مجرد رأي – الفلوجة الشهيدة


… تابع العالم بأسره في الأيام الأخيرة صورة ذلك الجندي الأمريكي وهو “يعالج” أحد المصابين برصاصة من فوهة رشاشه الثقيل فأرداه قتيلا للتو. الحادث وقع في رحاب أحد المساجد التجأ إليه بعض أهل الفلوجة من الشيوخ والنساء والأطفال من بطش القوات الأمريكية، إلا أن هذه الوحوش الغازية لم تُراع للمسجد حرمة فحولت إلى مجزرة حقيقية، وبركانا من الدماء والأطراف المقطعة، إنه منظر مريع ما أظنه حدث حتى أيام النازية ولا حتى في أيام غزو العراق من قبل التتار والمغول!!

المنظر يُحيلنا إلى منظر غابة حقيقية تبحث فيها وحوش ضارية مُفترسة عن فرائس لا يزال بها رمق من حياة.. هكذا إذن تكون الديموقراطية التي جاء الأمريكان لينشرونها في العراق وفي العالم المتخلف، وتلك أماراتها الصغرى، أما أماراتها الكبرى فقادمة ما لم يتحرك الضمير العالمي برمته وما لم تتحرك الشعوب في العالم كله رافضة منطق الاستكبار والبلطجة الأمريكي الذي يراد فرضه على العالمين بالإكراه.. والتجربة قابلة -إن هي نجحت- لتنتقل إلى مناطق وشعوب أخرى ليست بالضرورة اسلامية ولا عربية.

هكذا إذن تكون الديموقراطية وإلاّ فلا، فلا نامت أعين الرافضين؟!

… إن ما ترشح من صور ومعلومات قليلة عن مجازر الفلوجة إنما هو غيض من فيض، وما خفي كان أعظم.

فالقوات الأمريكية أرادتها مجزرة بدون شهود، ولذلك تم تحييد كل وسائل الاعلام الصادقة والصحفيين الشرفاء، والذي نقل ذلك المشهد المؤلم لم يكن عربيا ولا مسلما بل صحفي مصور أجنبي من الذين سمحت لهم القوات الأمريكية بمصاحبتهم.

وتكميلا لهذه الصورة، يقول أحد الناجين من المجزرة الرهيبة -قدمته احدى القنوات مؤخرا- أنه شاهد الجنود الأمريكان وهم يجمِّعون الجثث والجرحى في مجموعات صغيرة (10جثث) ثم يسحلونها بواسطة الدبابات إلى ساحات وأماكن عمومية واسعة ليتم طحنهم تحت عجلات الدبابات والمدرعات طحنا!!.

وقد شاهدنا جميعا بدايات هذه العمليات القذرة في الصورة التي نتحدث عنها. لقد شوهد أحد الجنود وهو يجر احدى الجثث من رجلها فيما يبدو عملية لتجميع الجثث استعداداً لسحلها.

وقد تظهر مشاهد أخرى أكثر دموية ووحشية كما حدث في جرائم سجن أبو غريب منذ شهور خلت.

يقع كل ذلك بمباركة وتنسيق ما يسمى بقوات الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة شيخ الخونة وغيره ممن استمرأ خيانة دينه وأبناء وطنه والأمة الاسلامية والعربية قاطبة، كل ذلك لقاء ثمن بخس دراهم معدودات يجود بها عليهم أسيادهم الأمريكان ليلفضونهم كما لُفض غيرهم متى تغير مزاج ساداتهم أو متى قضوا منم وطرًا.

وما وقع لأحمد الجلبي عنهم ببعيد، ويومها سيعلم الخونة أي منقلب ينقلبون، في الدنيا وفي الآخرة عذاب شديد بإذن الله.

… أما الضمير العالمي ممثلا في منظماته الحقوقية والانسانية وغيرها، فقد أصيبت بالصمم ولم نعد نسمع لها ركزا، اللهم إلا بعض التصريحات الخجولة التي تسوّي بين الجلاد والضحية وتضع الكل في كفة واحدة، لتدعو “الجميع” لضبط النفس والتروي…!!

ولو حدث عُشر ما يحدث في الفلوجة في أي مشيخة أو قبيلة نائية فيها مسيحيون أو يهود لقامت الدنيا ولم تقعد.

وفي الحقيقة لا لوم على هؤلاء ما دام أصحاب العزاء في غفلة سامدين وفي قضاياهم اليومية شاردين، وكما في المثل المغربي مقلوباً : “أصحاب الدار صبروا والعزايا كفروا”.

أما صحفنا التقدمية والحداثية جداً فلا تكاد تبين، فإن تحدثت عن الفلوجة فمن باب الأخبار ليس إلاّ، فلا تحاليل معمقة ولا استنكار ولا محاولات لنقل الحقائق ولا هم يحزنون، وقد يفرغون صفحات بكاملها لتفاهات ومواضيع فارغة لا تزيد قارئها إلا غما وحنقا وهزيمة.

لقد أجمع العديد من المحللين المنصفين أن ما يقع في الفلوجة خاصة وفي العراق عامة هو إبادة جماعية بالمعنى الحقيقي المتعارف عليه دوليا، وإلا كيف نفسر هذا لاستنفار الهائل لآلاف الجنود الأمريكيين المدججين بشتى أنواع الأسلحة مدعومين بقوات من الجيش العراقي لما يسمى بالحكومة المؤقتة على مدينة صغيرة لا يتعدى عدد سكانها النصف مليون نسمة أرهقتهم سنوات عجاف من الحصار الجائر والحكم الظالم ثم الاحتلال.

فالقوات الأمريكية باحتلالها العراق وضعت نفسها في مأزق يصعب الانفكاك منه، فلا هي قادرة على التراجع حفاظا على سمعتها وماء وجهها، ولا هي اسطاعت أن تقضي على جيوب المقاومة وتعيد للعراق أمنه واستقراره استعداداً لاجراء انتخابات حرة ونزيهة كما يدعون!!

فما قامت به أمريكا لن يخلف سوى :

> مزيد من الخصوم والأعداء لسياستها.

> مزيد من الضحايا في صفوف جنودها.

> مزيد من الاضطرابات والقلاقل  ليس في العراق وحده وإنما في المنطقة بكاملها.

> مزيد من التهديدات والأعمال الانتقامية  ضد مصالحها.

> مزيد من إضعاف للأمم المتحدة وباقي المنظمات الدولية والحقوقية.

> مزيد من التشرذم والنزاعات الاقليمية والدولية.

> مزيد من التردي والتراجع عن مكتسبات تم تحقيقها في مجالات حقوق الانسان وحرية التعبير والممارسات الدموقراطية الحقيقية.

“فالعالم -كما قال الرئيس الفرنسي شيراك مؤخراً- ليس أكثر أمنا بعد غزو العراق”.

فسياسة أحادية القطب التي أصبحت أمريكا تنهجها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وجدار برلين، سوف تكون لها عواقب كارثية لا على المسلمين والعرب وحدهم، وإنما على الأسرة الدولية برمتها. بما في ذلك الشعب الأمريكي نفسه.

وهنا نذكر بالمذكرة المشهورة التي بعث بها مجموعة من كبار المثقفين والمفكرين الأمريكان للرئيس بوش في السنة الماضية تحت عنوان : “سيدي الرئيس، رجاءاً لا تجعل من الشعب الأمريكي أكثر الشعوب كراهية في العالم”.

ذ. عبد القادر لوكيلي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>