محمد الحلوي العالم الشاعر


 

يصعب على من درس على العالم الشاعر المرحوم محمد الحلوي وتعرف عليه عن قرب، أن يتناول بالقول والحديث مجالات حياته الفكرية والثقافية والعلمية، لما يزخر به فكره وتنضح به ثقافته ويتسع له علمه من عطاء وثراء، وخصب وآفاق، وفي مرحلة من أدق المراحل في بناء الثقافة الفقهية والأدبية في بلادنا، واستعادة السيادة والحرية في وطننا، تميزت بالقهر والظلم والاستبداد السياسي من لدن المستعمر من جهة، وبالجمود الثقافي والتعصب للسائد من المفاهيم والنظريات التراثية التي تمكنت من النفوس واستحكمت في العقول لدى عدد من إخوانه ورفاقه في الجامعة التي كان يدرس بها ، والحقل الثقافي الذي أخذ يغشاه بنشر ما تجود به قريحته من فنون النثر والشعر، حتى ليصعب في محيط كالذي كان يعيش فيه أن يقول غير ما هو سائد لدى العامة والخاصة من الناس ، بله أن يرفع صوته عاليا يشتكي من تردي الأوضاع وفسادها وظلم المستعمر وطغيانه، وجمود الثقافة والأفكار ورجعيتها وانكفائها على نفسها تردد المكرور من القول، دون ما مبالاة ولا هيبة من إمكان التعرض لغضب المستعمر الغاشم، ومعارضة الرفاق في الجامعة والحقل الثقافي، وغضب العامة التي كانت ترقبه في الأزقة والدروب وهو يسير أنيقا متألقا في العطارين وحي الشماعين وسماط العدول بفاس، صباح مساء يقصد الجامعة التي تحيط بها أحياؤها المليئة بالطلاب الحائرين بين ما يدرسونه على شيوخهم الوقورين من مقررات دراسية ومواد تراثية يطبعها الحفاظ والتقليد الذي يبلغ حد التعصب والجمود أحيانا، وبين ما تضطرب به المرحلة الدقيقة والأجواء الثقافية من أفكار جديدة ونظريات ومفاهيم معاصرة وتطلعات مستقبلية تشد إليها العقول وتتشوف إليها النفوس وترنو إليها الخواطر، ويرى فيها مثقفنا الأديب وعالمنا الفقيه، ذو الذهنية المتفتحة، والعقل المستنير، سبيل الخلاص من غلبة المستعمر وطغيانه وجبروته، وقارب النجاة من عطن الانغلاق، وسلطة التقليد، وأزمة الفكر والثقافة، حيث السبيل إلى نهوض الشعب من كبوته وخلاص المجتمع من معاناته وانعتاق الثقافة مما أصابها من إخلالات وغبش.

لكن إيمان العالم المتجذر في أعماقه ويقينه، وثقافته القائمة على أساس من النقل والعقل ورسوخ فكره واصطبار نفسه، ونظرته المستقبلية، كان كل ذلك سلاحا فكريا جابه به العالم الأديب واقعه وتحمل مسؤوليته، مع ثلة من الرفاق  الذين سايروا اختياراته واقتنعوا بها وأدركوا نجاعتها، فأخذ ذهنه يتفتق عن إبداعات شعرية ونتاجات فكرية حافلة بالإيماءات والرؤى الثاقبة، زاخرة بالمعاني الدالة المعبرة، التزم بها الكاتب الشاعر يضمنها أفكاره ونظرياته ومفاهيمه، يحرك بها الأفهام والعقول، ويبدعها قصائد كانت أسرارا من الجمال فيالفن والإبداع، ومضامين من التصوير لواقع الأديب وعصره يضمنها من التوجيه الديني والإرشاد الإنساني ما يجعله قريبا إلى النفوس، موجهة للعقول مؤثرة في السلوك بما ترسمه من تطلعات وتوقده من مشاعر وإحساسات كانت تمور بها نفسه وتغتلي في وجدانه، إنها سلاح الكلمة المعبرة والقصيدة المؤثرة يجهر بها الشاعر في غير قليل من الجرأة يتصيد لها المناسبات.

لقد حمل العالم الشاعر محمد الحلوي همومه التي ترسبت في وعيه، وآمال شعبه الذي شاركه أحزانه وأتراحه فاضطلع برسالته عن طريق منثور القول ومنظوم الشعر إسهاما منه في رسم الطريق وإنارة الدروب المظلمة، فأثر بجهير صوته في المحافل، وقوة منطقه في الخاصة من الناس، وسلامة أدائه في العامة، ولكن شعبه لم ينصفه حيا شاعرا غريدا ولا عالما فقيها تنقص الأرض من أطرافها بموته، فرحمه الله وعزاء لمن تمرس على الأحزان من العلماء الذين لم تنصفهم الظروف ولم تهتم بهم المحافل العلمية والأدبية أحياء وأمواتا على الرغم من اصطبارهم على تحمل عناء الكلمة الجادة في التنوير وإضاءة معالم الطريق.

العلامة عبد الحي عمور

رئيس المجلس العلمي المحلي لفاس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *