هكذا صنعتهم سورة المزمل، فمن وكيف يصنع الرجال في زماننا؟


تعتبر سورة المزمل من أعظم سور القرآن الكريم النازل في المرحلة المكية، هذه المرحلة التي عني القرآن فيها بالتربية الروحية التي تصنع الرجال الذين يستطيعون تحمل أعباء أعظم رسالة نزلت من السماء وأعباء خير دين ارتضاه الرب الكريم لعباده مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى : {إن الدين عن الله الاسلام} هذا الدين العظيم لا يتحمل تبعاته إلا رجال تربوا في أحضان القرآن الكريم وصُنِعوا على عين الله وعلى عين رسوله الكريم الذي كان أول من خضع لهذا البرنامج التربوي العالي المستوى كما خضع له ثلة من صحابته الكرام إلى أن مكن الله لهم في الأرض وأعلى كلمته ونصر دينه بهؤلاء الرجال الذين طبقوا وصفة سورة المزمل وهاكم أهم عناصرها :

1- قيام الليل، 2- المداومة على ذكر الله، 3- التوكل على الله، 4- الصبر والهجر الجميل، 5- الفهم الصحيح لنتائج الأعمال، 6- الاستغفار بعد كل عمل صالح.

حاجة المسملين إلى قيام الليل

إن المسلمين حقاً إذا ما أرادوا أن يقوموا بالدعوة وهي بطبيعتها تحتاج إلى قوة روحية عظيمة مع إيمان عميق واتصال دائم بالله تعالى، فعليهم بقيام الليل فهو يسهم في تحقق ذلك لأنه ييسر للدعاة خلوة بأنفسهم يناجون فيها ربهم وهم في حالة من فراغ البال من شواغل النهار إلى غير ذلك من الأمور التي تحتاجها الدعوة، ولذلك فإن الليل أعون على الإقبال على ربهم سبحانه وتعالى ومناجاته بالقراءة والصلاة والذكر، ولهذا قال تعالى عن ساعات الليل بأنها {أشدّ وطئاً وأقوم قيلاً}.

أي أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها وإقامة الصلاة بخشوع من ساعات النهار، وهي عادة وقت انتشار الناس ولغط الأصوات، هذا وإن في الأمر بالتهجد وإن صار تطوعاً إشارة واضحة إلى الحاجة إلى إعداد النفس لمزيد من العبادة وقراءة القرآن والصلاة للقيام بالأمور العظام التي يكلف بها المسلم لاسيما الداعي إلى الله تعالى، فعلى الدعاة الإكثار من العبادة ومن قيام الليل.

المداومة على ذكر الله

إن مما يحقق اتصال المسلمين بربهم مداومتهم على ذكر الله، لقوله تعالى : {واذكر اسم ربك} أي دم واستمر على ذكره تعالى ليلا ونهاراً على أي وجه كان هذا الذكر من تسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وقراءة قرآن ودراسة فقه ونحو ذلك فهذا الذكر الدائم المتواصل من المسلمين يزودهم بقوة هائلة من الإيمان تعينهم على تحمل أعباء الدعوة وتكاليفها.

التوكل على الله

على المسلمين أن يستحضروا في نفوسهم ضرورة التوكل على الله وأن يعتمدوا عليه في كل أمورهم، وعلى رأسها حال المسلمين المزرية وهوانهم على الناس. وقد أمر الله رسوله  بالتوكل عليه؛ لينبه أمته على ذلك، فقال تعالى : {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا}، لأنه هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب، لا إله إلا هو فكما أنه تعالى هو المستحق بإفراد العبادة له وحده فهو أيضا المستحق للتوكل عليه كما قال تعالى : {فاعبده وتوكل عليه}، ثم إن من يتوكل عليه العبد ينبغي أن يكون أهلا لهذا التوكل بأن يكون قادراً على كفاية من توكل عليه، وهل هناك أقدر من الله على كفاية عبده؟ قال تعالى : {أليس الله بكاف عبده} وعلى المسلمين أن يعلموا بأن درجة توكلهم على الله تكون بدرجة حرصهم واهتمامهم بأمور الدعوة التي يتوكلون على الله في إنجاحها.

ألا ترى أن التاجر لحرصه على سلامة تجارته وربحه فيها يحس بِقُوَّةٍ وعُمْق توكله على الله في تحقيق ما يصبوا إليه من ربح في تجارته. وهكذا يكون الحال في توكلهم على الله في أمور الدعوة.

الصبر والهجر الجميل

في قوله تعالى لرسوله الكريم  : {واصبر على ما يقولون} إشارة إلى ضرورة الصبر للدعاة على ما يقوله أعداء الله وأعداء الدعوة الإسلامية من فاجر القول وكذبه، كالتهم الباطلة يلصقونها بالدعاة، وليكن صبر الدعاة على أذاهم بالله ولله كما قال تعالى : {واصْبر وما صبرك إلا بالله} أي استعن بالله ليصبرك على ما ينبغي الصبر عليه، وأن يكون هذا الصبر لله تعالى أي طاعة له وفي سبيله وطلباً لمرضاته.

ومع ضرورة الصبر للدعاة، هجر جميل من الدعاة لأولئك الجاهلين أعداء الدعوة، فلا يقابلون إساءتهم بالمثل بل يعرضون عنهم، ويتغافلون عن أذاهم، ويمضون في دعوتهم، ولا ينشغلون في الشجار معهم، فإن في سكوت الدعاة عنهم بياناً لحسن خلق الدعاة وترفعهم عن الجاهلين ، وعدم إضاعة الوقت معهم. إن السائر الذي يريد بلوغ هدفه والمكان المتوجه إليه لا يجوز له أن يقف ليرمي الكلاب النابحة بالحجارة ليسكتهم، فإنهم قد لا يسكتون ولكن إذا استمر السائر في سيره وإذا أسرع فيه كان ذلك أدعى إلى سكوت نباح الكلاب.

الفهم الصحيح لنتائج الأعمال

إن الخيرية في ميزان الإسلام هي أعمال البر المرضية عند الله تعالى، فهي التي تثمر له رضوان الله والظفر بنعيم الآخرة. فعلى الدعاة والوعاظ والخطباء أن يوضحوا هذا المعنى للناس لتصح مفاهيمهم وتعتدل موازينهم، وحتى يكون عندهم على وجه اليقين أن الخيرية في الأعمال هي ما كانت عند الله مرضية، وهذا الذي نقوله والذي نريد من الدعاة تذكير المسلمين به هو المستفاد من آيات القرآن ومنها الآية الواردة في سورة المزمل وهو قوله تعالى : {وما تقدموا لأنفسكم من خير} أي في الدنيا من صدقة أو نفقة في وجوه البر أو عمل بطاعة الله، أو غير ذلك من أعمال البر {تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً} أي أعظم ثواباً مما عندكم من متاع الدنيا.

الاستغفار بعد كل عمل صالح

على الدعاة أن يذكروا الله في أعقاب أعمالهم الصالحة، وفي أعقاب أعمالهم الدعوية، فيستغفروه على كل تقصير صدر منهم في هذه الأعمال، وليذهب ذلك عنهم الإعجاب بالنفس.

وهذا مستفاد من آخر سورة المزمل في قوله تعالى : {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} لأن الإنسان قلما يخلو مما يُعَدُّ تفريطاً بالنسبة إليه، ومن ذلك رؤية المسلم العابد عبادته وما يتبعها من إعجاب بالنفس، ولهذا المعنى أمر الله تعالى بالاستغفار بعد الأوامر السابقة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقراض الحسن.

إن سورة المزمل تعرض صفحة من تاريخ هذه الدعوة تبدأ بالنداء العلوي الكريم بالتكليف العظيم وتصور الإعداد له والتهيئة بقيام الليل، والصلاة، وترتيل القرآن، والذكر الخاشع المتبتل، والاتكال على الله وحده، والصبر على الأذى، والهجر الجميل للمكذبين، والتخلية بينهم وبين الجبار القهار صاحب الدعوة وصاحب المعركة!…

وتنتهي بلمسة الرفق والرحمة والتخفيف والتيسير، والتوجيه للطاعات والقربات، والتلويح برحمة الله ومغفرته : {إن الله غفور رحيم}.

وسورة المزمل تمثل صفحة من صفحات ذلك الجهد الكريم النبيل الذي بذله ذلك الرهط المختار من البشرية -البشرية الضالة، ليردها إلى ربها، ويصبر على أذاها، ويجاهد في ضمائرها، وهو متجرد من كل ما في الحياة من عرض يغري، ولذاة تلهي، وراحة ينعم بها ويلتذ الفارغون!.

هكذا صنعت سورة المزمل إلى جانب أخواتها من سور القرآن الكريم رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهكذا صنعت سورة المزمل رجالا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله.

فكيف يُصْنَعُ الرجال في زماننا؟؟!!

ومن يصنع الرجال في زماننا؟؟!!

المصادر :

- في ظلال القرآن   -المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة (عبد الكريم زيدان)   – تفسير القاسمي   -تفسير الألوسي.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>