الحي أولى بالجديد {إن الدين عند الله الإسلام}.


{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}.

{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه}.

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.

{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.

مما يميز الإسلام  بعد العقائد الصحيحة والعبادات السليمة والمعاملات السديدة، الآدابُ الشرعية والأخلاقُ السامية، ومما يحبذه الإسلام ويُرَغِّبُ فيه: الاقتصادُ في المعيشة، ويحذر من الإسراف والتبذير، قال تعالى : {كلوا واشربوا ولا تسرفوا}، {ولا تبذروا تبذيرا}، {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين}، ومن صفات عباد الرحمان: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}، {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا}.

لكن كثيرا من المسلمين اليوم أقبلوا على الإنفاق المبتدع في أفراحهم وأتراحهم وحياتهم، ويُفْرِطُون في ذلك إفراطا تجاوز المعقول تجاوزا مخيفا، مما يعطي صورا مشوهة ومنفرة من الدين نفسه في حين ترى معظم هؤلاء يقبضون أيديهم عن فعل الخير وبذل المعروف .

لقد كان الفراعنة يحتفلون احتفالات كبيرة في مناسبات التحنيط والدفن، وقد بنوا الأهرامات وسخروا لها الشعب المصري المسحوق، وانتقلت عادات وثنية مشينة إلى الأقباط ثم إلى المسلمين المصريين ثم إلى كثير من بلدان العالم العربي ومن  ذلك عادة الأربعين.

خلال الأسبوع الماضي شاهد العالم جنازة “البابا” وإن المرء ليقارن بين هذه الجنائز وجنازة خير الخلق سيدنا محمد  وصحابته الكرام، فيرى في جنازتهم التواضع والخشوع والبساطة والاقتصاد، وما زلنا نزور البقيع ومقابر الصحابة في بدر وقبر السيدة خديجة فنرى قمة التواضع والعبودية، وحتى قبر النبي  -وصاحبيه- الذي حذر المسلمين أن يقلدوا النصارى باتخاذ قبور أنبيائهم مساجد .

وعندما حضرت أبا بكر الوفاة قال لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:” إذا أنا مت فاغسلي أخلاقي (ثيابي البالية) فاجعليها أكفاني، فقالت : يا أبتاه قد رزق الله وأحسن، نكفنك في جديد، قال: إن الحي هو أحوج، يصون نفسه ويقنعها، والميت إنما يصير إلى الصديد وإلى البلى.

الحي أولى بالجديد من الميت الذي يصير إلى الصديد والبلى، وصية عظيمة وحكمة بليغة للخليفة الأول لرسول الله ، والصدّيق أول من أسلم من الرجال وثاني اثنين في الغار في الانطلاقة إلى الهجرة والسباق لكل خير، وقامع المرتدين وهازم المتنبئين وناشر ألوية الفاتحين ووالد أم المؤمنين والحائز لكل خلال الفضل والأخلاق بعد حبيبه وصاحبه سيدنا محمد  يقول، كفنوني في ثيابي التي ألبسها بعد غسلها، فالحي أولى بالجديد، ولم يقل لهم كفنوني في الحرير، ولا ادفنوني في القصر وابنوا علي القباب واجعلوا حراسا في أبوابها إلى غير ذلك مما كان عند الفراعنة الذين وصف الله نوعهم مبينا أسباب هلاكهم يقول تعالى: {وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد}.

وقد لقيت بالقاهرة أحد كرام الأقباط المتدينين الذين كانت علاقتهم بالمسلمين علاقة كريمة تقل حتى بين المسلميْن الجاريْن أو القريبيْن، فقال لصديقه المسلم الحميم: هنئني يا أخي أبا أحمد، فإني حققت أمنيتي في الحياة فأنا الآن مستريح وسعيد والحمد لله، فأجابه صاحبه المسلم وهو من كبار المسلمين وأعلامهم: بشرني، فأجابه:” إني انتهيت من بناء روضتي بالمقبرة ” أي أنه بنى لنفسه دارا وجهزها ليدفن في إحدى غرفها والباقي من البيوت والمرافق والمنافع لزوار قبره من أهله وأصحابه يقيمون فيها يوما أو أكثر ترحما عليه وتأنيسا له، وحتى المسلمون هناك يسرفون في بناء مقابرهم، وذلك من بقايا عادات الفراعنة.

فالحمد لله على نعمة الإسلام الذي في اتباعه -كتابا وسنة- كل الخير والسعادة والفلاح في الحياة والممات، وبئست عادات الجبابرة كالفراعنة وأشياعهم في حياتهم ومماتهم .

د.عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *