الاصطفاء : قواعده، مراحله، شروطه ووظيفته


الاصطفاء أساس النجاح التربوي المحقّق للنهوض :

الأمة في حاجة إلى من يقودها لتكبير الله تعالى، ولا سبيل لتحقيق هذه الغاية بدون اختيار الرّبانيين والرّبانيات وتعليمهم وتدريبهم، تعليمهم العلم الشامل الصحيح، وتدريبهم على حُسن التلقي وحسن الأداء والإرسال، وحُسن التخلّي والتّحَلّي، وحسن التعامل والتحاور والتخاطب، وحُسن العرض، وحُسن الرد والتحدي، فالدّعوة من أحسن الصناعات بل هي أعظم الصناعات وأفضلها على الإطلاق، لأنها تصنع البشر المُكرّم الذي سخر الله تعالى الكون كُلّه له، وجعله في خِدمته لو عرف رسالته.

فتخبّط العالم الآن في دياجير الظلم والهوى يقتضي  إنهاض الأمة للقيام بدورها، ولا نهوض لها إلا عن طريق العقلاء الحكماء الرشداء المختارين والمنتَدبين للأمر الجلل، والتبعات والتحديات تقتضي تكوين الدّعاة المجَنّدين والداعيات المجندات، والهبوط الحضاري للأمة يقتضي إيجاد الغيورين والغيورات، والتفكك الاجتماعي السائد بين أفراد الأمة وشعوبها وقادتها وساستها يقتضي إيجاد المصلحين والمصلحات ليَرْتَقُوا الفَتق ويرْأبوا الصّدع.

فهل تفهم الدول والشعوب الإسلامية هذه الضرورة فنسعد برؤية مدارس ومعاهد تعتمد تكوين النخب الدّعوية، والصفوة الربانية الكفيلة بردع الظلم وإيقاف زحف الهوى المدمر للإنسان.

1– الفرق بين الدّعوة للدين والاصطفاء للدعوة :

الدعوة للدّين من حق كل الناس، والتدين من واجب كل الناس.

ولكن من يحسن تبليغ هذا الدين ليسوا كل الناس، بل صفوة الناس، ولذلك كان اختيار الرسل، واختيار ملائكة الوحي واختيار الدعاة.

2– التديّن والدّعوة توأمان لا ينفصلان :

إن الدين عند الله تعالى هو الإسلام، أي الاستسلام التام، والانقياد الكامل لطاعة الله تعالى ورسله في كل زمان ومكان، ولكن الصِّيغَة الأخيرة للدٍّينالذي يَقْبَلُ الله تعالى أن يُعْبَدَ بِهِ ويُطَاعَ هو الإسلام الذي نَزَلَ على خَاتِمِ الأنبياء والمرسلين عقيدةً، وشريعةً، وأخْلاقاً، فما نَزَلَ على محمد  الخاتِم هو النسْخَة الأخيرة الخَاتِمة، والناسِخَة لجميع شرائع الأديان التي سبقتها نظراً لما اعْتَراها من التَّحْرِيف والخُصُوصِيَّة.

قال رسول الله  >والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاً يَسْمَعُ بي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ -أيْ أُمَّتِهِ، أَمَّةِ الدَّعوة، وهُمْ جميعُ الخَلْقِ- يَهُودِيٌّ ولا نَصْرَانِيٌّ، ومات ولمْ يُومِنْ بالذِي أُرسِلْتُ بِهِ إِلاًّ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ<-رواه الإمام مسلم-.

وإذا كان الإسلامُ هو الدِّينَ الذي رَضِيَه الله تعالى للأمة الاسلامية {ورَضِيتُ لَكُم الإِسْلاَمَ دِيناً}-سورة المائدة- فَمَعْنى هذا أنه ألْزَمها بالتدَيُّن به، وحَمَّلَها -في نفس الوقت- أمانة التَّبْشِيرِ به، وتَبْلِيغِهِ لِكُلِّ الناس، نُصْحاً لهم مِنْ جِهَة، وإِقامةً لحجَّةِ الله تعالى عليهم من جهة أخرى.

والأمة في هذا التَّكْلِيف المُزْدَوج تَقْتدي برسول الله  الذي قال له الله تعالى : {قُمْ فَأَنْذِرْ وَربَّكَ فَكَبِّرْ} أي التَزِم تكبير الله تعالى في قلبك، وعبادتك، وحركاتك وسكَنَاتِكَ وجهادك ودعوتك، وحُكمِك، وتَعْلِيمك، وتربيتك، وتَزْكِية نفسك ومَنْ اتَّبَعَك بأحْسَن الأخلاق…. وفي نفس الوقتِ ادْعُ غيرك الى كُلِّ ما الْتَزَمْتَ به ظَاهراً وباطناً، سِرّاً وعَلَنا، مع التَّخْويف لهم بسُوء العاقبة دنيا وأخرى، إنْ هُمْ تكبَّرُوا وأعْرَضُوا، وحَادُّوا الله ورسوله {إنَّ الذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولئِكَ في الأَذَلِّينَ}-سورة المجادلة-.

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *