من كتاب : حياة القلوب لابن أبي زمنين


بهذا العنوان “حياة القلوب” ذكرت المصادر القديمة والمراجع الحديثة هذا الكتاب، الذي يكاد يكون كله نفحات روحية تسمو بالنفوس فوق الماديات المدنسة، وأضاف بعضهم إلى صيغة هذا العنوان ما يحدد موضوعه فقال : كتاب حياة القلوب في الزهد والرقائق(1)، ولعل ابن أبي زمنين كان من السباقين إلى التأليف في هذا الموضوع الطريف الذي يستهوي النفوس الطاهرة، ويثير القلوب الرقيقة، فمؤلفه فقيه أندلسي كبير، ومحدث حافظ، عاش كما هو معروف في القرن الرابع للهجرة، وتوفي مع مغرب شمسه سنة 399 للهجرة، وأما المؤلفات الأخرى في الموضوع فلاحقة، ومنها في المشرق : “كتاب الزهد والرقائق” لأبي عبد الرحمان محمد بن المبارك، ومنه نسخة مخطوطة بخزانة القرويين، ومنها في الأندلس كتاب “سبل الخيرات في المواعظ والرقائق” لأبي الحسن يحيى بن جناح الأموي القرطبي المتوفى سنة 422 للهجرة.

< نسبة الكتاب :

تحمل النسخة الموجودة من الكتاب في خزانة القرويين عنوانه منسوبا لابن أبي زمنين في صفحة مستقلة كما يلي : كتاب حياة القلوب : تأليف  الشيخ الإمام العالم الفاضل أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين المري الألبيري،عفا الله عنه ورضي عنه.

وفي الصفحة الأولى بعد البسملة والتصلية، كُتِب بخط كبير مماثل لخط العنوان في الشكل والحجم : قال الشيخ الفقيه الإمام العالم الفاضل أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين المري الألبيري رحمه الله ورضي عنه.

لا نعرف لكتاب ابن أبي زمنين لحد الآن نسخة ثانية، بل كان في حكم المفقود، غير أن النسخة التي عثرنا عليها ليست في حالة مرضية، فقد أصابها تنقيع كاد أن يمحو معالم مجموعة من الصفحات، فلا تكاد أغلب أسطرها تقرأ إلا بمشقة أحيانا، ولم يقف الضرر الذي لحق هذه النسخة عند هذا الحد، بل أصابها بتر فضاعت منها أوراق فيعدة مواضع.

يضم الباقي من كتاب حياة القلوب، حسب هذه النسخة، مقدمة قصيرة وثمانية عشر بابا وبعضها غير كامل، نذكر منها ما يلي :

باب في فضل العلم والتعلم، وباب في الأمر بتقوى الله وطاعته، وباب في مداومة الأعمال، وباب في الحض على ستر العمل، وباب في التحذير من الرياء وحب الثناء، وباب في التحذير من العُجْبِ، وباب في التحذير من الشهرة، وباب في التحذير من التزين والمباهاة، وباب في محاسبة النفس ومجاهدتها.

يقول ابن أبي زمنين في هذا الباب : “وللمرء الصادق علامات يَعْرِفُ بها صحة صدقه فيما قصَدَ لَهُ، ومنها أن يكون مقبلا على ما يعنيه مجاهدا لنفسه، محاسبا لها عند كل ما همت به، مخالفا لمذموم هواه، مشتغل القلب برعاية ذلك كله، فإذا كان كذلك أتته الفوائد من عند الله عز وجل…”

وباب في التَّقَوُّت بالحلال …

< منهج الكتاب :

مهد ابن أبي زمنين لكتابه حياة القلوب بمقدمة موجزة استهلها بقوله : “الحمد لله غافر الذنب، وقابل التَّوْب، شديد العقاب، الجواد الوهاب، مالك الملوك ورب الأرباب، أحمده حمدا دائما لا يبلغ الذاكرون له أمدا، ولا يحصي المحصون له عددا … فرحم الله عبدا لم تقتنصه الدنيا بشهواتها، وكان فيها كقوم أبصروا عيبها فرفضوها، وصغرت في أعينهم فأبغضوها، وتأهبوا للموت فأحسنوا الأهبة، وأعدوا له فأكملوا العُدَّة، جعلنا الله وإياكم يا أخي منهم، وألحقنا بهم، وقَسَمَ لنا من استقامة قلوبنا مثل الذي قَسَمَ لهم، فإن لهذه القلوب إقبالا وإدبارا، وغفلة وأذكارا، وهي مفتقرة في أوقات إدبارها، وساعات غفلاتها إلى دواء يوقظها من سِنَة الغفلة، و(ينبهها) من عمى القسوة، ويزعجها إلى التذكرة، وأفَضل دوائها ذكر الله وتلاوة كتابه…، ومطالعة سير الصحابة من عباده وإمائه”.

وأما الكتاب فقد قسمه إلى مجموعة من الفصول، وجعل لكل فصل عنوانا يحدد موضوعه، وقد وصفمنهجه في المقدمة، فقال إنه قد جمع فيه من أخبار الصالحين وصفات المطيعين وآدابهم وكلامهم، ما فيه حياة القلوب ودواؤها.

وبالإضافة إلى تلك الأخبار أورد ابن أبي زمنين مجموعة من الأشعار غير المنسوبة، تسير في سياق ما هو بصدده، مكتفيا في الغالب بقوله : قال بعضهم.

وبتأمل مادة الكتاب نجده قد جمع بالفعل ما يخدم موضوعه وغرضه منه، وهو يدعم أفكاره بآيات من القرآن الكريم وأحاديث الرسول الكريم ، وقد يضيف مجموعة من الأقوال المنسوبة لأصحابها وغير المنسوبة حينا آخر، مكتفيا بقوله : ورُوِي عن فلان، وذلك ما أشار إليه متحدثا عن منهجه فيما جمعه في كتابه :

“وجردت الأخبار من أسانيدها، إذ هي رقائق ومواعظ وحكم وآداب، وليس في التعريف بالأسانيد ولا الكشف عن أسماء الناقلين لها زيادة في ثمرتها، إلا أني رأيت حذف ذلك أَجْلَبُ للرقة، وأدعى للتذكرة، وبالله أستعين، وعليه أتوكل”.

وهكذا يأتي هذاالكتاب ليعزز التوجه الروحي عند ابن أبي زمنين، ويدعم نزعته الزهدية، ويضاف إلى ما ذكرته له المصادر من مصنفات وآثار في هذا الموضوع نظما ونثرا، وهي :

كتاب أنس المريد وهو في الزهد.

المواعظ المنظومة في الزهد.

النصائح المنظومة في الزهد أيضا.

كتاب آداب الإسلام.

كتاب قدوة القارئ.

كتاب منتخب الدعاء.

وإن كان الغالب أن هذه المصنفات ليس من الضروري أن تكون مستقلة بكيانها، ولعلها فصول مجتزأة من كتاب.

لقد كان ابن أبي زمنين في هذا الضرب من التصنيف ينظر إلى الدنيا بقلبه لا بعينيه كما قال بعض مترجميه، ولعله سعى في هذا الكتاب إلى تنبيه الناس من غفلتهم، وتذكيرهم بأهمية استقامة القلوب، لأنها إذا استقامت استيقظت، وصلح العمل، وطابت الثمرة، وشفيت النفوس من الأسقام، فاللهم اقسم لنا من استقامة قلوبنا ما قسمت للصالحين المطيعين من عبادك.

——-

1- الفقيه ابن أبي زمنين ومخطوطة منتخب الأحكام : د.محمد عبد الوهاب خلاف : مجلة معهد المخطوطات العربية الكويت، المجلد الثلاثون العدد الأول : جمادى الأولى -شعبان 1406هـ/ يناير -يوليوز 1986م، ص : 222.

د.علي لغزيوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *