… بل لا بد من الرجوع فيذلك إلى المصادر الأولى للعلم بهدف استلهام المنهج، إن لم نقل (منهج المنهج) وذلك بغاية التطوير والتجديد والإضافة.

وأردف بهذا الصدد أنه يتعين التنبيه على أمر ذي صلة بالغة بالذي نقول، وهو ما يتعلق بالاعتناء بالحديث النبوي الشريف، باعتباره أحد مصدري الوحي والتشريع، وذلك من حيث حفظه وفقهه والاستنباط، إذ المتعين من الوجهة الدينية والتشريعية أن لا تقدم آراء الرجال، وأقوال العلماء على أحاديث النبي  وسنته، بل لا بد من النظر في هذه أولا، بل ومعايرة تلك بميزان هذه؛ حتى يصح الاستنباط، ويسلم العطاء والإبداع.

الحذر من داء التوظيف الأيديولوجي

إذ مما أصبح يلاحظ اليوم أن كثيرا من هذه المدارس أمست مرمية في مهاوي الحزبية الضيقة المشينة، والتوظيف المذهبي / الأيديولوجي المقيت، بل إن بعضها لم يعد ينشأ ابتداء إلا لهذا الغرض، فتغدو هذه بمنزلة مراكز ومقرات لنشاط تلك الدعوات،  وموضوعا ملائما، أو أرضا خصبة لتحقيق أهدافها وتنزيل أفكارها، وذلك من خلال العمل على تأطير الطلاب، بل ومحاولة إكراههم -رمزيا ومعنويا- على مسايرة ما يتمذهب به أولئك من مذاهب، وينتحلونه من أفكار، ولعمري إن هذا لمما يتنافى مع خلق العلم والمعرفة في الإسلام، ومفاهيم الدين في اعتناق الأفكار، وتشكيل القناعات، وإرساء التصورات.. وهو داء مس معظم مناشط الحياة اليوم، والخطير المؤرق – حقا – في الوقت نفسه أن يستشري هذا بين حملة الهدي الشرعي، ودعاة هذا الدين!

خــــــاتــمــــة

وبعد، فإن دعوتنا هنا إلى المنهج العلمي الرصين، والمهيع الأصيل، في جوانب مما كنا نتحدث عنه بشأن حفظ القرآن ودراسة علومه، وتنبيهنا على ذلك، لا ينبغي أن يعد شيئا من قبيل ما يدعون إليه اليوم في مجالات أخرى من إحياء ( الفلكلور الشعبي ) أو الاعتناء بصناعة من تلك ( الصناعات التقليدية ).. كما لا يعتقدن أحد أن معظمما ذكرنا إنما هو من باب الكماليات التحسينيات، أو من ملح العلم ونكته، وربما أصباغه.. كلا ! بل إنه يمكن أن أقول -بكل اطمئنان، ومن غير مبالغة- : إن معظم ما ذكرنا يضرب بحق في عمق القضية وجوهرها، وينصب على كثير من خفايا الطريقة ودقائقها، ولمن شاء أن يعده من الفضائل والجماليات، فإنا نقول : إنه فعلا من الجماليات، لكن : الجماليات الضروريات. إذ ” زينة العلم : الإتقان ” كما أن “آفاته النسيان”.

وإنما الموفق من وفقه الله تعالى.

———

1 – صحيح أن بعض المدارس لديها نقص في هذا الجانب، لكنه لا يصل في حقيقة الأمر إلى درجة المعاناة، ولا يؤدي إلى شلل وعجز في الأداء، وقد يكون السبب في تلك المشكلة أن كثيرا من أصحاب تلك المدارس عاجزون عن أن يرتفعوا بأنفسهم وسلوكهم، بل ونياتهم وممارساتهم الدعوية إلى المستوى الذي يغري بالإنفاق، ويجذب إلى البذل، ويمتلك على أصحاب الأموال من المؤمنين قلوبهم فيسارعوا إلى الإنفاق في هذا الوجه من وجوه البر.

2 – تجدر الإشارة هنا إلى أن ما سنتناوله بمشيئة الله من تنبيهات منهجية، وملاحظات تقويمية في هذا المجال، ليس ينبني على أساس استحكام البعد التاريخي الزمني القائم على ثنائية : القديم / الجديد، الأصيل/ المعاصر ، فلسنا نفضل القديم لقدمه وتاريخيته، ولا الجديد لجدته ومعاصرته، بل الطريقة المثلى أن ننزع نحو مقاربة أخرى قائمة على أساس ثنائية : الحسنات / السيئات، المزايا / النقائص، فننظر إلى الأحسن بعين الرضا سواء أكان مما أنتجه  الأقدمون، أو مما ابتكره المعاصرون، كما هي طريقة القرآن {يتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم}(الأحقاف : 15)، وعليه فلسنا ننكر  الأخذ بما لدى المؤسسات التاريخية ( مساجد، زوايا، مدارس عتيقة ) من منهحيات متميزة في مجال التعليم، كما أننا لا نرفض مطلقا ما جاء به المعاصرون في المجالنفسه.

هذا، وتجدر الإشارة أيضا إلى أن هذه المشكلات موضوع الكلام، في حقيقة الأمر، ليست تجتمع كلها في مدرسة واحدة من هذه المدارس، بل هي مشاكل مختلفة ومتفرقة، كما أنها ليست بنفس الحدة بين مدرسة وأخرى، بل هي خيوط جامعة، وظواهر شبه عامة.

3 – مما كان يلاحظ إلى زمن قريب عندنا أن كثيرا من المشايخ المعتبرين تجد أحدهم  يحفظ المتون والمختصرات في شتى أنواع العلوم، بل ويفتن ويبرع في تدريسها لتلامذته داخل معهده أو زاويته، فإذا كان في تجمع عام مثلا، أو  محفل اجتماعي فإنه لا يكاد ينطق ببنت شفة، ولا يستطيع أن يهمس ولو بكلمة واحدة، من موعظة أو إرشاد للناس، بله  أن يتصدى للمناظرة والحجاج في مجالسها الخاصة، ومحافلها المعهودة!

ومما يرتبط ارتباطا قريبا بهذا، أنك تجد صنفا من هؤلاء يحفظ القرآن الحفظ المتقن حرفا حرفا، لكن لا تجد لديه القدرة على استحضار آية من آياته إذا احتاجها لتوظيفها أو الاستشهاد بها.. وذلك إنما يرجع إلى عقم المناهج التي تعتمد التلقي والتلقين، والحفظ والتقليد..

ويمكن أن يغنينا عن بسط الكلام في هذا المثال بالذات أن نتأمل آية تكاد تسير في هذا الاتجاه الذي نحن فيه وذلك قوله تعالى : {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم}(العنكبوت : 49 ).

4 -إنه لمما يندى له جبين الحياء خجلا، ويحمر له وجه الفضيلة حياء، أن تقف من بين طلبة القرآن والعلم الشرعي، على من يضيع الصلوات، ويرتاد أماكن السوء، ويتخلق بأخلاق أهل الزيغ والانحراف!

5 – انظر  الهامش رقم 3.

عبد الحميد الادريسي


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “المدارس القرآنية بالمغرب