التباعل أساس تحقيق أعلى متعة مشتركة -2


مفهوم التباعُــــلُ :

التباعل : مصْدرُ تبَاعَلَ تباعُلاً، وفعْلُ تفاعَلَ في اللغة العربية غالباً يفيدُ المشاركة، أي هو غالباً فِعْلٌ يحدث بين طرفَيْن أو أطراف، مثل : تقاتَلُوا، تزاحَمُوا، تدافَعُوا، تراجَعُوا، تسابقوا… وعلى هذا فيكون معنى تباعَلَتْ المرأة، أحْسنت التبعُّل، أي أحسنت التزيُّن، والتهيؤ، والإغراء بمختلفِ الوسائل : لباساً، وتعطراً، وتجمّلاً، وحديثاً مثيراً، أو حرَكَاتٍ متَغَنِّجَة…

ومعنى تَبَاعَلَ الزَّوْجُ : تزيّن، وتهيأ، وأحْسَن الاستجابة للإغراء الأنثوي، بالتَّدْليل، والملاعبة، والمداعبة، والتغزل، وإبراز جمال الفحولة المتجاوبة مع جمال الأنوثة الفاتنة ليتم التمازج والاندماج الكليّ عواطفَ ومشاعرَ وغيبوبةً عن عوالم الوقار والتورع والترزّن والتعقل الذي يحدث خارج المخادع والمضاجع، فللمضجع حديث ولباس ولغة خاصة، وحركات خاصة، وللدار، والأسرة، والعمل، والشارع لبوس خاص، وهيآت خاصة.

فالرئيسُ في مكتبه، والقاضي في محكمته، والأستاذ في قسمه، والشرطيُّ في مراقبته… غَيْرُه في بيت الزوجية، وكذلك المرأة في الأسرة بين عائلاتها، والمرأة الطبيبة في عيادتها، والمرأة الوزيرة، أو البرلمانية، أو المحامية… غَيْرُها في بيت الزوجية.. فَلَوْ استمرتْ الصورة الخارجية للرجل والمرأة داخل المضاجع بنفْسِ الوتيرة من الهدوء، والترزّن، والوقار، والتورُّع، والتصوُّن ، والتعفّف ما كان مَيْلٌ، وانجذابٌ، وتجاذب، وبُعولة أو تباعُل، ولما كان الزواج أصلا، ولما استمرّ النسل البشري.

وفطرة الجَذْب والانْجذاب بيْن الرجل والمرأة تجعل كلَ واحدٍ منهما حريصاً على أن يحتَلَّ المكانةً الأولى في قَلْبِ الطرف الآخر، وذلك الحرص هو الذي يدفع كُلاًّ منهما إلى التفنُّن الغريزي لإشباع شعور الآخر، والسيطرة على كيانه، فالمرأة تشعر بالغَبْن الساخط، والحِقْدِ الآكلِ للكبد إذا هي اكتشفت أنها تزوجتْ برجل لا يَمْلأُ عيْنَيْها، ولا يُسَيْطِر على كيانها، ثقافة، وعقلا، وفكراً، ورأيا، وأدباً، وحناناً، ولطفا، وتلطفا، وحزْماً وصرامة أحياناً، ورجولة وفحولة، وسخاءً وكرماً.. فينشأ عن ذلك تبرُّمٌ وتضجُّر، وشكوى، ونشوز، وحسَدٌ لكل امرأة سعيدة في بيت الزوجية…

فالرجولة الحقُّ تقْهَر الأنثى السويّةً الفطرة بسلطان التصرُّف الرُّجولي الكامل بعفويّة وسلامة وبدون ترجُُّل أو تصنّع للرجولة الزائفة المعتمدة إمّا على العنف والتعنيف، أو التسخُّط والمُغاضبة بسَبَبٍ وبدون سبب، فالرجولة الحق تجعل المرأة تكتشف كل حين المعْدِن النفيسَ لزوجها، فتزدادُ على طول العِشرة إعجاباً وارتباطاً وانقياداً وحسن تبعّل وتباعل. فالله تعالى عندما قال : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} لمْ يفهَمْ المسلمُون أو العلماء بالأخص من ذلك أن الذكورة هيشرط القوامة، ولكن فهموا أن الرجولة هي مناط القوَامة بشروطها القائمة على دعامتَيْن :

1)  التحمُّل للمسؤولية الكاملة إنفاقا، وحماية، وتوجيها، وحسن إشارة واستشارة، وحُسن رعاية وقيادة {…بِما أنْفَقُوا مِن أمْوَالِهِم}.

2) التّفْضِيلُ  الرُّجولي بما وهَبَهُ الله من تميُّزاتٍ غير محدَّدَة في مقابل التَّميُّزاتِ الأنثويّة غَيْر المحدّدة أيضاً، ليتم التكامُل، فالليلُ يُظهِرُ حسنَهُ النهارُ، والنهار يظهر حُسْنَه الليل، وكذلك الرجولة يُظهِر حُسنَها الأنوثة، والأنوثة يُظهِر حسنها الرجولة {بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُم علَى بَعْضٍ}(النساء : 34). هكذا بدون تقييد أو تحديد، ولكن بعموميّةٍ مطلقة تشمل كلَّ فضْلٍ جمَعَهُ الله عزوجل في الرجل أو المرأة.

والرجل كذلك يشعر بالنفور والاكتئاب والجرح والغَبْن إذا اكتشف أنه تزوج امرأة مطبوعةً على النكَد والجشع والغيرة وحبِّ السيطرة أو الاستئثار بالتوجيه بناءً على موروث ثقافي تقليدي لا يُمت للإسلام بصلة، سواء جاء من عصر الحريم وثقافة العجائز، أو جاء من عصْر الثقافة التصادمية المستوردة من بلدان ورثة أحفاد قارون وهامان.

مصدر التقرير الشرعي للتباعل :

إن التباعل ليس مقصوراً على الإنسان فقط، ولكنه يلاحظ حتى في بعض الطيور والحيوان حيث تجدها أثناء التزاوج تُبْدي حركات ونشاطات إغرائية لا تقوم بها أثناء نوم الغريزة، ولعل قول الله تعالى : {ومِن كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْن}(الذاريات) يفيد التلازُم الحتمِيّ للتجاوُب الغريزي، بين كل ذكر وأنثى، لأن كلمة >زوج< لا تطلق على طرف دون طرف، فالزّوج يطلق على الشيء وضده المتكامِل معَهُ لأداء الرسالة المطلوبة في الحياة برغبة كاملة يصاحبها اغتباطٌ وفرحٌ غامرٌ في العثور على النصف اللازم لمعْنى >زَوْج<.

إلا أن النص الصريح المفيد لمعنى التباعل بوضوح هو قولالله تعالى : {هُنَّ لِبَاسٌ لكُمْ وأنْتُمْ لِبَاسٌ لهُنَّ}(البقرة : 187)، قال القرطبي : >أصل اللباس في الثياب، ثم سُمِّي امتزاجٌ كُلِّ واحدٍ من الزوجين بصاحبه لباساً لانضمام الجسدَيْن وامتزاجهما وتلاَزُمِهما تشبيهاً بالثوب، قال النابغة :

إذَا ما الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَها

تَدَاعَتْ فَكَانَتْ عَلَيْه لِبَاساً

وقال الربيع : هُنّ فراش لكُمْ، وأنتم لحَافٌ لهن، وقال مجاهد : أي سَكَنٌ لكُمْ، أي يَسْكُنُ بعضُكم لبعض<(1).

وعلى ما للمرأة من حق تبعُّل زوجها لها كما تتَبَعَّلُ له، إذْ >لَهَا الحَقُّ فِي أنّ تُطَالِبَهُ فِي حَقِّ الوَطْءِ بِمَا يُطَالِبُها بِهِ<(2) إلاّ أن البَدْءَ بـ{هُنَّ لِبَاسٌ لكُمْ} يُشْعِرُ أنّ الطرفَ الأكثرَ شعوراً بالتعرّي هو الرّجُل، ولذلك جعل الله الطرف الباحث عن اللباس هو الرجل، وجعَلَ المرأة هي الملبوسَ المبحوثَ عنه بشغف وشوق وعَزْم على البذْل والتحمُّل، مع أن المرأة هي كذلك تنشُد في قرارة نفسها العثور على نفس اللباس، ولكنها تكتُم ذلك لتبقى كرامتُها وعزتُها في كونها مطلوبةً(3)، ولو انقلب الأمْرُ وأصبحت هي الطالبة لزُهِد فيها وأصبحتْ بائرة، منبوذة، كما تبُور في عصْر العُهر وبيْع مجرد الشهوة التي لا توفر سكَناً ولا استقراراً، بل تؤدي إلى فساد اجتماعي، وأمراض جسدية، ونفسية، وعقلية، وخُلقية، تدمِّر كيان المرأة في المقام الأول تدميراً كاملاً، إذْ الإنسان -رجلا كان أو امرأة- يَشْعُر بأنه سقط من مكانة الإنسان إلى درك الحيوان إذا هو مارس الشهوة خارج النطاق الشرعي.

ولقد أحْسَنَ عبد الله بن عباس التفسير للسكَن واللباس المذكورين في القرآن حينما قال : >خُلقت المرأة من الرجُل فجُعِلتْ نهْمتُها في الرجل، فأحِبُّوا نساءكم، وخُلق الرجلُ من الأرض فجُعلتْ نهْمَتُه في المرأة والأرض<(4).

مقوِّماتُ التّبَاعُل :

الكثيرُ من أنواع الفشل والمشاكل التي تتخبّط فيها الأسَرُ في المجتمعات الإسلامية هي ناتجةٌ عن انعدام العناصر الأساسية التي كان ينْبغي أن تتوفَّرَ في البدْءِ ليكُون الزواجُ ناجحاً في الدنيا، ومؤدِّيا للفوز في الآخرة، ومُساهِماً في إعداد الأجيال الصالحة الكفيلة بانْتِشال الأمة من السقوط الحضاري.

ومن الأسُس والمقوّمات الضرورية التي يعْتمِد عَلَيْها المنهَجُ الإسلامي في تكْوين مجتمع مُتميِّزٍ عن غيره من المجتمعات البشرية، ما يلي :

أ- إحْسَانُ الاختيار على أسَاسِ الدِّين المتحكِّم في المال والحَسَب والجمال :

إن عَقْد الزواج عقدٌ خطير، لأن موضوعَهُ شريكةُ العُمر، وأمُّ أولادِ المسْتقبل، ولذلك لابُدّ فيه من التّأنِّي والتأمُّل وإطالةُ البحث والاستشارة ليكون الاختيار في محله، ولا يكون في محلِّه إلا إذا كان مضْبُوطاً بالمنهج الإسلامي الذي رسَمَهُ الرسول  للمسلمين كي ينجَحُوا، وهذا المنهجُ هو الذي يتلخص في الحديث المعروف في هذا الباب، وهو الذي قال فيه  : >تُنْكَحُ المرْأَةُ لأَرْبع : لِمَالِهَا، ولِحَسبِها ولجَمَالِها، ولِدِينِها، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّين تَرِبَتْ يَدَاك<(الإمام البخاري) وقال  في الرجل : >إِذاَ جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه وإلا تكن فتنة وفساد عريض< أو كما قال .

ليس معنى هذا إهدارَ قيمةِ المال والحسب والجمال، كَلاَّ، ولكن معنى هذا أن الجمال بدون دينٍ يُرْدِي ويُهْلِك وخصوصاً في عَصر اختيار ملكاتِ الجمال، إذْ مَنْ يَعْصِمُ المرأةَ من السقوط إذا كانت أينما ذهبت تسْمَعُ كلماتِ الإطراء والإعْجابِ، وأينما ذهبتْ تلاحقُها النظراتُ اللاهثة الجائعة؟! لا عاصِمَ من السقوط إلا الدين. ومن أنجى يوسف عليه السلام إلا {معَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوَايَ…} ومنْ أنجَى البنتَ الجَميلة التي اضطرَّتْها ظروف الفقر والحاجة لتُصْبحَ فِراشاً لابْن عمّها المحْبوب الجميل في وضعية الزوجة المطاوعة، فلم يَسعْها إلا أن تستعَْطِفَهُ بلغةٍ إيمانية مخلصة صادقة، حيث قالت له : >أُنَاشِدُك الله ألاّ تَفُضَّ هذَا الخَاتَمَ إلا بِحَقِّه< فقام عنها وهي أشْهَى إلى نفسه، لأن حرارة الإيمان التي انبعثتْ من أعْماق قلبها انتقلتْ إلى شغاف قلبه فهزمتْ وحْشَ الشهوة في نفسه، فلم يَمَسّها، وترك لها المال، وكان من ثمرة ذلك أن خَلَّصَهُ الله تعالى مع صاحبَيْه من الموت المحقق في الغار الذي انسدَّ عليهم بصخرة عظيمة لا يقدرون على زحزحتها(5).

فالجمال الحسي ضروريٌّ لأنه هو التأشيرةُ الأولى لفتْح باب الرَّغْبة، وإثارة شهية الزواج ولهذا كان رسول الله  يأمر الذين يريدون الزواج بالنظر للمرأة المراد التزوج بها، ويقول : فإنه أحرى أن يُؤدم بينكما -تدوم الألفة والعشرة- بل ويقول لهم انظروا إلى أعْين الأنصاريات، فإن في عيون الأنصار شيئا، أي مثل ما يُمكِنُ أن يُرَى في أعْيُن بعض الصحراويات مما يُشبه أن يكون عَمَشاً.

إلاّ أن الجمال الحسّيَّ يَذْبل مع مرور الزمن، ويُمْسَخ بالتبذُّل والترذّل، أما الجمال المعنوي، والجمال الخلقي فهو حيٌّ أبداً، متألّق أبداً، متنوِّرٌ أبداً، وما مَثَلُ خديجة رضي الله عنها بمجهول.

أما المالُ والحسَبُ فإنَّهُما -بدون دين- يُطْغِيان كما قال رسول الله .

فهل يمكن أن تفهَمَ المرأةُ بدون دين -في هذا العصر- {وللرِّجَالِ عَلَيْهِنّ دَرَجَةً} أو {الرِّجَالُ قَوّامُونَ على النِّسَاءِ} أو قول الرسول  : >لوْ كُنْتُ آمِراً أحداً أن يسجُد لأحَد لأمَرْتُ المرأة أن تَسْجُدَ لَزَوْجِها< أو قول الرسول  : >إِذَا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فأبَتْ أنْ تَجِيئَ لعَنَتْها المَلاَئَكَةُ حَتَّى تُصْبِح<(رواه البخاري ومسلم) أو قول الرسول  : >مَامِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فتَأْبَى عَلَيْهِ إلاّ كَانَ الذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطاً علَيْها حتَّى يَرْضَى<(رواه مسلم).

فالمرأة التي شربتْ من ثقافة الكفر والإلحاد تعتبر هذا استبداداً وتكويناً للمجتمع الذكوري، والفقه الذكوري، بدون أن تفهَم أن ذلك هُو الطريق الصحيح لتكْوين المجتمع السليم، وأن ذلك هو الطريق الصحيح لقلب الرجل، بل ذلك هو الطريق السحري الحلال للاستحواذ على الرجل وجعل مشاعِره، ووجدانانه متعلقة بها.

ب-  الاستخارة

——–

1- الجامع للأحكام 283/2.

2- الجامع 221/2.

3- وهذا على عكس الحيوان الذي تكون الأنثى فيه هي الطالبة الباحثة عندما تستيقظ غريزتها وتتهيأ للإنجاب، فالأنثى هي التي تبحث بالصوت والحركة عن الذكر، بل هناك من يعجبها أن تجرّ وراءها سرباً من الذكور يتناطحون ويتهارشون ويتقاتلون للظفر بها، أما المرأة فقد رفعها اللهعز وجل عن هذا المستوى.

4- أخرجه البيهقي في الشُّعَب. نقلاً عن اللقاء بين الزوجين في ضوء الكتاب والسنة ص 24.

5- عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي  قال : >خَرَجَ ثلاثَةُ نَفَرٍ يمْشُون فأصَابَهُم المطَرُ”، فدَخَلُوا في غَارٍ في جَبَل، فانحطَّتْ عليْهِم صخْرَةٌ، فقال بعْضُهُم لبَعْضِ : ادْعُوا اللّه بِأَفْضلِ عمَلٍ عمِلْتُمُوه… وقالَ آخرُ : اللَّهُم إنْ كُنتَ تعْلمُ أنِّي كُنْتُ أُحِبُّ امْرأةً من بَنَاتِ عَمِّي كأشَدِّ ما يُحِبُّ الرَّجُلُ النّساءُ… فطَلَبْت إلَيْها نَفْسَها، فامْتَنَعَتْ مِنِّي حتَّى ألَمَّتْ بِها سَنَةٌ -مجَاعة- من السِّنِين، فَجَاءَتْنِي، فقَالت : لا تَنَالُ ذَلِك منِّي حتَّى أعْطيَها مِائةً دِينَارٍ، فسَعَيْتُ فِيها حتَّى جَمَعْتُها، فلمّا قَعَدْتُ بيْنَ رِجْلَيْها، قالتْ : اتّق اللّه، ولا تَفَضَّ الخَاتَمَ -العُذْرَةَ والبِكَارة- إلاّ بحَقِّه، فقُمْتُ وتَرَكْتُها، وترَكْتُ لها المال، فإنْ كُنْت تعلمُ أنِّي فعَلْت ذلك ابْتِغَاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً، ففَرَّج عنْهُم الثُّلُثَيْن<(رواه البخاري ومسلم).

ذ.المفضل فلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *