حكومة التناوب في “رحاب” العولمة


بماذا يمكن فهم وتفسير ما وقع بالمغرب في عقد التسعينات، والذي شكلت 1996 وتصويت ما كان يسمى أحزاب الكتلة على الدستور الممنوح بالإيجاب، محطته المكشوفة وهي المحطة التي سيُكشف بعدها وبالضبط سنة 1999 عن مخطط كامل مع مجيء حكومة التناوب؟ ما علاقة هذا بالتحولات التي يعرفها العالم؟ ألا يمثل ذلك جزءاً من سيناريو الاستجابة لمقتضيات النظام الدولي الجديد؟ ثم ألا تعتبر القوى المشاركة في أحداث هذا العقد القوى المناسبة ذاتيا لفترة وزمن النظام الدولي الجديد؟ أي ألم تكن هي القوى المؤهلة فعلا لتنفيذ برامج نظام العولمة؟

تلك جملة أسئلة نحاول إلقاء بعض الضوء عليها عسانا نفهم بعضا مما يحدث الآن في الساحة الثقافية والتعليمية والتشريعية ببلدنا.

لا أحد يستطيع أن ينفي أن برنامجا ما مفروضا من أعلى يجري تنفيذه لا يمت بصلة إلى الاهتمامات الحقيقية للشعب المغربي ومشاكله، الآني منها والاستراتيجي، وهو برنامج يتشكل من حلقات يربطها خيط ناظم هو قيم النظام العولمي الثقافي والاقتصادي، نذكر منها على سبيل المثال خطة إدماج المرأة وميثاق التربية وا لتكوين، ومدونة الشغل، والاتفاقية الخاصة بحقوق الطفل.. وهي في الحقيقة معطيات تجعل الأسئلة المفتاح التي صدّرنا بها حديثنا مشروعة.

وتأسيسا على ذلك نتساءل مرة أخرى : ألم يكن ما حدث في عقد التسعينات الذي توّج بظهور حكومة التناوب على الصرح السياسي المغربي، حدث بهدف شق الطريق وتعبيده أمام القوى السياسية المؤهلة لمعانقة المشروع الثقافي للعولمة؟

إن ما يحدث داخل الجهاز الحكومي، وما يتم إعداده من برامج ومشاريع قوانين بالإضافة إلى ما يتم الإعلان عنه من مواقف في أكثر من مناسبة ومن أكثر من مسؤول حكومي أو حزبي يؤكد ذلك ويدعمه.

فالحكومة الحالية التي هي نتيجة خليط من الأحزاب،  وهوخليط يسميه البعض بالهجين وهو في الواقع ليس كذلك إذا استحضرنا أن قوى اليسار عامة والمشاركة منها في الحكم خاصة، لم يبق لها من “اليسارية” إلا مهارة الاستهلاك لتجارب الآخر وقيمه واستنساخها، الأمر الذي يجعلها مؤهلة لأداء دور المنفذ الأمين -وتبعا لها الحكومة التي ترأسها- لبرامج العولمة التي هي رأسمالية متوحشة بامتياز.

إذا أضيف إلى ذلك تقاطع الايديولوجيتين اليسارية واللبرالية، في الموقف العدائي والإقصائي للدين وقيمه، تكتمل عوامل هرولة حكومة التناوب وقوى اليسار معها نحو قيم العولمة الرأسمالية المتوحشة، وهي القيم التي تتبناها وتنشرها وتعمل على تنفيذها تحت عناوين مزيفة وخداعة كالحداثة والتحديث وحقوق الإنسان والمجتمع المدني..

لقد كانت الرأسمالية في ثوبها الجديد، على موعد مع التاريخ بالمغرب حين استغلت الفرصة -إن لم تكن هي صانعتها- فأمطرت المغرب -وبإدارة حكومة التناوب الحداثية جدا- بوابل من الخطط والمشاريع من أجل التنفيذ والتطبيق بقصد إلحاق المغرب بكوكبة المهرولين إلى حضيرة القرية الكونية التي تتربع على عرشها أمريكا، التي توزع بطائق الانتماء على تلك الحضيرة.

لم يكن غريبا إذاً أن تتبنى حكومة التناوب، المشاريع الصادرة عما يسمى (المؤسسات الدولية) وهي مؤسسات كانت تنعت عند رفاق التناوب بالأمس بالإمبريالية والاستعمارية وبشتى النعوت القدحية أيام نظرية (التبعية وفك الارتباط) التي رماها الرفاق وراء ظهورهم.

لقد أصبحت تعليمات المؤسسات (العالمية) الاقتصادية والثقافية كالبنك العالمي، ومنظمة التجارة، والمؤتمرات الدولية… هي الحداثة، وتطبيقها هو التحديث والعصرنة في العرف الجديد لأولئك وللحكومة التي يترأسونها!!!

إن ما حدث ويحدث ببلدنا يشكل جزءا من برامج مرحلة ما بعد الاستعمار بتعبير المفكر الكبير المهدي المنجرة، فهل تعي القوى الحية بهذا البلد ذلك؟

حسن العلوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>