شذرات الخاطر عن الخطاب الأدبي في رسائل النور


والنورسي هو من هو فكرا.ً فلا مراء في علو معانيه ومقاصده. وخطابه في أكثر رسائله مشوب بالحس والعاطفة. بل أنه لا يتخلى عن مزج الحس والعاطفة والتجربة الوجدانية أثناء إيصال معانيه ومقاصده. بل ويصرح بكل ذلك في الرسائل. أنه مشدود بالمعاني والمقاصد بحبل وثيق. “لا تضجر من أسلوبي الوجيز. فلست غنيا بالألفاظ، ولا أحب الإسراف، ولا يروق لي اللفظ المنمق. خذ من كل شئ أحسنه، سر هذا هذا الأساس، ودع لي ما لا يروق لك، ولا تعترض!”(1).

وهو يعرف علو مقصده ويكابد من أجله مكابدة شعورية، فيصف تجربته الشعورية “يا ناظر: أظني احفر بآثاري المشوشة عن أمر عظيم بنوع اضطرار مني. فيا ليت شعري، هل كَشَفْتُ؟ أو سيَنَكشفُ؟ أو أنا وسيلة لتسهيل الطريق لكشّافه الآتي؟”(2) إنه باحث يستجلى حقيقة كبرى، ينساق في الطريق بغير اختيار. فيرى تشوشاً في رؤى الكشففيحتار ولا يدري إن كان كشف الحقيقة؟ أو أن الحقيقة ستسفر عن وجهها؟ أو أنه يمهد السبيل للقابل الكشاف؟ في معاناة ومكابدة شعورية شديدة الوطأة مع تكشفات الحقائق العظمى. وفي سيره في طريق الكشف يُثلًمُ بجروح ثمرتها “سلاح قاطع ودواء نافع، أعطيته من حيث لا أحتسب في وقت شدة احتياجي وكثرة جروحي”(3) و”لا تحسبن أن ما اكتبه شئ مضغته الأفكار والعقول”..(4) لأنه ليس كلاما منمقا كأنه إناء ملآن يطرح في فم العقل والفكر فيمضغه مستلذا وجذلانا..” كلا، بل فيض أفيض على روح مجروح، وقلب مقروح”.(5) يكابد انكشاف الحقائق حسيا وشعوريا فيتألم في مخاض الفكر.. “بالاستمداد من القرآن الكريم”.(6) فهو القالب الذي يقيده في أوسع الساحات وأقصى الجولان. إذن، عناصر الأدب من فكر وعاطفة ومكابدة شعورية وافرة في خطاب النورسي. أما أسلوبه في البيان، فهو  يدعوك أن “لا تطلب في آثاري انتظاماً وانسجاماً ووضوحاً”.(7) يعني تسلسلاً في الانتقال بين المعاني، وانسجاما بالانحصار في حقيقة واحدة في الرسالة الواحدة، واطنابا وافياً بالوضوح، “لأنها تقيد وتلخص مشاهداتي في تحولات غريبة ومجريات نفسية مختلفة.(8) فهو يعاني في عملية البحث (والأصح الكشف) معاناة يتقلب من حال إلى حال كالذي يشوى بالنار لينضج، وأثناءها يقيد كشوفاته التي يراها رأى العين، كما يصرح مراراً في الرسائل فيقول “ما كتبت إلا ما شاهدت” فيترك التكلف ويترك التصنع: ” تركت الخاطرات في الصور التي برزت فيها أول ما خطرت على القلب”.(9)  أي من غير تهذيب أو تشذيب. فالقصد اقتناص الفكر من منابع الكشف بالاستمداد من القرآن الكريم العظيم الشأن، في منزل هو كالبرزخ بين العقل والقلب:” ما أدري كيف صار عقلي ممزوجا بقلبي. فصرت خارجا عن طريق العقل من علماء السلف ، وعن سبيل أهل القلب من الصالحين”.(10)

نعم، للنورسي طريقة فريدة في مدارج الكشف. فهو لا يستخف بالعقل في طريق كشف الحقائق الكبرى التي تضيق على العقل، ولا يستغني عن القلب الذي يسعها. فيلجم كل ذلك بالقرآن العظيم والسنة الجليلة كما يصرح في مواضع أخرى. نعم، أن العقل يتفطر حين يواجه الحقائق العظمى. لكن النورسي يؤطره بأرحب إطار يمكن أن يؤطر به. لذلك لا تتفلت جولاته إلى الشطحات، ولا تستغرق أحاسيسه الذاتية آثاره. فآفاقه رحيبة، وميادينه شاسعة من الفرش إلى العرش ومن الذرة إلى المجرة. وللعقل البسيط موازين، لكن موازينه في الحقائق الصغرى، غير موازينه في الحقائق الكبرى. والنورسي دؤوب في درب الكشوفات نحو أعظم الحقائق، وهي الحقائق الإيمانية، بموازناتها في الدرجة العظمى. لذلك فهو يكابد شعوريا وحسياً في أرحب ساحة للقلب، بأعظم موازنة للعقل. موضوعه الأعظم هو الإيمان والتوحيد. يتخلص من الاستغراق في الذات والإنغلاق عليها، أثناء هذه المعاناة الشعورية والحسية. ويميز بين طبقات اللطائف والأنفس والقلوب والأرواح، وأنواع الخطرات والهواجس والهوسات في مسير الكشف كأنه يجتاز “الصراط المستقيم” الذي يُخشى أن تلتف الساق بالساق عليه ، إذ هو أدق من شعرة. فلا يعير أهمية بالغة بتنميق الألفاظ والجمل، ويتركها كما خطرت له. لكن خزائنه من اللفظ وعلوم اللسان والبلاغة، واحاطته بعلوم البيان والمعاني والبديع والفصاحة، وتحكمه في الإيجاز والأطناب والمساواة والمقابلة والجناس والطباق والتورية والسجع وحسن التعليل والتشبيه والمجاز والاستعارة، وعلومه كلها، تقيه من الإسفاف والركاكة. وإذ يتلظى في معاناته الشعورية في ذاته الشخصية، لا يستلذ وحده بكشوفاته، بل يسعد باقتسام أذواق الكشوفات مع نوع الإنسان. وأقرب حلقه إليه هو حلقة الإنسان المسلم. فيحزنه ما يصيب الإنسان المسلم من غفلة عن هذه الحقائق التي هي في متناول يديه. فيمد جسوراً من النور إليهم، ويتصدى لسدود القتام حين تريد أن تحول أمام سطوع “النور” في القلوب، بشجاعة وحكمة يستمدها من الحقائق الإيمانية. فتتشكل الألفاظ في الرسائل كالسيل في قوتها، وكالفرات في عذوبتها. ألفاظ لا تخفى فيها دفق العاطفة التي تفعل فعلها المقصود في السامع أو القارئ مصبوبة في قالب يفتح المغاليق. فالنورسي كشاف يجول ويصول في عالم الإيمان الرحب، ويتكلم في مكانه وموقعه وليس في مقام السامع المواجه له، فيجعل وجه أقواله إلى نفسه، وظهره إلى السامع. لذلك، قد يعاني القارئ والسامع عسراً، إلا إذا أرسل خياله إلى النورسي، ليرى ويقرأ من المقام نفسه! ولا يلوم الآخر على ذلك، بل يرجع السبب إلى أن “أكثر هذه المسائل أدوية جربتها في نفسي، أعطانيها الفرقان الحكيم. لكن يمكن أن لا يفهمها الناس كما أفهمها بتمامها! لأن نفسي -بسوء اختيارها- من الرأس إلى القدم مُلَمّعةٌ بالجروح المتنوعة! فالسليم بحياةالقلب لا يفهم درجة تأثير الترياق في السقيم بلدغ حية الهوى، كما يفهمه هو..”.(11)

أرأيت كيف يصور في إفادات شعرية حاله وحال القارئ؟

—————

1- صيقل الإسلام، السانحات، ص 332.

2- المثنوي العربي النوري- ذيل الحبة ص 239.

3- نفسه، مدخل شمة ص 318.

4- نفسه، شمة ص 318.  //  5- نفسه، شمة ص 318.

6- نفسه، شمة ص 318.  //  7- نفسه، شمة ص 318.

8- نفسه، شمة ص 318.  //  9- نفسه، ذرة، ، ص 296.

10- نفسه، شمة، ، ص 318.  // 11- نفسه، حبة، ، ص 218.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>