قضايا دعوية : إخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها


الإيواء : معناه ومظاهره

الإيواء هو العنصر الرابع من العناصر التي تتكون منها الأمة. وللوقوف على تفاصيله، لا بد من النظر في أمرين : الأول : معنى الإيواء في القرآن والحديث. والثاني : التطبيقات العملية للإيواء في مجتمع المدينة المنورة، زمن الرسول ، باعتبار المجتمع نموذج التطبيقات المطلوبة في بناء الأمة المسلمة، وإخراجها.

معنى الإيواء

أما عن معاني الإيواء في القرآن والحديث فهي كما يلي :

- الإيواء بمعنى الموطن، ومكان الاقامة الدائمة. مثل قوله تعالى : {فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون}(السجدة : 19),

- الإيواء بمعنى حسن الاستقبال والتكريم. مثل قوله تعالى : {ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه}(يوسف : 69).

- الإيواء بمعنى الرعاية والعناية. مثل قوله تعالى : {ألم يجدك يتيما فآوى}(الضحى : 6). {وفصيلته التي تؤويه}(المعارج : 13). {وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين}(المؤمنون : 50).

- الإيواء بمعنى الاستقرار النفسي والاجتماعي. مثل قوله تعالى : {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء}(الأحزاب : 51).

وفي الحديث : >ألك امرأة تأوي إليها>(مسلم باب الزهد 37).

ـ الإيواء بمعنى طلب الأمن والنجاة. مثل قوله تعالى : {إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا}(الكهف : 10).

{قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء}(هود : 43).

- الإيواء بمعنى السند والدعم والملجأ والحماية. مثل قوله تعالى : {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} (هود : 80).

{واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره}(الأنفال : 26).

- الإيواء بمعنى الراحة والاسترخاء، مثل قوله تعالى : {قال أرايت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت}(الكهف : 63).

“إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي”. (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، كتاب فضائل القرآن).

وأما عن التطبيقات العملية للإيواء في مجتمع الرسول  في المدينة فهي تتألف من أمرين اثنين كذلك، الأول : ما قدمه الأنصار للمهاجرين من استقبال كريم، وإقامة آمنة مريحة، ومؤاخاة عملية قامت على المشاركة الكاملة في الحياة والعمل والمؤونة والمصير. والثاني : ما قام به الرسول  من تنظيم للعلاقة الاجتماعية بين مختلف الجماعات التي سكنت المدينة في زمنه، مستهدفا تجسيد -الإيواء- في واقع عملي ينعم الجميع فيه بمقومات العيش الكريم، ويكون ـ مثلا  أعلى ـ تقتدي به أجيال الأمة المسلمة من بعد.

مظاهر الإيواء

تحتاج التربية الاسلامية إلى تعميق الإحاطة بمظاهرـ الإيواء ـ حسب متطلبات الزمان والمكان، في ضوء الخطوط العريضة التي يوجه إليها القرآن الكريم، وأهم هذه الخطوط ما يلي :

أولا : تقدير قيمة الأرض واستعمارها بالطرق التي وجه الله إليها :

يتكرر التوجيه الإلهي في القرآن الكريم إلى أن الأرض من أعظم نعم الله على الانسان. والقاعدة الاساسية في الاستفادة من هذه النعمة، أن يجد كل إنسان فيها ـ الإيواء ـ بمعانيه الشاملة التي مرت، وأن يُعْطَى الجميع فرصة لاستعمار الأرض، والانتفاع بها، وأن لا يجري احتكارها من قبل فئة، أو طبقة، أو شعب، أو عرق معين.. وكل تنظيم للانتفاع بالأرض ومقدراتها يجب أن ينطلق من هذه القاعدة التي تسعى لتأمين ـ الإيواء ـ في الأرض للانسانية كلها :

{والأرض وضعها للأنام}(الرحمن : 10).

{هوأنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}(هود : 61).

ولكن لما كان ـ الإيواء ـ بالمفهوم الذي يطرحه القرآن، لا يمكن فرضه على الانسانية ابتداء وفي آن واحد، فإن الحكمة الإلهية ركزت على وجوب إخراج جماعة من البشر تُدرَّب على تطبيق هذا الإيواء، ثم تقدمه نموذجا محسوسا للإنسانية كلها، وهذه الجماعة المشار إليها هي : الأمة “المسلمة”.

ويتكرر ذكر الأرض في القرآن الكريم في 446 موضعا، أما في الحديث الشريف فقد احتل ذكرها حيزا يصعب عدُّه، ويمكن تصنيف التوجيهات القرآنية والنبوية المتعلقة بالأرض إلى أربعة : التوجيه الأول، هو حسن الانتفاع بالأرض، كمكان للإيواء والسكن والاستقرار.. والثاني، هو حسن الانتفاع بالأرض كمصدر للعيش والغذاء.. والثالث، اشتراك الانسانية كلها للانتفاع بموارد الأرض وخيراتها. والرابع، حسن الانتفاع بالأرض كمختبر من مختبرات المعرفة الموصلة إلى الله سبحانه وتعالى.

أما تفاصيل هذه التوجيهات، فهي كما يلي :

1- حسن الانتفاع بالأرض كمكان للإيواء والاستقرار :

الأساس في ـ الإيواء ـ أن يتوفر لكل إنسان، مهما كان لونه أو جنسه أو عرقه، حاجاته في الاستقرار المادي والنفسي، بغية التفرغ لتحقيق حاجة أعلى هي الحاجة لتحقيق الذات المتمثلة في معرفة الخالق، واستشراف قدرته وطاعته ومحبته، ثم معرفة الحكمة من النشأة والحياة والمصير، ولتحقيق هذا الهدف خلق الله الأرض للأنام، ووضع في تكوينها كل المقومات والصفات، التي تسهم في الوصول إلى هذا الهدف وتحقيقه.

ولتحقيق أسباب الاستقرار المادي، أحسن الله خلق تضاريس الأرض، وجملها، ووفر فيها أسباب الرخاء والراحة، حتى صارت بسهولها وجبالها ومائها وخضرتها وأجوائها والنباتات والحيوانات والطيور التي تزينها وتجمل الحياة فيها، فراشا ومهدا.

{الذي جعل لكم الأرض فـــراشا} (البقرة : 22).

{ الذي جعل لكم الأرض مهدا} (الزخرف : 10).

{والارض فرشناها فنعم الماهدون} }(الذاريات : 48)

ولتحقيق أسباب الاستقرار النفسي، أرسل الله رسله بالتوجيهات التي ترسخ مقومات هذا الاستقرار وتشيعه.. وتتكون هذه التوجيهات من قسمين : الأول، قيم رئيسة كبرى  يتفرع عنها قيم فرعية كثيرة ومتنوعة، غايتها إشاعةالصلاح والإصلاح المفضي إلى الاستقرار، وتجسيد “الإيواء” في الأرض، وهذه القيم الرئيسة الكبرى هــــي :

1– إشاعة العدل وجعله محور العلاقات البشرية. والآيات التي توجه إلى العدل في القرآن والحديث كثيرة جدا، وأساسها أمثال قوله تعالى : {ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين}(هود : 85)

2- التواضع في الأرض واتخاذه أساسا للأخلاق، وأساسه أمثال قوله تعالى : {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} (الفرقان : 63).

3- التوسط في “إنتاج” موارد الأرض “واستهلاكها”، وأساس ذلك أمثال قوله تعالى : {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}(الأعراف : 31).

والأصل الذي تنبع منه هذه القيم الثلاث الرئيسية وفروعها الثانوية هو ـ معرفة الله وتوحيده في العبادة والطاعة.

أما عن -القسم الثاني- من التوجيهات الإلهية، فهي التحذير من -منكرات رئيسة كبرى ـ تقابل ـ القيم الكبرى الفاضلة التي مر ذكرها، ومن هذه المنكرات تنبع جميع أشكال الإفساد في الأرض، ويهدم استقرار الإنسان، وهذه المنكرات الرئيسة هي :

1-   شيوع الظلم في الأرض وسريانه في العلاقات البشرية. ويتكرر التحذير من الظلم وآثاره المدمرة للاستقرار النفسي والمادي في مواضع كثيرة من القرآن والحديث، ويتفرع عن الظلم مضاعفات ضارة لا حصر لها.

2 -  التكبر والعلو في الارض؛ وما يتفرع عن ذلك من مضاعفات العصبية والعدوان والبطش، ولذلك يتكرر الحديث عن آثار”العلو” في الأرض، وما جره من دمارعلى الذين اقترفوه، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا}(القصص : 4).

- {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين. إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين}(المؤمنون : 45-46).

- {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا}(القصص : 83).

- {وقضينا إلى بنياسراءيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا}(الاسراء : 4).

- {سأصرف عن ءاياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} الأعراف : 146).

- {ولا تمش في الأرض مرحا، إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا}(الاسراء :37).

- {ولا تصعر خدك للناس، ولا تمش في الأرض مرحا}(لقمان : 18).

3–  الإسراف في “إنتاج” موارد الأرض و”استهلاك” خيراتها، وما يتفرع عن هذا الإسراف من تخريب وإفساد للأرض والبيئة ومصادر نعم الله وإحسانه. ويتكرر التنديد بالاسراف والتبذير، ويرد مقترنا بالعلو في الأرض، ويضع أهله في مصاف الشياطين الذين يرتكز فيهم غضب الله ومقته.

والمصدر الرئيس لهذه المنكرات الثلاثة ـ أو أم المنكر وأشكاله ـ هو الكفر بالله، أوالشرك به، ومعصيته، والتنكر لهديه.

ويتكرر التحذير في القرآن الكريم من مغبة الافساد في الأرض، ومن محاربة رسالات الله التي تهدف إلى إشاعة الصلاح في الأرض، وتوفير مقومات ـ الإيواء ـ فيها، وحتى لا تكون التوجيهات الإلهية مجرد توجيهات نظرية، كان “إخراج الأمة المسلمة” كطليعة بشرية تتعهد نشر الاصلاح ومحاربة الإفساد في الأرض، وتهيئة الأرض كمكان للإيواء، بمظاهره المختلفة، وتجسيدا للاستقرار النفسي والمادي، الموصل إلى الهدف الكبير : هدف معرفة الله ومحبته وطاعته {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير}(الأنفال : 73).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>