أثر “مدرسة المنار” في تجديد فهم المصطلح القرآني (مـــن خـــلال تفسير المـنـــار)


أثر “مدرسة المنار”  في تجديد فهم المصطلح القرآني(مـــن خـــلال تفسير المـنـــار)

 

1) مقدمة في مركزية المصطلح القرآني في التجديد :

1.1 – التجديد للأمة اليوم قلبا وقالبا فريضة شرعية، وضرورة حضارية؛ ذلك بأن البشرية على حافة الانهيار، يدعّها عبّاد العجل دعًّا إلى الدمار، وتسوقها العولمة سوقا، بكيدها العتيد، ومكرها الشديد، وأذرعها العالمية الجهنمية، بنوكا ومنظمات، إلى النار: تستصرخ ولا من صريخ، وتتظلم إلى من فيه الخصام وهو الخصم والحكم. قد أحكم الدجال الأعور قبضته عليها، فخنق الأنفاس، ومص دماء الناس، ولا خلاص للناس كل الناس، إلا بظهور دين رب الناس، ملك الناس، إلاه الناس، على يد خير أمة أخرجت للناس.

وبما أن أمتنا اليوم قد شاخت ووهنت، بما كسبت، حتى صارت قصعة طعام يتهارش على خيراتها شر المفترسين، وروح القرآن التي هي روحها التي لا حياة لها ولا وحدة بدونها، قد خرجت أو كادت تخرج منها؛ فتنازعت وفشلت وذهبت ريحها.

بما أن الأمر كذلك، فقد صار فرضا على كل من بقي حيا في الأمة أن يجدد شبابها، ويعيد بناءها، لتستأنف رسالتها؛ صار فرضا تسوية الإنسان فيها وتعديله من جديد، وصار فرضا إحلال القرآن فيها ونفخ روحه من جديد، لتعود كما بدأت خير أمة أخرجت للناس، فتُخلّص الناس كل الناس، من طاغوت البنوك وعولمة الافتراس، وتعيد البشرية، التي أكبّها عبدة العجل على وجهها، تمشي سوية على صراط مستقيم.

2.1  – أجل، لقد  صار تجديد بنيان الأمة فريضة لتعود، وصار تجديد كيان الأمة ضرورة لتنقذ، ولا سبيل إلى شيء من ذلك بغير تجديد فهم الأمة للقرآن. إن القرآن المجيد الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وتلقاه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، هو هذا الذي بين دفتي المصحف اليوم بين أيدينا، ولكن ما وعته قلوبهم منه، هو بالقطع غير ما وعته قلوبنا؛ وإلا فلماذا اتقوا وفجرنا، ولماذا أقبلوا على الله وأدبرنا، ولماذا أحسنوا في عبادتهم لله وأسأنا، ولماذا تآخوا فيما بينهم وتعادينا، ولماذا توحدوا في أمة وتفرقنا، ولماذا جاهدوا في سبيل الله ليكون الدين كله لله وقعدنا…، ولماذا??… ولماذا…??.

إن القرآن نصا هو القرآن، وإن الإنسان بشرا هو الإنسان، ولكن الذي غاب قطعا هو دخول ذاك القرآن في قلب هذا الإنسان. وصدق الله العظيم إذ يقول عن أثر القرآن في القلب الذي هو الإيمان : (قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم( (الحجرات: 14).

فالفرق بيننا وبينهم إذن في الفهم، في الصورة والقدر الذي وصل من القرآن إلى القلب فضخَّه في الكيان، في ماء السماء المبارك الطهور الذي قبلته القلوب، فأنبتت الحبّ والخير الكثير، والهداية والرحمة للعالمين.

3.1 – وما لم يتجدد فهم الأمة للقرآن فلن تتجدد الأمة، ولن يتجدد فهم القرآن حتى يتجدد فهم مصطلحات القرآن، مفاهيم ونسقا؛ ذلك بـ “أن الوحي قرآناً وسنةً، مجموعة من المفاهيم؛ إذا حصِّلت حصِّلت كليات الدين، وإذا لم تفقه لم يفقه الدين… لكن تلك المفاهيم ليست معزولة عن بعضها بعضا، وليست منثورة كيفما اتفق، وإنما هي فصوص في العقد الفريد للإسلام، منظومة نظما بديعا رائعا في نسق؛ إذا نظر إليها وقد انتظمت أفقيا، تجلَّى نسقها التصوري الشامل الكامل … وإذا نظر إليها وقد تتابعت تاريخيا في التنزل، تجلى نسقها المنهاجي التنزيلي المتكامل… وهي في الحالين لا تقبل المسَّ بما يخل بنسقيتها لنسقيتها: لا تقبل زحزحة في المواقع أو تغيرا في الترتيب، ولا تقبل تغييرا للأحجام أو الألوان، وإلا صار الأمر إلى شيء آخر غير الإسلام. وقد دخل من هذا الباب على المسلمين عبر التاريخ الطويل العريض شر طويل عريض، مس التصور والتنزيل معا.

ولإعادة الأمور إلى نصابها، لابد من إعادة مفاهيم الوحي بعد تحصيلها إلى مواقعها وأحجامها، وإلا استمر تشوه الدين، وازداد فساد المسلمين.

وضرورة فقه النسق، كضرورة فقه المفاهيم لفقه الدين؛ ذلك بأن… الدين مفهوميا خلقة سوية مضبوطة المكوِّنات، والمقاييس، والأبعاد، والرتب، وأي تغيير يمس شيئا من ذلك ليس منه، هو تغيير لدين الله، ولخلق الله ولفطرة اللهٍ {فَأَقِم وَجْهك للدّين حنِيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}(الروم: 30).

ولا سبيل إلى فقه النسق، أو المفاهيم المكوِّنة له، بغير دراسة ألفاظ القرآن الكريم؛ فهي مفتاح الوصول إلى ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، قرآنا وسنة، وهي المدخل المصطلحي المقطوع بأنه من الوحي”(1).

2 ) تحديد المفاهيم الأساسية للموضوع:

1.2-  مفهوم المصطلح القرآني: يقصد بالمصطلح القرآني:

إجمالا: كل لفظ قرآني عَبَّر عن مفهوم قرآني.

وتفصيلا: كل لفظ من ألفاظ القرآن الكريم، مفردا كان أم مركبا، اكتسب داخل الاستعمال القرآني خصوصية دلالية قرآنية جعلت منه تعبيرا عن مفهوم معين له موقع خاص داخل الرؤية القرآنية ونسقها المفهومي.

فيدخل فيه “كل أسماء المعاني وأسماء الصفات المشتقة منها في القرآن الكريم، مفردة كانت أم مركبة، ومطلقة كانت أم مقيدة، وعلى الصورة الاسمية الصريحة، أم على الصورة الفعلية التي تؤول بالاسمية.”(2). وذلك لأنها “اختصت بمعان معينة، من بين معان أخرى تدل عليها في أصل الوضع اللغوي، لتصبح مستعملة فيها على وجه الاطراد في موارد متعددة من القرآن الكريم، قد تكثر أو تقل بحسب اختلاف دورها في الخطاب المؤسس لقيم الدين في النفوس”(3).

2.2 – مفهوم “تجديد الفهم”:

يقصد بتجديد الفهم إرجاع المعنى الذي استفيد من النص، وهو غير صواب، إلى وجهه الصواب، حتى كأنه كما كان أول مرة جديدا لم يطرأ عليه تغيير.

وهو بالنسبة إلى مفاهيم الدين رسالة الأنبياء المرسلين والعلماء المصلحين، يجددون ما بلي من أمر الدين، ويصلحون ما أفسد الناس من فَهْم لكلام رب العالمين. “ولقد كان مدار وحي الرحمن جل وعلا، مذ آدم حتى محمد عليهما الصلاة والسلام، على حفظ مصطلح الذكر من أن يصيب مفهومه تغيير أو تبديل؛ فتفسد الرؤية، ويقع الإفساد في الأرض {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}(الروم: 30).

وإنما مدار عمل الشيطان وحزبه، مذ إبليس إلى قيام الساعة، على محاولة تغيير المفهوم وتبديل المصطلح، أي تغيير الدين، والفطرة، والخلق. {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله}(النساء: 119)، وفي الحديث القدسي: “خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم..”(4).

وما الجهود التي بذلها المستكبرون في الأرض، المعبِّدون الناس للطاغوت، قديما وحديثا، إلا صور من تلك المحاولات لتغيير المفهوم وتبديل المصطلح. وهذا فرعون ومومن آل فرعون في القديم، يتنازعان مفهوم مصطلح “سبيل الرشاد” {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}(غافر: 29)، {وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد}(غافر: 38). وها هو اليوم مصطلح شريف كالجهاد، يغير مفهومه المتكبرون في الأرض… وكذلك الأمر في أغلب المصطلحات التي تقوم عليها الحياة؛ كالخير والشر، والعدل والظلم، والحق والباطل، والسلام والإجرام،.. غيّر مفاهيمها العالون في الأرض أصحاب الأهواء، ولووا أعناقها كما لوى فرعون عنق مفهوم الفساد، وهو يقول عن موسى عليه الصلاة والسلام {إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الارض الفساد}(غافر: 26).

4.2- مفهوم تجديد فهم المصطلح القرآني:

وإذن فالمقصود من تجديد فهم المصطلح القرآني بوضوح واختصار هو فهمه كما كان يفهم أول مرة، وكأنه جديد يتنزل، قد جُرِّد من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين عبر القرون. وما أكثر ما لفَّت القرون من خِرَق، وشوَّهت من مفاهيم، بعد خير القرون!. ” وإذا تم ضبط مفاهيم القرآن الكريم، فقد تم تبعا لذلك ضبط مفاهيم الدين القيم؛ لأن السنة بيان؛ به بعد القرآن يُضْبَط فهم القرآن، لتكوين الميزان، وعطاء العصور اجتهادات أو انحرافات، تُقبل أو ترفض تبعاً للميزان. ومتى تجدد فهم المفاهيم، فقد تعبد الطريق لتجديد أمر الدين “(5).

3 ) عناية “المنار” بتجديد فهم القرآن :

1.3- “المنار” التفسير هو “المنار” المدرسة رؤية ومنهاجا؛ ألفه الثلاثة المؤسسون من خلال تأليف بعضهم لبعض، وحضور بعضهم في بعض، بالتتابع التاريخي: السيد جمال الدين الأفغاني، وتلميذه الشيخ محمد عبده، وتلميذ التلميذ الشيخ محمد رشيد رضا، رحمهم الله تعالى، كلهم حصر الإشكال في ابتعاد الأمة عن القرآن الكريم فهما وعملا، وكلهم حصر الحل في فهم القرآن والعمل به على الوجه الصحيح كما كان الأمر أول مرة، لأن “المقصد الحقيقي… هو الاهتداء بالقرآن”(6) ولا سبيل إلى ذلك بغير الفهم الصحيح للقرآن:

يقول السيد جمال الدين الأفغاني، في سياق استنكاره لدعوة سد باب الاجتهاد: “إن الله بعث محمدا رسولا بلسان قومه “العربي” ليفهمهم ما يريد إفهامهم، وليفهموا منه ما يقول لهم {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} وقال: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} وفي مكان آخر {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} فالقرآن ما أنزل إلا ليفهم، ولكي يعمل الإنسان بعقله لتدبر معانيه وفهم أحكامه والمراد منها، فمن كان عالما باللسان العربي؛ وعاقلا غير مجنون… جاز له النظر في أحكام القرآن، وتمعنها والتدقيق فيها واستنباط الأحكام منها ومن صحيح الحديث والقياس”(7).

ويقول تلميذه الشيخ محمد عبده: “إن الاستهداء بالقرآن واجب على كل مكلف في كل زمان ومكان، فعلى كل قارئ أن يتلو القرآن بالتدبر، وأن يطالب نفسه بفهمه والعمل به، ولا شك أن كل من له معرفة ولو قليلة باللغة العربية فإنه يفهم من القرآن ما يهتدي به، ومن كان أميا أو عجميا فإنه ينبغي له أن يسأل القارئين أن يقرؤوا له القرآن ويفهموه معناه”(8).

ويقول تلميذ تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا: “أقول الآن: إن القرآن هو حجة الله البالغة على دينه الحق، فلا بقاء للإسلام إلا بفهم القرآن الكريم فهما صحيحا، ولا بقاء لفهمه إلا بحياة اللغة العربية، فإن كان باقيا في بعض بلاد الأعاجم، فإنما بقاؤه بوجود بعض العلماء العارفين من التفسير ما يكفي لرد الشبهات عن القرآن عندهم…ولهذا اتفق علماء الإسلام من العرب والعجم على حفظ اللغة العربية ونشرها”(9).

2.3 – وقد عني “المنار” بمصطلح الفهم: فهم القرآن كثيرا، مطلقا ومقيدا، ومقصوده منه “الفهم الصحيح” له، ذلك الفهم الذي به يعرف الداء والدواء، ويكون النظر والتلقي للعلم. جاء في تفسير قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة :20): “هذا النداء الإلاهي المشعر بأن نسبة الناس الأولين إلى الله تعالى كنسبة الآخرين واحدة: هو الخالق وهم المخلوقون، وهو المستحق للعبادة وهم المأمورون بها أجمعون، حجة علينا وعلى جميع من استن بسنة ذلك الصنف من قبلنا (قال شيخنا) وأخص طلاب علوم الدين بالذكر فينبغي للطالب أن يوجه نفسه إلى فهم القرآن، ويحملها على الاهتداء به، فإذا هو فعل ذلك تظهر عليه آداب الإسلام…ومن اشتغل بهذا حق الاشتغال وصل إلى معرفة أمراض المسلمين الحاضرة، ومنابع البدع التي فشت فيهم، ومثارات الفتن التي فرقتهم، ويعرف علاج ذلك. وأن من ذاق حلاوة القرآن لا ينظر في كتاب، ولا يتلقى علما، إلا ما يفتح له باب الفهم في القرآن أو ما يفتح له بابه القرآن فيجده مرآته، وما عدا ذلك مبعد عنه، والبعد عن القرآن هو عين البعد عن الله تعالى وذلك هو الضلال البعيد”(10).

وقد بلغ من اهتمام “المنار” بـ “الفهم” أن جعله مساويا “للتلاوة”، معبرا بها عنه في قوله تعالى (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يومنون به( قال “الأستاذ الإمام: عبر عن التدبر والفهم بالتلاوة حق التلاوة ليرشدنا إلى أن ذلك هو المقصود من التلاوة التي يشترك فيها أهل الأهواء والبدع مع أهل العلم والفهم. والتعبير يشعر بأن أولئك الذين حكم بنفي رضاهم عن النبي صلى الله عليه وسلم نفيا مؤكدا، لا حظ لهم من الكتاب إلا مجرد التلاوة وتحريك اللسان بالألفاظ، لا يعقلون عقائده، ولا يتدبرون حكمه ومواعظه، ولا يفقهون أحكامه وشرائعه؛ لأنهم استغنوا عنه بتقليد بعض الرؤساء والاكتفاء بما يقولون، فلا عجب إذا أعرضوا عما جاء به النبي ولا ضرر في إعراضهم. وأما الآخرون فإنهم لتدبرهم وفهمهم أسرار الدين، وعلمهم بوجوب مطابقتها لمصالح المكلفين، يعقلون أن ما جاء به هو الحق الذي يتفق مع مصلحة البشر في ترقية أرواحهم، وفي نظام معايشهم، فيؤمنون به وإنما ينتفع بإيمان أمثالهم.

وجملة القول أن هذا التعبير أفاد حكما جديدا وإرشادا عظيما، وهو أن الذي يتلو الكتاب لمجرد التلاوة مثله كمثل الحمار يحمل أسفارا، فلا حظ له من الإيمان بالكتاب لأنه لا يفهم أسراره ولا يعرف هداية الله فيه. وقراءة الألفاظ لا تفيد الهداية وإن كان القارئ يفهم مدلولاتها كما يقول المفسر والمعلم لها، لأن هذا الفهم من قبيل التصور، وما التصور إلا خيال يلوح ويتراءى، ثم يغيب ويتناءى، وإنما الفهم فهم التصديق والإذعان ممن يتدبر الكتاب مستهديا مسترشدا ملاحظا أنه مخاطب به من الله تعالى ليأخذ به فيهتدي ويرشُد، والمقلدون محرومون من هذا فلا يخطر لهم ببال أنهم مطالبون بالاهتداء بكتاب الله تعالى وإنما الهداية عندهم محصورة في كلام رؤسائهم الدينيين، ولا سيما إذا كانوا ميتين”(11).

3.3 – هذا الفهم المتدبر للكتاب، المستهدي به في الأمر كله، هو التفسير الجديد الذي يمثله “المنار” ويدعو إليه. جاء في مقدمة التفسير المقتبسة من درس الأستاذ الإمام بالمعنى، مع البسط والإيضاح “… والتفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة فإن هذا هو المقصد الأعلى منه وما وراء هذا من المباحث تابع له أو وسيلة لتحصيله”(12).

وهو واجب على الجميع كل بقدر طاقته، جاء في المقدمة السابقة: “إنه يجب على كل واحد من الناس أن يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته لا فرق بين عالم وجاهل. يكفي العامي من فهم قوله تعالى:،*قد أفلح المومنون الذين هم في صلاتهم خاشعون…( (المومنون: 1-2) ما يعطيه الظاهر من الآيات، وأن الذين جمعت أوصافهم في الآيات الكريمة، لهم الفوز والفلاح عند الله تعالى، ويكفي في معرفة الأوصاف: أن يعرف معنى الخشوع والإعراض عن اللغو، وما لا خير فيه، والإقبال على ما فيه فائدة له دنيوية أو أخروية، وبذل المال في الزكاة والوفاء بالعهد، وصدق الوعد، والعفة عن إتيان الفاحشة، وأن من فارق هذه الأوصاف إلى أضدادها فهو المعتدي حدود الله، المتعرض لغضبه، وفهم هذه المعاني مما يسهل على المؤمن من أي طبقة كان، ومن أهل أي لغة كان”(13).

وهذه المرتبة في التفسير أو الفهم “هي التي قلنا إنها متيسرة لكل أحد {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}(لقمر:40)” (14).

“وهناك مرتبة تعلو على هذه وهي من فروض الكفاية”(15)، و”لا تتم إلا بأمور:

أحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن…

ثانيها: الأساليب، فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة.

ثالثها: علم أحوال البشر… فلا بد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر… ومن العلم بأحوال العالم… ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه…

رابعها: العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن؛ فيجب على المفسر القائم بهذا الفرض الكفائي أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة…

خامسها : العلم بسيرة النبي  وأصحابه…” (16).

والتفسير في هذه “المرتبة العليا”(17) جديد مجدد للفهم، و”هو الذي يستجمع تلك الشروط لأجل أن تستعمل لغايتها، وهو ذهاب المفسر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأحكام. على الوجه الذي يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام، ليتحقق فيه معنى قوله “هدى ورحمة” ونحوهما من الأوصاف. فالمقصد الحقيقي وراء تلك الشروط والفنون: هو الاهتداء بالقرآن.

قال الأستاذ الإمام: وهذا هو الغرض الأول الذي أرمي إليه في قراءة التفسير”(18).

4 ) تركيز “المنار” على تجديد فهم المصطلح القرآني:

لقد تقدم أن لا تجديد لفهم القرآن ما لم يتجدد فهم مصطلحات القرآن. وذلك ما صدر عنه “المنار” وجلاه في عدة أمور:

1.4 – اعتباره أن أول الشروط في “الفهم الصحيح” للقرآن: “فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن”(19)؛إذ منها الانطلاق الصحيح للفهم الصحيح، والتعبير بـ”حقائق” مُشعرة بمستوى الفهم والتجديد المطلوب فيه.

2.4 – اعتماده دلالة “زمن التنزيل” في فهم حقائق الألفاظ المفردة “بحيث يحقق المفسر ذلك -كما قال- من استعمالات أهل اللغة، غير مكتف بقول فلان وفهم فلان، فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد… فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله”(20).

وهذا الأمر في غاية الأهمية لضبط الفهم الصحيح للقرآن، وهو من أهم شروط تجديد  المصطلح القرآني، وإلا صرنا إلى قرآن غير القرآن، وحملنا ألفاظه ما لا تحتمله ألفاظ ذلك الزمان.

3.4 – إبعاده “الاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى” (المنار 1/24) في فهم “كلمات القرآن”(21) وتفسيرها. يقول في سياق حديثه عن “فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن”: يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة، ليفرق بينها وبين ما ورد في الكتاب. فكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بالاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى”(22).

وهذا الشرط مكمل لسابقه، وتحقيقه على الوجه الأمثل متوقف على إنجاز “مشروع المعجم التاريخي للمصطلحات العلمية” الذي يدعو إليه، منجِزًا ما استطاع منه، معهد الدراسات المصطلحية بفاس.

4.4 – اختياره فهم ألفاظ القرآن من القرآن، بدراسة اللفظ في القرآن دراسة تقوم على جمع المتكرر والنظر فيه، مع مراعاة السياق الخاص والعام للفظ في القرآن كله. وفي ذلك ما فيه من بذور الدراسة المصطلحية للمصطلح(23) وفي ذلك ما فيه من تجديد فهم المصطلح القرآني. قال في آخر حديثه عن فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن: “والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه؛ بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه، فربما استعمل بمعان مختلفة كلفظ الهداية… وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية. فيعرف المعنى  المطلوب من بين معانيه. وقد قالوا: إن القرآن يفسر بعضه ببعض، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ: موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته”(24).

هذه الشروط المجملة المفصلة، تمثل على قلتها معالم كبرى في طريق تجديد فهم المصطلح القرآني، كما تمثل وعيا منهجيا مهما ما أحوجه إلى ما يلزمه من التفصيل والتكميل لتيسير الذكر للتذكر والتذكير!

5 )منهج “المنار” في تجديد فهم المصطلح القرآني:

ألح “المنار” أثناء التفسير إلحاحا كبيرا على المصطلح القرآني(25)، وسلك في تناول المصطلحات التي جدد فهمها طريقة خاصة، تعتبر من وجه تطبيقا لما مر في الفقرة السابقة. ويمكن تلخيص تلك الطريقة في :

1.5 – تلخيص الفهم السابق بعبارات مختصرة، مع الإشارة بـ “يقولون” أو “قالوا” أو ما أشبه، إلى أن ذلك ليس له. مثل قوله عن مصطلح العبادة “ما هي العبادة؟ يقولون هي الطاعة مع غاية الخضوع…”(26) وقوله عن مصطلح الهداية: “ذكر الأستاذ الإمام أولا ما قالوه في معنى الهداية لغة من أنها الدلالة بلطف على ما يوصل إلى المطلوب…” (27).

2.5 – تفصيل الفهم الجديد والاستدلال له. قال عن “الصراط المستقيم”: “ثم بين معنى الصراط وهو الطريق، واشتقاقه، وقراءة الصراط بالسين المهملة واشتقاقه على نحو ما في كتب اللغة والتفسير، ومعنى المستقيم وهو ضد المعوج وقال: ليس المراد بمقابل المستقيم المعوج ذا التمعّج والتعاريج بل المراد كل ما فيه انحراف عن الغاية التي يجب أن ينتهي سالكه إليها. والمستقيم في عرف الهندسة أقرب موصل بين طرفين، وهذا المعنى لازم للمعنى اللغوي كما هو ظاهر بالبداهة. وإنما قلنا: إن المراد بمقابل المستقيم كل ما فيه انحراف؛ لأن كل من يميل وينحرف عن الجادة يكون أضل عن الغاية ممن يسير عليها في خط ذي تعاريج، لأن هذا الأخير قد يصل إلى الغاية بعد زمن طويل. لكن الأول لا يصل إليها أبدا. بل يزداد عنها بعدا كلما أوغل في السير وانهمك فيه.

وقد قالوا: إن المراد بالصراط المستقيم الدين أو الحق أو العدل أو الحدود. ونحن نقول: إنه جملة ما يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة من عقائد وآداب وأحكام وتعاليم، لم سمي الموصل إلى السعادة من ذلك صراطا وطريقا؟ خذ الحق مثلا وهو العلم الصحيح بالله وبالنبوة وبأحوال الكون والناس، تر معنى الصراط فيه واضحا، لأن السبيل أو الصراط ما أسلكه وأسير فيه لبلوغ الغاية التي أقصدها، وكذلك الحق الذي يبين لي الواقع الثابت في العقيدة الصحيحة هو كالجادة بين السبل المتفرقة المضلة فالطريق الواضح للحس، يشبه الحق للعقل والنفس، سير حسي، وسير معنوي، كذلك إذا اعتبرت هذا المعنى في الحدود والأحكام تجده واضحا – قسمت أحكام الأعمال إلى واجب ومندوب ومباح ومحرم ومكروه، فكان هذا مريحا لنا من تمييز الخير من الشر بأنفسنا واجتهادنا، فبيان الأحكام بالهداية الكبرى وهي الدين كالطريق الواضح يسلك بالعمل. ومع هذا تجد الشهوات تتلاعب بالأحكام وترجعها إلى أهوائها، كما يصرف السفهاء عقولهم وحواسهم فيما يرديهم. وهذا التلاعب بالدين إنما يصدر من علمائه، وضرب الأستاذ الإمام لذلك مثلا: أحد الشيوخ المتفقهين سرق كتابا من وقف أحد الأروقة في الأزهر مستحلا له بحجة أن قصد الواقف الانتفاع به، وهو يحصل بوجود الكتاب عنده، وأنه قد يفوت النفع ببقائه في الرواق حيث وضعه الواقف؛ إذ لا يوجد فيه من يفهمه مثله بزعمه!! واستحلال المحرمات بمثل هذا التأويل ليس بقليل”(28).

3.5 – تقويم واقع الأمة بالفهم الجديد، ومثاله، زيادة على آخر النص السابق، ما جاء في فهمه لـ”صراط الذين أنعمت عليهم” آخر الفاتحة: “قال الأستاذ: الصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الحق؛ ولكنه تعالى ما بينه بذلك كما بينه في نحو سورة العصر، وإنما بينه بإضافته إلى من سلك هذا الصراط كما قال في سورة الأنعام {فبهداهم اقتده}(الأنعام :90) وقد قلنا إن الفاتحة مشتملة على إجمال ما فصل في القرآن حتى من الأخبار، التي هي مثل الذكرى والاعتبار، وينبوع العظة والاستبصار. وأخبار القرآن كلها تنطوي في إجمال هذه الآية.

قال : فسر بعضهم المنعم عليهم بالمسلمين والمغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى. ونحن نقول: إن الفاتحة أول سورة نزلت، كما قال الإمام علي رضي الله عنه، وهو أعلم بهذا من غيره، لأنه تربى في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وأول من آمن به، وإن لم تكن أول سورة على الإطلاق فلا خلاف في أنها من أوائل السور (كما مر في المقدمة) ولم يكن المسلمون في أول نزول الوحي بحيث يطلب الاهتداء بهداهم، وما هداهم إلا من الوحي، ثم هم المأمورون بأن يسألوا الله أن يهديهم هذه السبيل سبيل من أنعم عليهم من قبلهم، فأولئك غيرهم، وإنما المراد بهذا ما جاء في قوله تعالى: {فبهداهم اقتده} وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من الأمم السالفة. فقد أحال على معلوم أجمله في الفاتحة وفصله في سائر القرآن بقدر الحاجة. فثلاثة أرباع القرآن تقريبا قصص، وتوجيه للأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم، في كفرهم وإيمانهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ولا شيء يهدي الإنسان كالمثلات والوقائع. فإذا امتثلنا الأمر والإرشاد، ونظرنا في أحوال الأمم السالفة، وأسباب علمهم وجهلهم، وقوتهم وضعفهم، وعزهم وذلهم، وغير ذلك مما يعرض للأمم – كان لهذا النظر أثر في نفوسنا يحملنا على حسن الأسوة والاقتداء بأخبار تلك الأمم فيما كان سبب السعادة والتمكن في الأرض، واجتناب ما كان سبب الشقاوة أو الهلاك والدمار. ومن هنا ينجلي للعاقل شأن علم التاريخ وما فيه من الفوائد والثمرات، وتأخذه الدهشة والحيرة إذا سمع أن كثيرا من رجال الدين من أمة هذا كتابها يعادون التاريخ باسم الدين، ويرغبون عنه، ويقولون إنه لا حاجة إليه ولا فائدة له. وكيف لا يدهش ويحار، والقرآن ينادي بأن معرفة أحوال الأمم من أهم ما يدعو إليه هذا الدين؟ {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات}(الرعد : 6) (29).

وهذه العناصر الثلاثة إنما تظهر بقوة، وتحضر كاملة، في فهم المصطلحات الكبرى التي تمثل بعض كليات الدين كمصطلح العبادة مثلا.(30)

6) نتائج تجديد المنار لفهم المصطلح القرآني:

لقد كان للجهد التجديدي الذي بذله أصحاب “المنار” في فهم المصطلح القرآني أثر بالغ لا يكاد يقدر في الأمة كلها، وخصوصا إذا وضع في ظروفه الخانقة القاتلة للتجديد، لقد بدا وسط ظروفه المظلمة كبركان تفجر نارا ونورا: نورا للمتعطشين للفجر، ونارا على المتحجرين كالصخر. ومن خبر المنار أيقن أن كل الصيد في جوف الفرا.

وللتلخيص يمكن حصر تلك النتائج الضخمة في ثلاث :

1.6- تخليص المصطلح القرآني من كثير من الشوائب التي علقت به عبر القرون، وما أكثرها! وفي ذلك ما فيه من إعادة المصطلح القرآني إلى شبابه الدلالي وفاعليته الأولى يوم أنزل، وفعله الفعّال في القلوب والهمم والعزائم، وتحريره من أغلال لغة المتأخرين ومفاهيمهم البشرية الضيقة بالقياس إلى رحابة مفاهيم القرآن وسعتها الربانية.

وما أكثر الأمثلة في “المنار” على هذا التخليص نجتزئ منها بهذا، جاء في فهم قوله تعالى: (الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير(: “كتاب أحكمت آياته أي هذا كتاب عظيم الشأن (كما أفاده التنوين) جعلت آياته محكمة النظم والتأليف، واضحة المعاني بليغة الدلالة والتأثير، فهي كالحصن المنيع، والقصر المشيد الرفيع، في إحكام البناء، وما يقصد به من الحفظ والإيواء مع حسن الرواء، فهي لظهور دلالتها على معانيها ووضوحها لا تقبل شكا ولا تأويلا، ولا تحتمل تغييرا ولا تبديلا، (ثم فصلت( أي جعلت فصولا متفرقة في سوره ببيان حقائق العقائد، والأحكام والحكم والمواعظ، وسائر ما أنزل الكتاب له من الفوائد، كما يفصل الوشاح أو العقد بالفرائد، فالإحكام والتفصيل فيه مرتبتان من مراتب البيان مجتمعتان، لا نوعان منه متفرقان يختلفان في الزمان، أو فصلت بعد الإجمال، كما ترى في القصص القصار والطوال، وقد أبهما ببناء فعليهما للمفعول، ثم بينا بجعلهما (من لدن حكيم خبير( وهو أبلغ من إسنادهما إليه ابتداء، أي من عند حكيم كامل الحكمة هو الذي أحكمها وخبير تام الخبرة هو الذي فصلها.

هذا ما يتبادر إلى فهم العربي القح من عبارة الآية، فإذا عرضته على ما جاء في القرآن من حرفي الإحكام والتفصيل، وجدت فيه من الحرف الأول ثلاث كلمات الأولى : قوله تعالى في سورة الحج {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته}(الحج : 5) والثانية: قوله تعالى في سورة القتال ويقولون {لولا نزلت سورة، فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال}(محمد :20) الآية – والثالثة: قوله تعالى في سورة آل عمران {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات}(آل عمران : 7) ووجدت الإحكام في كل منهن بالمعنى اللغوي الذي بيناه آنفا. وقد حمل المقلدون المحكم في الآية الثانية على ما يقابل المنسوخ في اصطلاحهم، فقالوا سورة محكمة غير منسوخة، وهذا الحمل غير صحيح، وإن كان المراد منه صحيحا، فإن هذا الاصطلاح ليس من أصل اللغة، ولا من عرف القرآن، بل وضع بعد عصر نزوله، والآية الأولى حجة على هذا، فإن النسخ فيها غير النسخ الأصولي، ولا يصح أن يكون المعنى فإذا أنزلت سورة غير منسوخة لا كلها ولا بعضها، لأن إنزال سورة منسوخة محال في نفسه، فلا معنى إذا لنفيه، وحملوه في الثالثة على ما يقابل المتشابه وهو الصحيح، ولكنهم اختلفوا في معنى كل منهما، وأشهر الأقوال عند أهل الكلام والأصول فيهما مخالف لمدلول اللغة وللمروي عن جمهور السلف الذي هو الحق.

قال السيد الجرجاني في الأول: المحكم ما أحكم المراد به عن التبديل والتغيير أي التخصيص والتأويل والنسخ، مأخوذ من قولهم: بناء محكم، أي متقن مأمون الانتقاض، وذلك مثل قوله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم}(التوبة :115) والنصوص الدالة على ذات الله وصفاته لأن ذلك لا يحتمل النسخ فإن اللفظ إذا ظهر منه المراد فإن لم يحتمل النسخ فهو محكم، وإلا فإن لم يحتمل التأويل فمفسر، وإلا فإن سيق الكلام لأجل ذلك المراد فنص وإلا فظاهر، وإذا خفي لعارض أي لغير الصيغة فخفي، وإن خفي لنفسه أي لنفس الصيغة وأدرك عقلا فمشكل، أو نقلا فمجمل، أو لم يدرك أصلا فمتشابه. وقال الثاني : المتشابه ما خفي بنفس اللفظ ولا يرجى دركه أصلا كالمقطعات في أول السور، وقال التاج السبكي في جمع الجوامع: والمتشابه ما استأثر الله بعلمه وقد يطلع عليه بعض أصفيائه. وكلا القولين خطأ كما يعلم مما فسرنا به الآية في الجزء الثاني.

وقال السيد في تعريف التأويل: هو في الأصل الترجيح وفي الشرع صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه موافقا بالكتاب والسنة مثل قوله تعالى: {يخرج الحي من الميت}(الأنعام :95) إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيرا، وإن أراد إخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان  تأويلا” أ.هـ. وقال التاج السبكي: الظاهر ما دل دلالة ظنية، والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل لدليل فصحيح، أو لما يظن دليلا ففاسد، أولا لشيء، فلعب لا تأويل أ.هـ.

هذا الاصطلاح المفصل لهذه الكلمات فيه ما ترى – في كتب الأصول – من قيل وقال، ومذاهب وجدال، وهو ما لم يكن يخطر في بال أحد من العرب عند قراءتها في كتاب الله تعالى، بل كانوا يفهمونها بمدلولها اللغوي المحض،

فأما المحكم فهو ما تقدم.

وأما التفصيل في الآية فقد جاء مكررا في أكثر من عشرين موضعا من عشر سور مكية، وفي موضع واحد من سورة التوبة المدنية، وأكثرها في تفصيل الآيات القرآنية والعقلية، وبعضها في تفصيل الكتاب، وبعض آخر في تفصيل الأحكام، ونوع آخر أعم وهو {تفصيل كل شيء} أي ما يتعلق بهداية الدين، وإصلاح أمور المكلفين، وكلها داخل في المعنى اللغوي الذي حررناه…”(31).

2.6-  تعبيد الطريق إلى إصلاح واقع الأمة بالقرآن :

فبظهور “المنار” وتفجر بركانه انهدمت الحواجز الفاصلة بين الأمة والقرآن، وصار القرآن يتدخل تدخلا مباشرا في الواقع؛ مصححا لمنهج رؤيته، ضابطا لميزان تقويمه، ناقدا ناصحا لأهل الحل والعقد فيه، محررا للمستضعفين، مزلزلا للمستكبرين، نافخا الروح في الأموات الذين لديهم استعداد للحياة، جاعلا الآيات هي القوت في كل الأوقات. والسر كل السر في تجدد فهم القرآن الذي أساسه تجدد تفهم مصطلحات القرآن.

لقد صحح “المنار” قبلة المفسر، واسترجع أراضي الواقع المغتصبة إلى صلب اهتمامه، وجدد وحدد له الرسالة في إصلاح ما فسد من واقع الأمة.

استمع إلى الأستاذ الإمام وهو يتحدث عن التفسير زمن “المنار”: “التفسير عند قومنا اليوم ومن قبل اليوم بقرون: هو عبارة عن الاطلاع على ما قاله بعض العلماء في كتب التفسير على ما في كلامهم من اختلاف يتنزه عنه القرآن {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}(النساء : 81). وليت أهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير يطلبون لأنفسهم معنى تستقر عليه أفهامهم  في العلم بمعاني الكتاب. ثم يبثونه في الناس، ويحملونهم عليه، ولكنهم لم يطلبوا ذلك، وإنما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها، ويمارون فيها من يباريهم في طلبها، ولا يخرجون لإظهار البراعة في تحصيلها عن حد الإكثار من القول، واختراع الوجوه من التأويل، والإغراب في الإبعاد عن مقاصد التنزيل.

إن الله تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس وما فهموه، وإنما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا، وعن سنة نبيه الذي بين لنا ما نزل إلينا: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم}(النحل : 44)، يسألنا هل بلغتكم الرسالة؟ هل تدبرتم ما بُلّغتم؟ هل عقلتم ما عنه نهيتم وما به أمرتم؟ وهل عملتم بإرشاد القرآن، واهتديتم بهدي النبي واتبعتم سنته؟ عجبا لنا ننتظر هذا السؤال، ونحن في هذا الإعراض عن القرآن وهديه، فيا للغفلة والغرور!!”(32).

واستمع إلى الأستاذ الإمام إثر ذلك، وهو يحكم على واقع الأمة، بناء على واقع معرفتها بالقرآن: “معرفتنا بالقرآن كمعرفتنا بالله تعالى: أول ما يلقن الوليد عندنا من معرفة الله تعالى هو اسم “الله” تبارك وتعالى، يتعلمه بالأيمان الكاذبة كقوله: والله لقد فعلت كذا وكذا، والله ما فعلت كذا، وكذلك القرآن يسمع الصبي ممن يعيش معهم أنه كلام الله تعالى، ولا يعقل معنى ذلك، ثم لا يعرف من تعظيم القرآن إلا ما يعظمه به سائر المسلمين الذين يتربى بينهم. وذلك بأمرين:

أحدهما: اعتقاد أن آية كذا إذا كتبت ومحيت بماء وشربه صاحب مرض كذا يشفى، وأن من حمل القرآن، لا يقربه جن ولا شيطان، ويبارك له في كذا وكذا، إلى غير ذلك مما هو مشهور ومعروف للعامة؛ أكثر مما هو معروف للخاصة، ومع صرف النظر عن صحة هذا وعدم صحته نقول: إن فيه مبالغة في التعظيم عظيمة جدا، ولكنها (وياللأسف) لا تزيد عن تعظيم التراب الذي يؤخذ من بعض الأضرحة ابتغاء هذه المنافع والفوائد نفسها…. هذا الضرب من تعظيم القرآن نسميه -إذا جرينا على سنة القرآن- عبادة للقرآن لا عبادة لله به.

ثانيهما: الهزة والحركة المخصوصة والكلمات المعلومة التي تصدر ممن يسمعون القرآن، إذا كان القارئ رخيم الصوت حسن الأداء عارفا بالتطريب على أصول النغم، والسبب في هذه اللذة والنشوة هو حسن الصوت والنغم، بل أقوى سبب لذلك هو بعد السامع عن فهم القرآن. وأعني بالفهم ما يكون عن ذوق سليم تصبيه أساليب القرآن بعجائبها، وتملكه مواعظه فتشغله عما بين يديه مما سواه. لا أريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذا جافا لم يصحبه ذلك الذوق، وما يتبعه من رقة الشعور، ولطف الوجدان اللذين هما مدار التعقل والتأثر، والفهم والتدبر.

لهذا كله يمكننا أن نقول: إن الجاهلية اليوم أشد من الجاهلية والضالين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم…. كان البدوي راعي الغنم يسمع القرآن فيخر له ساجدا لما عنده من رقة الإحساس ولطف الشعور، فهل يقاس هذا بأي متعلم اليوم؟”(33).

3.6- إعادة القرآن الكريم إلى مركزيته في الإصلاح:

وهذه أمّ النتائج وأفضل الفضائل؛ نحن أمة أخرجت من كتابـ، وصنعت بكتاب، وقبل الكتاب لم يكن يحسب لها أي حساب، وبعد الكتاب صار يحسب لها ألف حساب، وما هجرت الكتاب بعد إلا وسقطت من الحساب.

إننا ما دخلنا التاريخ بمنهج فلان أو فلان، ولكننا دخلنا التاريخ بهداية القرآن.

ولذلك فالتجديد الذي هُدي إليه “المنار” وهَدَى إليه هو التجديد: تجديد فهم القرآن.

والأساس الذي قام عليه هو الأساس: أساس إصلاح الأمة بالقرآن.

والهدف الذي سعى إليه هو الهدف: هدف الاستهداء والتفاعل المباشر مع القرآن.

ومتى حجب القرآن حاجب، وحال بينه وبين الناس حائل، فقد قُطِع بوجه من الوجوه ما أمر الله به أن يوصل. وما أكثر قطاع الطريق عبر القرون:

– المحارب لانتشار اللسان العربي في الأمة قاطع طريق.

– والمفسر للقرآن بغير دلالة زمن التنزيل قاطع طريق.

– والملزم للناس بهدى كتابٍ غير كتاب الله عز وجل قاطع طريق.

– والمتخذ إسوة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المُبَيِّنُ، قاطع طريق.

– والمبعد للقرآن من التعليم والإعلام والحياة قاطع طريق.

وغيرهم… وغيرهم… ممن يمنع وصول القرآن إلى الأمة، أويمنع وصول الأمة إلى القرآن. كلهم قاطع طريق.

7- خاتمة في ضرورة الدراسة المصطلحية لتكميل التجديد:

لقد رفع “المنار” منذ قرن أو يزيد، واستجاب من استجاب للمشروع الجديد، وظل النداء طوال القرن يجوب الآفاق، باحثا عمن يكمل البناء، ثم لاح بآخره منهج يظهر أنه مفيد أو جد مفيد في تكميل ذلك البناء، إنه حسب ما جرب في حالات بالمغرب فصَحَّ: منهج الدراسة المصطلحية الذي يُسْعَى من وراء تطبيقه على المصطلح القرآني كله إلى إنجاز المعجم المفهومي للقرآن الكريم؛ تدرس فيه المصطلحات مصنفة حسب الأنساق، ثم تُعرض عرضا شاملا في إطار “النسق المفهومي العام للخلوص إلى الفهم الكلي النسقي للقرآن الكريم”(34).

{ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا}.

أ.د. الشاهد البوشيخي

————–

الهوامش:

1) مفهوم التأويل في القرآن الكريم والحديث الشريف/ التقديم: أ- ج.

2) نحو معجم تاريخي للمصطلحات القرآنية، ص:2.

3) مصطلح الشهادة على الناس في القرآن الكريم وأبعاده الحضارية لعبد المجيد النجار ضمن أعمال ندوة الدراسة المصطلحية والعلوم الإسلامية: 1/189.

4) أخرجه مسلم في كتاب الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار.

5) نحو منهج لدراسة مفاهيم الألفاظ القرآنية ص 5.

6) المنار 1/26.

7) خاطرات جمال الدين الأفغاني 111 -112.

8) المنار 1/364. وينظر عن الفهم 1/ 362- 363، 152- 153.

9) نفسه 1/28

10) نفسه 1/152-153.

11) نفسه 1/362-363

12) نفسه1/21.

13) نفسه1/23.   //  14) نفسه.

15) نفسه.  //  16) نفسه1/23- 25.

17) المنار1/23.  //  18) نفسه1/25- 26.

19) نفسه1/23.  //  20) نفسه1/23- 24.

21) نفسه1/24.  //  22) نفسه.

23) نظرات في المصطلح والمنهج ص: 22- 31 .

24) المنار: 1/24.

25) وإذا يسر الله تعالى إخراج معجم المصطلحات القرآنية المشروحة في “المنار” فسيظهر ذلك بوضوح.

26) نفسه1/51.   //  27) نفسه1/56.

28) نفسه 1/58-59

29) نفسه 1/59-60.

30) نفسه:1/51-52

31) نفسه 12/ 4-6.

32) نفسه 1/ 26.

33) نفسه 1/ 26- 27.

34) نحو منهج لدراسة مفاهيم الألفاظ القرآنية ص 7.

————

(ü) ألقيت هذه الورقة في ندوة مدرسة المنار و درها في الإصلاح الاسلامي الحديث . القاهرة 8- 9 أكتوبر 2002.

(üü) د. الشاهد البوشيخي رئيس وحدة البحث في القرآن والحديث بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس ورئيس معهد الدراسات المصطلحية  بالجامعة نفسها.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *