نفحات :تاريخ كرة القدم في المغرب من خلال فتوى  فقهية


اللعب أنواع، منه المسلي الهازل الهادر للوقت والجهد، ومنه الجدي النافع للفكر والجسم، وقد عرف الإنسان اللعب منذ القديم، ترويحا عن نفسه، وتعبيرا عن مؤهلاته في سياق التنافس مع أقرانه، والرغبة في مغالبتهم والتفوق عليهم، واتخذ لذلك عددا من الوسائل واللعب التي يحقق بها أهدافه، وربما كان لعب الكرة باعتباره ضربا من التسلية قديما جدا أيضا، ولو في صورته البدائية التي ظلت بعض مظاهرها سائدة إلى اليوم، ولا سيما في الأحياء الفقيرة، إذ يلجأ الأطفال حين تعوزهم الإمكانات المادية لاقتناء كرة حقيقية إلى لف مجموعة من الأسمال على شكل دائري، ويبدؤون في تقاذفها فيما بينهم للتسلية، ومع ذلك فلا يخلو الأمر من متعة.

ولا نريد أن نؤرخ لبداية لعبة كرة القدم في العالم، لأن هذا الأمر له رجاله الذين ولعوا به وتتبعوه ودونوا معلوماتهم بشأنه، ولكننا نشير إلى أنه إذا كان السائد المتداول أن الانجليز من أقدم الأمم التي عرفت هذه اللعبة، فإن  ما يهمنا هو إثارة الانتباه إلى أن المغرب قد عرف هذه اللعبة أ يضا منذ وقت مبكر، وإن كان من الصعب تحديد تاريخ ذلك بدقة، ومن الطريف أن نقف على  ما يؤكد شيوع هذه اللعبة في المغرب من خلال وثيقة فقهية نادرة، صادرة عن أكبر قضاة فاس وأشهر مفتيها وأبرز فقهائها وخطبائها في وقته، وذلك ما يضفي على  الفتوى  التي أصدرها مفتي فاس في نازلة متعلقة بكرة القدم خصوصية تميزها وتضفي عليها طابع الجدية والوقار، وغرضنا أن نقف على  نص هذه الوثيقة/ الفتوى ، ونطلع من خلالها على  مظاهر معرفة المغاربة لهذه اللعبة وطبيعتها، ولا سيما والسياق العام لهذه النازلة يفيد بأن الأمر لم يكن منحصرا في دائرة ما يسمى  باللعب وما يرتبط به من تسلية وهزل، بل غدا جدا في جد، وأثيرت بشأنها النوازل الفقهية واستفتي فيها كبار الفقهاء، وكان ذلك منذ ما يزيد على ثلاثة قرون من الزمن، ولعل المغرب قد عرف هذه الظاهرة المتفردة قبل غيره من الأمم في هذا المجال، وربما لم يكن لها مثيل.

وتزداد هذه الفتوى  أهمية في ظروفنا الراهنة اليوم، والمغرب يجدد رغبته في احتضان كأس العالم لكرة القدم في دورته لسنة 2010، ويلح على  إثبات مؤهلاته وتوفير البنيات الأساسية التي ترجح كفته، وتزيد من حظوظه في الحصول على  هذه الحظوة، ولا سيما وهو يراهن على تحقيق هذا الأمل الذي كان ولا يزال يراوده على مختلف المستويات، ولا شك أن هذه الوثيقة تمثل رصيدا تاريخيا يمكنه أن يعزز بها مكانته في هذا المجال، ويضيفها إلى  ملف ترشيحه، ولو على سبيل الاستئناس، عن طريق تعميم نشر بعض الوثائق وتوسيع نشرها بعد ترجمتها إلى اللغات الكبرى، ولا سيما لغات المترجمين، وفي مقدمة تلك الوثائق هذه الفتوى الفقهية التي يرجع تاريخها إلى أكثر من ثلاثة قرون، بما يرتبط بها من دلالات، وذلك بالنظر إلى مضمونها وطبيعة محتواها، والمكانة الرفيعة للجهة التي صدرت عنها، والمجال المعرفي الهام الذي تدخل فيه، وكذلك من حيث خصوصيتها في وضع قوانين اللعبة وحصرها في دائرة مجالها المحدد، دون نقل المخالفات إلى خارج إطارها الطبيعي المناسب، بما يمثله ذلك من سبق وتفرد منذ ذلك التاريخ.

< صاحب الفتوى  : أما صاحب هذه الفتوى  اعتمادا على ترجمته عند محمد بن جعفر الكتاني في كتابه (سلوة الأنفاس) فهو الشيخ العلامة القاضي المفتي النوازلي الخطيب بفاس، المقدم على  غيره في عصره، أبو عبد الله سيدي محمد العربي بن أحمد بُرْدُلَّة المدجن الأندلسي الفاسي مولدا ووفاة، ولد سنة 1042هـ، وحصل علوم عصره من لغة وبيان وأدب وفقه وتفسير وحديث وأصول ومنطق وغير ذلك، وكان من المعمرين فصار شيخ الجماعة بفاس وأحد علمائها المبرزين، يُرجع إليه في المعضلات، ويُعتمد على قوله في النوازل والمشكلات، ولي قضاء فاس والفتوى والخطابة بالجامع الأعظم بها، كما ولي النظر في أحباس فاس قبيل وفاته، وكان خاتمة قضاة المغرب عدلا، وأذكاهم فهما ونبلا، ذا همة عالية، عاصر عددا من ملوك المغرب، آخرهم السلطان مولاي إسماعيل، وتوفي هذا الفقيه العلامة عن سن عالية في 1133هـ/1720م.

< نص الفتوى  ومضمونها : (لكل غاية مفيدة)

سئل قاضي فاس ومفتيها الفقيه العلامة أبو عبد الله محمد العربي بن أحمد بردلة بما نصه : “سيدي أيدكم الله بالعلم والتقوى، وشرح صدوركم للفتوى :

ما حكم الله في رجلين تصادما في لعب الكرة وانكسرت رجل أحدهما، هل في الرجل المذكورة شيء من أجرة الطبيب وعلاج البُرْء بالدواء والمؤونة أم لا؟ وكيف الحكم إذا انكسر الضارب وقال المضروب : أنت ضربتني وانكسرت رجلك، هل يكون القول قول صاحب الرجل مع يمينه أم لا؟

والفرض أنها برئت على  غير شين، وهل على المدعَى عليه يمين في ذلك إذا انكررأسا ولا بينة من غير اللاعبين؟

بين لنا سيدي بيانا شافيا، ولكم الأجر والسلام.

فأجاب بما نصه :

الحمد لله، الجواب أن هذه المسألة لما كانت في اللعب فلا قصاص فيها، وإذا انتفى القصاص فلم يبق إلا العقل، والعقل الجرح بعد بُرئه في مثل ما ذكر إنما يكون إذا برء على  غير شين فلا شيء فيه، لأن الحكومة إنما تكون إذا كان نقص وشين أي بتقويمه سالما ومعيبا والله أعلم.

وكتب العربي بن أحمد بردلة كان الله له .

مصدر الفتوى : نوازل الشيخ العلامة أبي عبد الله العربي بن أحمد بردلة المدجن الأندلسي الفاسي المتوفى سنة 113هـ  المطبعة الحجرية بفاس سنة : 134هـ وعني بتصحيحه العالمان الكبيران : ادريس بن محمد العمراني الحسن المراكشي وأحمد بن امحمد القادري.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>