البروفسور طارق رمضان بمؤسسة علال الفاسي في ندوة (الإسلام والحداثة)


لكل مجتمع حداثته، والحداثة في عمقها ليست بالضرورة هي التغريب

تألقت مؤسسة علال الفاسي، مساء الخميس فاتح ذي القعدة 1424، الموافق 25 دجنبر 2003، وهي تحتضن ندوة (الإسلام والحداثة) التي تميزت باستضافة البروفسور طارق رمضان، أستاذ الفلسفة والعلوم الإسلامية بالجامعات السويسرية تشكل جسرا فكريا بين حضارتين، يتعانق داخلها الشرق والغرب، ويحظى باحترام واسع على الصعيد العالمي.

بعد افتتاح الندوة، بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم، تولى إدارة الندوة ذ. امحمد بوستة رئيس مؤسسة علال الفاسي، الذي اعتبر أن موضوع الندوة يأتي في طليعة جدول أعمال اللجنة الثقافية التابعة للمؤسسة، وله من الأهمية البالغة ما يكفي ليجعل منه أحد مواضيع الساعة التي تفرض نفسها، في سياق ما يعرفه العالم من أحداث، وفي إطار ما أصبح يعرف الآن بحوار الحضارات وبالنظر إلى حجم الأسئلة المصيرية التي تحملها ثنائية الإسلام والحداثة.

بلغته الفرنسية الرشيقة، وكلماته الرقراقة، المتدفقة، وابتسامة مشرقة، وسمت مهيب، انطلق الدكتور طارق رمضان ـ وكأنه يقرأ من كتاب ـ من إعادة النظر في بعض التصورات التي تعشش في عقول بعض المسلمين وبعض الغربيين كذلك. حيث يرى أن أزمتنا تكمن في عدم قدرتنا على إعادة قراءة ما كتبه زعماء الإصلاح أمثال ذ. علال الفاسي. حتى أن العديد من المفاهيم اكتسبت صفة الثابت المطلق، وفقدت بالتالي الصلة مع الواقع”.

ودعا المسلمين إلى ضرورة الخروج من شرنقة الصمت والسكون لأن الصمت من الأخطاء الكبرى خصوصا إذا كان العالم يتغير أمام أعيننا تغيرا متواثرا.

ويصل الدكتور طارق رمضان إلى هذه النتيجة المحزنة : “بأننا أمة تتخذ موقفا تدافع فيه عن نفسها، تخطب ود الآخر، وهذا إن دل على  شيء فهو يدل على الانهزام أمام ذواتنا وبالتالي تجاه الآخر”.

ثم يطرح سؤالا محرجا : “هل لدينا القدرة على إبداع أشياء جديدة، ومفيدة للعالم؟ إذ لا يكفي أن نجتر ذواتنا والدفاع عنها والتماس الأعذار لها، بل نحن مطالبون بتقديم قيمة مضافة للإنسانية جمعاء.

العالم يتطور وعجلة التاريخ تدور، فهل لنا القدرة على مواجهة هذه التحديات؟”.

ثم يضيف : “كيف نستطيع التوفيق بين الوفاء لأصالتنا وهويتنا وقدرتنا على العيش مع وقتنا؟ والمسلم الحداثي هو ذلك القادر على فهم دينه فهما صحيحا، وفي نفس الوقت يواكب التكنولوجيا المتقدمة”.

وفي السياق ذاته، يستشهد الدكتور رمضان بالآية القرآنية المشهورة {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} للقول بأن التغيير ينبع من الذات، ولمواجهة هذا التحدي العالمي الذي يـواجه العالـــــم الإسلامي يـــــرى د. رمضان أن بناء الروح الإبداعية المنتجة من شروط النهضة والانخراط في فهم وقتنا وواقعنا على أكمل وجه.

وفي معرض تحليله للعلاقة بين الحداثة والإسلام فند مقولة تعارض الإسلام مع الحداثة، واعتبر الأمر من المعادلات المغلوطة التي تقود إلى الباب المسدود.

يقول د. طارق رمضان : “يلزمنا أن نتجنب أساليب التفكير الأحادي وأن نتفق على الجهاز المفاهيمي، إذ لا وجود أبدا لأي تعارض بين الإسلام والحداثة كما قد يتوهم البعض. فالحداثة كلمة لا يحتكرها أحد، يمكن أن يستخدمها المسلم وغير المسلم. نعم هناك حداثة غربية ولكن الحداثة في عمقها ليست بالضرورة غربية”.

ويضيف : “هناك أنواع مختلفة من الحداثة، لأن الحداثة بكل بساطة هي كيف يستطيع الواحد منا أن يعيش زمنه بهويته ودون الانسلاخ عن أصالته”.

وشدد الدكتور رمضان على ضرورة نبذ فكرة نتوهم معها أن الإسلام يناقض الغرب، والدليل على خطأ هذه الفكرة هو أن المغرب بفضل موقعه الجغرافي يستطيع أن يقوم بدور همزة وصل بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

وفي ظل هذه الرؤية الشمولية، يعلن د. طارق رمضان أن العودة من جديد إلى المصدرين الأساسيين : القرآن والسنة أمر لا بد منه، علاوة على الاجتهاد الذي يخص منطقة العفو في الاسلام التي تطال جانب المعاملات فيه، التي الأصل فيها الإباحة، بعكس العبادات التي لا نجد أمامها سوى التوقف والامتثال ودون طرح أسئلة على شاكلة لماذا في صلاة الظهر أربع ركعات وليس خمسة مثلا؟

ونوه د. رمضان بمدرسة أهل الرأي التي كان يقودها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود] والتي تتميز بالتحليل و التعليل، والتي كانت تنظر إلى الواقع بعين النص، وتنظر إلى النص بعين الواقع.

وأشار في هذا السياق إلى ما كان عليه العالم الإسلامي، حيث كان العلماء والفقهاء يسبقون عصرهم، وكانت عقولهم مبدعة وثقافتهم ثقافة إبداع وابتكار، لكن بمجرد أن بدأت تتسرب إليه القابلية للاستعمار، ساد فيه الركود والتقليد والجمود.

منأجل خطاب إسلامي قوي ومتماسك

واليوم وفي إطار استشراف النقاش المستقبلي، يدعو الدكتور طارق رمضان إلى أن يكون الخطاب الإسلامي، خطابا قويا له أبعاد كونية، يستجيب لجميع التحديات المختلفة. خصوصا ـ يتابــــع د. رمضان ـ وأننا نتقاطع مع العالم في العديد من القيم الأخلاقية، مثل العدالة. فمن أسماء الله الحسنى “العدل” وهذه الصفة يجب أن نتحلى بها مع المسلمين ومع غيرهم من أهل الديانات الأخرى، دون تعصب.

وأكد في أكثر من فكرة، على أن الحداثة ليست هي التغريب بأي حال من الأحوال، ذلك لأن الحداثة هي ملك للجميع وهي تختلف من مجتمع لآخر شأنها شأن الديمقراطية، وعقد الدكتور طارق رمضان مقارنة سريعة بين الديمقراطية بأمريكا والديمقراطية بفرنسا.

أسس الحداثة

وحدد للحداثة ثلاثة أسس، الوفاء لمنظومة الأخلاق والإخلاص للأصول والجذور، ثم القبول بالانخراط في ركب التقدم.

كما عدد الدكتور طارق رمضان المشاكل التي نرزح تحت وطأتها، حيث حصرها في ثلاثة : على رأسها فقرنا المدقع بخصوص مرجعيتنا ومحيطنا الذي نعيش فيه.

ثانيا : زعزعة الثقة في ذواتنا، ونقرأ تاريخنا بأعين الآخرين، وثالثا : خلطنا بين التقاليد والإسلام. وعليه لا بد من التمييز بين الأمور دون إحداث قطيعة بينها.

المشكل في القرءات وليس في النصوص :

وشدد الدكتور طارق رمضان أكثر من مرة على أن المشكلة تكمن في القراءات وليست في النصوص. ولهذا أكد على ضرورة اعتبار المعرفة الإسلامية من الضروريات وليست إحدى الكماليات فقط.

من جانبه تساءل محمد العيادي في ورقته، عن التوافق والتعارض الذي تطرحه ثنائية (المسلمون والحداثة).

في حين ركزت مداخلة ذ. العربي المساري على موضوع (الحداثة والسياسة)، وأوضح أن دول العالم الإسلامي تختلف من منطقة إلى أخرى في درجة قبولها بالحداثة. وضرب أمثلة تتعلق بقبول أو رفض عدد من دول المؤتمر الإسلامي، لبعض الاتفاقيات، من ذلك يقول ذ. العربي المساري : “ورد في التقرير المتعلق بالتنمية البشرية لسنة 2003، أن 38 دولة من بين 56 دولة عضو في المؤتمر الإسلامي، انضمت إلى 6 اتفاقيات دولية لتقنين حقوق الإنسان، منها 32 دولة قبلت تلك الاتفاقيات و6 دول تحفظت على  واحدة أو اثنتين من تلك الاتفاقيات، وهناك 19 دولة لم تنخرط في واحدة أو أكثر من تلك الاتفاقيات”.

وشدد ذ. المساري على أن المسلمين يختلفون في طرق أخذهم بالحداثة، وتتعدد تصوراتهم في هذا الشأن، وهذا المشكل لا يرجع إلى الأصول العقيدية التي قد يتوهم البعض بأنها قد تقف إلى جانب عوامل أخرى في وجه التقدم، بقدر ما يعود المشكل إلى اعتبارات ترتبط بالذهنيات والموروث الفكري الذي نشأ في أشد العصور جمودا وتخلفا.

وبعد ذلك تدخل عدد كبير من الحاضرين، لتتحول الندوة إلى مهرجان من التكريم العفوي للمسيرة الماثلة لمفكر ألمعي، هو حفيد رائد من رواد الصحوة الإسلامية، الشهيد حسن البنا رحمه الله، والظاهر من خلال جميع التدخلات أن ضمير الأمة المتمثل في شبابها قد ضاق ذرعا بما جربته من إيديولوجيات سابقة ولاحقة، تتفق على استبعاد الاسلام، وكيف أدت التجارب كلها إلى الإفلاس والتخلف والتبعية.

فكان رد الفعل أن اتجهت إلى الاسلام تلتمس فيه ذاتها وحياتها ونجاتها.

الدكتور طارق رمضان خطف كل الأضواء في تلك الأمسية الرائقة وكانت مؤسسة علال الفاسي للمرة الأولى تشهد ذلك الحضور الكثيف الذي حج من كل مكان، للاستمتاع بمرافعة محام متفوق تولى قضية حق فربحها.

إنه من الشخصيات الفذة، المبادرة إلى الإبداع والمبادرة والمغامرة نحو آفاق إنسانية أكثر عمقا وأصالة.

حسن هيثمي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>