مع كتاب الله عز وجل تفسير سورة التغابن {ألم ياتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم}


النبأ هو الخبر العظيم

الذي تحصل به الفائدة ويُتَّعظُ به

في هذا الجزء الذي نتحدث فيه إن شاء الله نقف مع حالة قرآنية جديدة، نقف على جانب آخر وهو الجانب التاريخي، الذي يشير إليه قوله تعالى : {ألم ياتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم}.

هذا ركن آخر وزاوية أخرى يتطرق لها القرآن الكريم من أجل صرف ا لناس عن طريق الكفر والضلال، من أجل اقناعهم بأن الإيمان هو الحق وهو الصواب، فالقرآن إذن يحيل على ما مضى، على تاريخ الأمم السابقة ويسوق هذا سوْقا مُلْزِما، {ألم ياتكم نبأ الذين كفروا} والنبأ عند علماء القرآن ليس مطلق الخبر، أي ليس الخبر التافه الذي لا شأن له في تنظيم حياة الناس وتنظيم أفكارهم، النبأ هو الخبر العظيم الذي تحصل به الفائدة فهو أخص من الخبر فليس كل خبر نبأ، وكل نبأ خبر، فهو نوع خاص من الاخبار، وهي الاخبار المفيدة المهمة المجدية النافعة لا يسع الانسان أن يجهلها، هذه اخبارٌ يجب على الانسان أن يكون خبيرا بها، وعلى علم بها ما هو هذا النبأ وما هو هذا الخبر؟؟

إنه خبر الشعوب السابقة وما آل إليه أمرها. إن أمة الإسلام هي جزء من الشعوب التي عاشت على الأرض، لكن الشعوب السابقة عاشت وتصرفت وأصبحت أفعالُها ومكاسبها ومآلات أمورها تجربة بالنسبة إليننا، أي  يمكننا أن نستنتج من ذلك ونؤسس من ذلك سلوكا قويما  إذا كنا فطنين، ليس ضروريا أن نقع في مثل ما وقعت فيه الشعوب الماضية فنخطو خطاها ونتحمل مثل ما تحملت من النتائج المُرة من أجل أن نصحح بعد ذلك السلوك، إن حياة الانسان لا تتسع لمثل هذا الأمر، إن الإنسان الذكي الفطن يمكن أن يستفيد من تجارب الشعوب السابقة.

للتاريخ أحكامٌ وسُنن لاتجامِل أحداً

هذه الشعوب السابقة التي حكى القرآن بعض قصصها، كانت قريبة من بلاد العرب، فقد حكى عن ثمود، وحكى عن عاد، حكى عن شعوبٍ العربُ يعرفونها وتصِلُهم أخبارُها، هذه الشعوب أصبحت في عرف علماء التاريخ، بل في أَلْسِنة العرب تعرف أنها شعوبٌ يُسمونهم العرب البائدة، والعربُ العاربة والعرب المستعربة، فلماذا كانت هذه العرب بائدة؟ إذن لابد من الوقوف عند سبب اندثارها، وهذا هو أقصى ما يتمناه فيلسوف التاريخ وعالم التاريخ، الذي لا يقنع بالمرور على أحداث التاريخ، بل يغوص في أسبابها وعللها ويعطي تفسيرات ووقائع.

القرآن إذن يشير إشارة عامة إلى الشعوب التي اندثرت وجعل خبرُها نبأً أي شيئا مهما في حياة الأمة، وعلى الأمة ألا تكون غافلة، أو بعبارة أخرى القرآن يدعو المومنين الى الاهتمام بتاريخ الشعوب القديمة لمعرفة أن أي شعب من الشعوب السابقة لم يمت ولم يضمحل ولم ينمح وهو يمتلكأسباب القوة، جميع الشعوب التي مضت كلها كانت في وضعية تدفعها أو تؤهلها الى الهاوية، والمسلمون إن وجدوا أنفسهم يوما في نفس الموقع الذي كانت فيه الشعوب السابقة فهم أيضا سَيَجْري عليهم ما جرى على الأخرين، إن أحكام التاريخ وسُنَنَهُ ليس فيها استثناءٌ وليس فيها مجاملةٌ. ومن خلال استقراء الآيات القرآنية نجد  أن اضمحلال كل أمة مرتبط بفسادها، بعدم صلاحيتها للعيش، إذا لم تعد الأمة قادرة على أن تحيى، أي إذا فقدت المقومات، فقدت أسباب بقائها، وبذلك أصبحت مؤهلة ومرشحة لأن تضمحل وتنمحي، من كان يريد أن يطيل عمر أمة فليحافظ على أسباب البقاء وليبتعد عن أسباب الفناء والزوال.

الكفر لا يكون في أول نشأة ولكنه يكون بسبب فسادها بعد ذلك

هذه النظرية وهذا العطاء القرآني هو الذي فسره ابن خلدون حينما تحدث عن طرق نمو الحضارات والشعوب، وقال : إنها تنشأ على أيدي أناس متقشفين لهم شغف بالعيش الكريم، ثم تأتي مرحلة الذين يستفيدون من ذلك، ثم تأتي مرحلة المنعّمين والمرفّهين الذين يضيِّعون الحضارات ومكاسب الاجداد والأسلاف، وحينئذ ينتهون. وكان ابن خلدون يرى أن هذه الأدوار الثلاثة هي الأدوار الطبيعية في حياة الانسان فرداً أو مجتمعاً.

كتاب الله عز وجل يذكر أن الشعوب السابقة وقع لها هذا الأمر واندثرت وانمحت، بسبب وحيد أساسي هو الكفر، أي طرأ لهم الكفر وترتبت عليه أسبابه، وهذا المنطق القرآني يشير إلى أن الكفر ليس أصلا في هذه الحضارات، أي نشوء الحضارات يكون دائما بمعزل عن الكفر، أي حينما تنشأ الحضارات تبدأ وهي على حالة من الإيمان والتدين، وحالة من الفضيلة، وحالة من الخلق، ثم يطرأ الكفر وتطرأ تبعات الكفر فيقع الزوال، فهؤلاء القوم كفروا بعد أن لم يكونوا كافرين.

ضرب الله تعالى مثلا لهذا هو مثل القرية التي {كانت آمنة مطمئنة ياتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}(سورة النحل) وضرب الله مثلا لقصة سبأ، {كان لسبأ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال} ثم بعد ذلك بدلوا وغيروا فأرسل الله عليهم السيل العرم {وبدلناهم بجنتيهم جنّتين ذَواتَيْ أكْلٍ وخَمْطٍ وشيء من سِدْر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا}(سورة سبأ) اذن الكفر لا يكون في تنشأة الأمم، ويكون بعد ذلك سبب فسادها.

هي إذن عطاءات قرآنية ينطق بها الله تعالى ونعرف بها أن الأمم السابقة هي أمم في الأصل موحدة، أي في بدايتها كانت أقرب ما تكون الى عبادة الله، والى توحيده وبذلك امتلكت القوة لتكوين الحضارة وتكوين الأمة، إن الكفر في العرب مثلا ليس أصيلا بل قصة ابراهيم واسماعيل تدلان على انتشار الايمان فيهم ثم بعد ذلك جاءت عبادة الأصنام، فدخل المبتدعة لأن فساد الأديان دائما يبدأبالمبتدعة قديما وحديثا، المبتدعة الذين لا يقفون عند حد، المبتدعة الذين لا يحترمون نصوص القرآن هم الكارثة العظمى على الاسلام. الاسلام لم يؤت من طرف الكفرة بقدر ما يؤتى من قبل المبتدعة المضلين وما أكثرهم. إذن هؤلاء كانوا على ايمان ثم كفروا فأذاقهم الله تعالى وبال أمرهم وتجرعوه وتذوقوا الحسرة بعد ذلك، ولكن بعد فوات الأوان.

هذا الذي يدخل في كتاب الله عزوجل يصدق على الشعوب القديمة قبل الإسلام ثمود وعاد، وقصص القرآن الكريم عن فرعون، عن أهل اليمن، عن  الحضارات السابقة عموما وصدق فيما بعد حينما وجد الإسلام نفسه دولة، حيث وجد نفسه أمام حضارتين عظيمتين، المدنيّـة  الرومانية والفارسية، وكل مدنية كانت ترى أن هذه الأرض لا تتسع لها، فضلا عن أن تتسع لحضارات أخرى كانت الخلافات قائمة بين الفرس والروم قديما، يتطاحنان دائما ثم جاء الإسلام فإذا به يشكل خطرا على الفرس والروم معا فمات الجميع لكن الاسلام هو الذي بقي، وزالت المدنية الرومانية والفارسية لأنها كانت قد استهلكت قوتها، فصارت دولة الفرس تتآكل داخليا وأصبحت تنمحي بإشعاع هذا الاسلام، لأن الناس خرجوا من مرحلة الكفر لم يكونوا مستعدين لأن يعودوا له. إذن كل هؤلاء كانوا سوقا للاسلام، فلما قام الجهاد فإذابهم كلهم مسلمون.

حكم  التاريخ على المملكة البيزنطية بأن تنتهي لصالح انتشار الاسلام، فعم الاسلام الآفاق كلها حتى الجهات التي تمنعت مدة من الزمن وهي التي بدأت حروبها مع الاسلام من زمن هرقل الذي عاش من سنة 610م الى 670م تقريبا من يومئذ والحرب سجال، ولكن النتيجة حسمت لصالح الاسلام وفي سنة 1453م كانت النهاية الأخيرة لهذه المملكة وفتحت القسطنطينية، وعم الاسلام يومئذ، وانتقل الى جهات أخرى، هذا وقع أيضا مع الفرس، فانتهت مدنية أخرى، وفي الأندلس كان الفاتحون يمرون كما لو كانوا يقضون عطلة أو رحلة سياحية، أي لم تكن المقاومة كبيرة، لأن الجميع كانقد مَلَّ حياة الفساد فاستسلمت الأرض للمسلمين، وعم واستمر الاسلام، وبقدر قوة الاسلام وثباته استقر، وحين فسَد المسلمون زال من تلك الديار.

ضعف المسلمين وتفرقهم هو الذي يمنح الأعداء قوة مصطنعة

هذا أيضا يمضي في تاريخ البشرية الى الآن، وقد سقطت امبرطورية أخرى الأمبرطورية الشيوعية لأنها لم تكن تملك مقومات البقاء والاستمرار، وسقطتْ شرّ سقطةٍ بكيفية مفاجئة، وتفرق أهلها شذر مدر، ولازالت البقية تأتي، وأوروبا الآن هي في موقف مواجهة الاسلام، فهي أيضا مرشحة لأن يجري  عليها ما جرى للشعوب السابقة، لأن الكفر هو سبب كل المشاكل، نعم أوروبا تقف مواجهةً العالم الاسلامي، وقوتها ليْسَت من ذاتها لأنها مكتسبة من ضُعْف المسلمين الذين لا يملكون طعاما، فهم جياع يستجدون متخلفون لا يصنعون سلاحا، مستعمرون لا يصدرون بأنفسهم قرارا مستقلاً، فهم بضعفهم الذين يعطون لأوروبا القوة، لو أن المسلمين كانت لهم نصف قوة أروبا الآن لما كان لأوروبا سبب للوجود، أوروبا اختزنت التكنولوجيا، واخترعت من التجارب الشيء الكثير فوصلت الى تسليح نفسها ووصلت الى أشياء كثيرة، كان المسلمون حينئذ نائمين ومتفرقين متخاذلين ولازالوا إلى الآن، فبهذا التخلخل يعطون أوروبا فرصتها وإلا ما معنى أن أوروبا تتخوف من دول صغيرة جدا من أن تنهض، وترد الصاع صاعين، تتخوف من أن ترى دولة مسملة قوية، إنها تقبلها دولة عصرية إباحية مستبدة فقط.

مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>