توسمات جارحة : رؤية هادئة


يتميز المغرب بتجذره في منظومة القيم الإنسانية واحترامه لهويته الحضارية والثقافية، الأمر الذي يجعل منه دائما بلدا مؤهلا للجنوح نحو الوحدة، ونحو التوازن بين التحديات الخارجية والطموحات الداخلية المختلفة التوجهات في الاصلاح والتغيير. وقد كانت قضية المرأة في المغرب الساعي نحو الانفتاح والاندماج العالمي، وما زالت، من أهم القضايا التي شكلت نزاعا في النظر إليها حسب المرجعيات والتأثيرات السياسية والثقافية والفكرية. إلا أن التساؤل الذي طرحه صاحب الجلالة محمد السادس في 20 غشت 1999 “كيف يمكن الرقي بالمجتمع والنساء يشكلن نصفه تهدر حقوقهن، ويتعرضن للحيف والعنف والتهميش في غير مراعاة لما خولهن ديننا الحنيف من تكريم وإنصاف “كان إشارة واضحة لضرورة حسم الخلاف في قضية المرأة ومدونة الأسرة بما لا يخالف روح أحكام الشريعة الاسلامية وفصولها، ثم تم ذلك الحسم بالخطاب الملكي ليوم 10 أكتوبر 2003 لدى افتتاح البرلمان حين وضح جلالته أن الاعتماد على الاجتهاد وشمولية الفقه الإسلامي كان عاملا أساسا في اعتماد الاصلاحات الجوهرية والتي “لا ينبغي أن ينظر إليها على أنها انتصار لفئة على أخرى بل هي مكاسب للمغاربة أجمعين”، وشدد على “الأخذ بمقاصد الاسلام السمحة” والالتزام الكامل بتحليل ما أحل الله وتحريم ما حرمه وخاصة دعوته الحكيمة باحترام قدسية النصوص المستمدة من مقاصد الشريعة وبعدم النظر إلى غيرها بعين الكمال أو التعصب. وإذا كان القرار الملكي عاملا مسعفا في حسم الصراع بين مختلف الاطراف السياسية ومجموع المكونات الفكرية بالتراضي وبالتركيز على مبدأي الشورى والتوكل على الله، فإن مضمون المدونة في صياغتها النهائية يعكس اضطرابا واضحا في ملاءمتها لواقع المرأة والأسرة وعدم انسجام بين بعض البنود وهذا الواقع المتردي الذي يرزح تحت نيران الجهل والفقروالبطالة والرشوة واللائحة قد تطول بقراءة متأنية. وربما كان هذا الاضطراب الواضح الذي وقعت فيه لجنة مراجعة المدونة راجع إلى توزعها بين المرجعية الاسلامية وبين الاستجابة للضغوطات والتوصيات الدولية. وهذا الامر يجعلنا نحرص على تنبيه مختلف الأطراف المخلصة للسعي لعدم جعل قضايانا ومنها قضية المرأة مجرد ملفات جاهزة نستخدمها وقت اللزوم لتلميع واجهتنا تجاه المجتمع الدولي، وإنما العمل على تفعيل النصوص في الواقع بتغيير ذلك الواقع نحو الأفضل والأحسن. ونؤكد مرة أخرى أن أي نص قانوني مهما فرض بالقوة لن نستطيع تطبيقه في غياب تغيير النفوس وتربيتها تربية متوازنة إيمانية تستطيع بموجبها معرفة حقوقها وواجباتها والتشبث بها وعدم التفريط فيها، وذلك إذا أردنا النهوض بشخصيتنا ووطننا وأمتنا، وتحقيق مبدأ المساواة والتكامل سواء بين الجنسين داخل الوطن والأمة، أم بيننا وبين الآخر الذي تزايدت أطماعه وانكشفت أقنعته كلما تزايد ضعفنا وانكشفت هشاشة قناعاتنا ا لمرقعة، وعدم قدرتنا على التوحد رغم الاختلاف.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>