آيات ومواقف : {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها}


قال تعالى : {ويوم يُعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حيا تكم الدنيا واستمتعتم بها، فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون}(الأحقاف : 20).

كان مالك بن دينار يقول : الناس يقولون : مالك بن دينار زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا فتركها”(1)، تركها -والله-، فجعلها تحت قدميه، ورمى بها خلف ظهره، ولم يلتفت إليها، ولم يأبه بشيء من زينتها، حتى إن مَسْلَمةبن عبد الملك بن مروان دخل عليه وهو في مرض موته وعليه قميص وسخ مخرق الجيب! فقال لأخته فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر : لو أبدلتم هذا القميص، فسكتت فأعاد عليها القول مراراً حتى أغلظ، فقالت : والله ماله قميص غيره!

وقبله دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم -وقد بلغهخبر تطليقه عليه السلام نساءه- قال : >.. وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مصبوراً، وعند رأسه أهبا (جلوداً) معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكيت، فقال : >ما يبكيك< فقلت يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : >أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة<(أخرجه مسلم).

إن المسألة ليست عجزاً، ولا فقرا، ولكن نظرة ربانية متفحصة، تزن الأمور بميزان نوراني دقيق، إنه ميزان الإيمان بالله، واليقين فيما عنده، ولو أراد صلى الله عليه وسلم أن تُحوّل له جبال مكة ذهبا لكان ذلك، ولكنها الآخرة، تجذبه إليها، وتنسيه زخرف الحياة الدنيا وزينتها، ولْنقل : إنه سُلَّمُ الأوليات، ومبدأ الترجيح، يسنه لنا صلى الله عليه وسلم، إذ ليس الأمرخاصا به وحده دون أمته، فقد جاء في رواية في صحيح مسلم أيضا عن عمر قال : >.. فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر، إلا أهبا ثلاثة، فقلت : ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا ثم قال : >في شَكٍّ يا ابن الخطاب! أولئك قوم عُجِّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا<.

ولقد عاش عمر رضي الله عنه هذه الحقيقة كل حياته، عاش للآخرة لا للدنيا، عاش وهو يخشى إن وسع على نفسه قليلا أن ينقص ذلك من حسناته يوم القيامة، وأن يكون ممن عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا. لقد عاش شديدا على نفسه، بل قاسيا عليها، رجاء أن تتمتع بنعيم الجنة يوم القيامة.

وإن موقف عمر مع قوله تعالى : {.. أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها..} لم يكن عاديا، موقف ليس ككل المواقف، نسجله اليوم في هذه الزاوية تذكيرا للناس عامة ولدعاتنا وعلمائنا خاصة فمنهم من يعيش في بذخ غريب، وترف عجيب، من أرفع أنواع الألبسة إلى أشهى الأطعمة، وأطيب اللحوم والفواكه وأغلى السيارات وأفخم الدور، أولئك الذين يصرفون على أولادهم الملايين في الدراسة ومثلها في الأعراس خاصة، وهوم المفروض أن يكونوا قدوة.

ونقول : إن موقف عمر يفرض علينا إحساسا أعمق، وشعورا أدق، ووعيا أكبر بخطورة ما نقوم به، وإنْ في إطار الحلال، ويفرض علينا مقاومة أشد لهذه النفس التي لا تشبع ولا تريد أن تشبع. قال حفص بن العاص : كنت أتغدّى عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخبز والزيت، والخبز والخل، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأقل ذلك اللحم الغريض (الطري) وكان يقول : لا تنخلوا الدقيق فإنه طعام كله، فجيء بخبز متفلح (مشقق) غليظ، فجعل يأكل ويقول : كلوا، فجعلنا لا نأكل، فقال : ما لكم لا تأكلون؟ فقلنا والله يا أمير المومين نرجع إلى طعام ألين من طعامك هذا، فقال يا ابن أبي العاص، أما ترى بأني عَالمٌ أن لو أمرت بعناق سمينة فيلقى عنها شعرها ثم تخرج مصلية (مشوية) كأنها كذا وكذا، أما ترى بأني عَالمٌ أن لو أمرت بصاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء -قِرْبة- ثم أشن عليه من الماء فيصبح كأنه دم غزال، فقلت : يا أمير المومين أجل، ما تنعت العيش -أي هو العيش-، قال : أجل، والله الذي لا إله إلا هو لو لا أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركناكم في العيش، ولكني سمعت الله تعالى يقول لأقوام : {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا}.

وروى الحسن عن الأحنف بن قيس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : >لأنا أعلم بخفض العيش، ولو شئت لجعلت أكبادا وصلاء (شواء) وصنابا (ما يزين الطعام من الزبيب والخردل) وصلائق (الخبز الرقاق العريض)، ولكني أستبقي حسناتي، فإن الله عز وجل وصف أقواما فقال {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا}(2).

ألا فليعلم هذا من ينسون أن هناك آلاف الأفواه الجائعة من يتامى ومرضى ومحتاجين.. وهم يرفلون في البذخ والترف ويقولون {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} ناسين قول الله تعالى قبل هذه الآية مباشرة {كلوا واشربوا ولا تسرفوا}.

لقد خاف عمر رضي الله عنه أن تضيع منه حسناته، فما رأيكم؟

ذ.امحمد العمراوي

———–

1- أخرجه أبو نعيم في الحلية 257/5 وأحمد في المسند 249/5 وابن رجب في “آفة الأمم” ص 72، وابن أبي الدنيا في “ذم الدنيا” برقم 457.

2- انظر الجامع لأحكام القرآن 200/16، و”الزهد” للإمام أحمد ص 124، و”آفة الأمم” ص 51، وغير ذلك…

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>