أزمتنا التربوية : إلى أين؟


يكاد الاتفاق أن ينعقد على تعليل مشاكلنا الحالية بما نعانيه من أزمة تربوية وانفلات المقود من أيدي المربين والمدرسين، ويزداد التخوف مستقبلا بسبب تباعد الهوة بين الأجيال وازدياد المشكل التربوي تفاقما، وموازاة مع ذلك تتزايد الحيرة وتتعدد التساؤلات : أي تربية نريد؟ وأي نموذج نرتضيه لأجيال المستقبل؟ وكيف نستفيد من رصيدنا الحضاري في هذا المجال؟ ونعرض في هذه النفحة جانباً من الفكر التربوي عند أحد أعلام التربية هو أبو حامد الغزالي.

فما هي خلاصة الفكر التربوي والخلقي عند الغزالي وما مضمونه؟

لقد حرص الغزالي على الدعوة إلى ضرورة تعهد الطفل بالعناية والاهتمام منذ ولادته حتى سن البلوغ، وذلك مما ينم عن تكامل فلسفته التربوية، فهو يشبه التربية بفعل الفلاح الذي يقلع الشوك، ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته، ويكمل ريعه، ويؤكد أن الطفليولد صفحة بيضاء، ومادة خاما، قابلة للتشكل بين يدي من يتولى العناية والتربية، وقد عبر عن ذلك بقوله : “رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على اليهودية وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام”، وهو يستند في ذلك إلى الحديث النبوي الشريف الذي يقول فيه  : >كل مولود يولد على الفطرة : فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه<. وسواء أكان الغزالي يقصد بالفطرة دين الإسلام لأنه دين الفطرة كما ذهب إلى ذلك معظم مفسري هذا الحديث النبوي، أم كان يقصد بالفطرة أن الطفل يولد على غير مذهب أو دين، وأن الصغير يقتبس المذهب الديني لأبويه أيا كان، فإن مما لا شك فيه أن الإمام الغزالي قد أكد أن الطفل يولد معتدلا صحيح الفطرة، وهو أمانة عند من يوكل إليه أمره ومن يتولى تربيته وتعليمه، وفي مقدمتهم والداه بطبيعة الحال ثم معلموه فيقول : “الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُوِّدَ الخير وعُلِّمَهُ نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه، والوالي له”.

ومن هذا تظهر جسامة المسؤولية الملقاة على الأبوين والمعلمين والمربين بصفة عامة.

ويضيف الغزالي إلى ذلك موضحا إدراكه لأهمية هذا التشكل الذي يتم على يد الوالدين والمربين والمعلمين والأساتذة، وهم الذين يتحملون المسؤولية الخطيرة في هذا المجال، فيقول : “فتحرك باطني إلى حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات، وأوائلها تلقينات”.

ويضاف إلى ما سبق من تحديد لمفهوم التربية عند الغزالي، واعتباره الطفل مادةخاما، يولد على الفطرة، وتحميله المسؤولية لمن يتولى التلقين الأَوَّلي، أن الغزالي يؤكد وجود نقص طبيعي في الناشئ، غير أن هذا النقص الطبيعي قابل للكمال، ويشبه حالته حينذاك بحالة البدن فيقول موازنا بين الغذاء المادي والغذاء الروحي والفكري ودور كل منهما في اكتمال النمو الطبيعي للإنسان : “وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملا، وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية بالغذاء، فكذلك النفس تُخْلَقُ ناقصة قابلة للكمال، وإنّما تكْمُلُ بالتربية وتهذيبِ الأخلاق، والتغذية بالعلم”.

وهو يدرك أن النزاعات الفطرية والغرائز كلها قابلة للتهذيب، والإنسان في نظره مفطور على الخير، وأما الشر فهو عارض، وما هو عارض يمكن إزالته، استنادا إلى الحديث النبوي الشريف : >حسنوا أخلاقكم< والتحسين لا يكون إلا بالتربية والتوجيه والنصح، ويرد على منكري ذلك متسائلا في كتابه الإحياء.

“وكيف ينكر هذا في حق الآدمي، وتغيير خلق البهيمة ممكن، إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شَرَهِ الأكل إلى التأدب، والامساك والتخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد، وكل ذلك تغيير للأخلاق”.

فهل يهذب الحيوان ولا يهذب الإنسان؟.

د.علي لغزيوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *