آلة صغيرة من لحم ودم


حييتها؛ كلمتها؛ ابتسمت لها؛ رَبَتُّ على كتفها النحيل، كادت الطفلة ذات العشر سنوات أن تبتسم، لولا أن يدا سحبتني… وأمام بناتها رفعت سبابتها تحذرني :

- نحن لا نكلمها بتاتا ـ باستثناء أوامرنا وطلباتنا ـ لئلا تتعلم الجرأة والجسارة (الدسارة حسب عاميتنا)

قلت مخاطبة بناتها :

- منكن ـ ما شاء الله ـ الطبيبة والأستاذة والحقوقية والطالبة…

فقاطعنني :

- وهل ننزل إلى مستواها، ونحن المثقفات؟ ثمة هوة كبيرة بين مستوانا ومستواها… إنها مجرد خادمة، نحن أنقذناها من العري والجوع والفقر… لقد سلمها أبوها للسماسرة، لتقطع مئات الكيلومترات، لتدر عليه ربحا، ولتعمل.

عدت إلى المطبخ، لأتفقد الطفلة، فوجدتها قد تكومت أرضا في ركن بين مستلزمات المطبخ، فبدت آلة صغيرة حقيرة بين آلاته من فرن وثلاجة وغسالة… يبدو أن الإرهاق قد هدها، فهي أول من يستيقظ في هذا البيت، وآخر من ينام، تلبي كل الطلبات دون تأوه وقد طأطأت رأسها، تأكل ما فضل من الطعام واقفة… نظراتها تختزل بؤسا عميقا، وكآبتها تضرب كل شعاراتنا الرنانة ودراساتنا وثرثرتنا من أجل الطفولة في الصفر.

فهل تستطعن -أيتها المثقفات- تطبيق ثقافتكن مع ذلك الكائن الصغير المتقوقع في المطبخ؟

اتقين الله في بنات الناس، اللائي ألقت بهن الفاقة إليكن، فإن الله سائلكن ومحاسبكن يوم تقتص النعجة القرعاء من النعجة القرناء!.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>