المبادئ والنظريات التي تنتظم سياسة أمريكا الخارجية (2/1)


بعد أن أخذ المد الاستعماري في الانحسار بمعدلات سريعة في العقود الوسطى من القرن العشرين ، وغابت شمس الإمبراطورية البريطانية التي تركت وراءها ميراثاً ما كان لأحد أن يملأه غير أمريكا التي أصبحت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي إحدى القوتين الأعظم اللتين سيطرتا على العالم ، ثم تفردها بهذه السيطرة كأكبر قوة مهيمنة على مجريات السياسة الدولية ، أصدر عدد من الرؤساء الأمريكيين ما أصبح يعرف بالمبادئ أو النظريات التي تنتظم السياسة الخارجية للولايات المتحدة والتي اقترنت بأسمائهم ، منها ما نجح في تطبيقاته مثل مبدأ مونرو الذي صدر عام 1823م والذي عارض فيه انتشار النفوذ الأوروبي في القارة الأمريكية ، ومبدأ ترومان الذي استهدف منع انتشار الشيوعية عن طريق منح المساعدات الاقتصادية للدول المستهدفة لها ، والذي انبثق عنه مشروع “مارشال” الخاص بإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ، وكذلك مبدأ أيزنهاور الذي نادى بملء الفراغ في منطقة الشرق الأوسط بعد انحسار الاستعمار البريطاني عنها ، ومنها ما فشل بدرجة أو بأخرى في محاولة تطبيقه مثل مبدأ ريجان ومبدأ بوش الأب ومبدأ كلينتون .

وقد ظهرت تلك المبادئ أو النظريات لتعالج أوضاعاً كانت تفرض على الرؤساء الأمريكيين أن يضعوا قواعد ومرتكزات تصاغ في صورة مبادئ ونظريات تنطلق منها أمريكا في التصدي لتلك الأوضاع والتعامل معها على نحو يحفـظ التوازن الذي ينتظم العلاقات بين المعسكر الرأسمالي الذي كانت تتزعمـه أمريكا والمعسكر الاشتراكي الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفييتي .

وعلى الرغم من التناقض الشديد بين القواعد التي كان ينطلق منها كلا المعسكرين آنذاك في صياغة الأهداف التي يسعيان لتحقيقها والمبادئ والنظريات التي يضعانها ويسترشدان بها لبلوغ تلك الأهداف ، فإن الدراسة التحليلية لتلك المبادئ تظهر أن هناك قاسماً مشتركاً كان يجمع بين توجهات المعسكرين في هذا المجال سواء من حيث الظروف التي صاحبت نشأتها أو الأسباب التي دعت إليها أو الأهداف المرجوة منها أو النتائج التي أدت إليها .

ويتلخص هذا القاسم المشترك في أن كلا منهما كان يسعى للحفاظ على تحالفاته وتقويتها وعدم السماح بتعرضها لأسباب التخريب والتدمير سواء من الداخل أو الخارج ، مستخدماً في ذلك كل الإمكانات المتاحة لديه بما في ذلك القوة المسلحة . فكما نادى مبدأ ترومان بالتصدي لانتشار الشيوعية لبلدان أخرى عن طريق منح المساعدات العسكرية ، نرى مبدأ بريجينيف الزعيم السوفييتي ينادي باستخدام القوة العسكرية في التصدي لأي محاولات تستهدف تدمير التحالف القائـم بين دول حلف وارسـو سواء أتت تلك المحاولات من خارجالحلـف أو من داخله .

والواقع أن توجه الرؤساء الأمريكيين لوضع مبادئ تنتظم السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة ، أصبح الشغل الشاغل للإدارات الأمريكية المتعاقبة ، ذلك التوجه الذي أفرز الكثير من الأفكار التي جانبها الصواب في أغلب الأحيان ، وبخاصة في فهم التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي كان يتعرض لها العالم الثالث ولا يزال خلال هذه الحقبة من التاريخ .

ولسنا هنا بصدد الحديث عن تلك الأفكار والتوجهات لذاتها ، وإنما بالقدر الذي يعيننا على فهم المبادئ والمرتكزات التي تحاول الولايات المتحدة أن تبني عليها سياستها الخارجية ، وبخاصة ما يتصل بإعلانها الحرب على الإرهاب بعامه ، وما يطال عالمنا العربي والإسلامي من هذا الإعلان بخاصة .

الدرع الصاروخي والحرب

على الإرهاب هما الوسيلة لحماية أمريكا

فمنذ أن تسلم رئاسة أمريكا ، راح بوش يعمل وبشكل مكثف على تنفيذ مشروع الدرع الصاروخي الذي يستهدف حماية الولايات المتحدة من أي عدوان صاروخي محتمل ، بحجة أن هناك دولاً أسماها بـ “المارقة” تمتلك قدرات نووية تمكنها من صنع أسلحة نووية وصواريخ عابرة للقارات مثل إيران وليبيا والعراق ، وأن هذه الدول التي تناصب أمريكا العـداء يمكن أن تشكل خطـراً نووياً محتملاً عليها .

والآن ، وبعد أن تعرضت أمريكا في 11 سبتمبر 2001م – ولأول مرة في تاريخها – للهجوم في عقر دارها ، والذي طال أعظم رموز قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية وأصاب هيبتها وكبريائها في الصميم ، بات على الولايات المتحدة أن تضع سياسة واضحة المعالم محددة الأهداف تحاول من خلالها مواجهة الأخطار الحقيقية التي أصبحت تهددها ، ليس فقط من دول خارجية “مارقة” كما تسميها ، وإنما من داخل أمريكا ذاتها .

ويبدو أن الصدمة التي تلقاها المجتمع الأمريكي نتيجة هذاالهجوم تفوق بكثير صدمة الهجوم الياباني الذي وقع على بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية ، والذي استهدف تدمير الأسطول الأمريكي الذي كان مرابطاُ في الميناء . فلم تكن أحداث 11 سبتمبر الماضي عملية عسكرية ضد أهداف عسكرية ، وإنما كان هجوماً إرهابياً انتحارياً استُخدمت فيه طائرات مدنية ضخمة بركابها في ضرب أهداف اقتصادية وأمنية وسياسية استراتيجية ، تفوق في قيمتها المعنوية والنفسية أضعاف الخسائر المادية الفادحة التي لم يستطع الشعب الأمريكي أن يتخيلها.

الرئيس الأمريكي يعلن الحرب على الإرهاب

كذلك ، يبدو أن شدة الصدمة وهول الحدث أوجدت لدى الشعب الأمريكي وحكومته شعوراً قويا بأن هيبـة أمريكا ومكانتهـا في العالم قد تعرضت للمهانة ، الأمر الذي لا يمكن تجاوزه إلاّ بالاقتصـاص القاصـم والسريع ممن ارتكبـوا تلك الجريمة البشعة .

وتحت وطأة هذا الشعور ، قام الرئيس بوش بإعلان الحرب على الإرهاب دون أن يعطي لنفسه ولا للجهات المختصة في إدارته الوقت الكافي لتحديد من هو العدو الذي يستهدفه من هذه الحرب ، فضلاً عن أن الإدارة الأمريكية وكذلك هيئة الأمم المتحدة لم تتوصلا من قبل إلى تحديد جامع لمفهوم الإرهاب . ويبدو أن هذا الإعلان كان أقل ما يمكن أن يفعله بوش في تلك الظروف العصيبة التي بدا فيها الرأي العام الأمريكي غاضباً متشوقاً لإيقاع قصاص شديد وسريع ممن خططوا لذلك الهجوم الإرهابي البشع وأشرفوا على تنفيذه ، وعلى الذين ساعدوهم في ذلك ووفّروا لهم الملاذ الآمن .

والواقع أن رد فعل الرئيس بوش السريع على أحداث 11 سبتمبر 2001م وردود فعل الإدارة الأمريكية بعامة عليها ، يثير العديد من التساؤلات التي تحتاج إلى تفسير لعل من أظهرها :

هل ينطوي إعلان بوش الحرب على الإرهاب على ظهور مبدأ سياسي جديد يرقى إلى مستوى نظرية تنتظم السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية ؟ وهل تتوافر في هذا الإعلان كل العناصر والمقومات الموضوعية التي تعطيه صفة المبدأ أو النظرية ؟ وما تلك المقومات والعناصر ؟ وهل حدّد بوش خصائص العدو الذي يتوجب محاربته ؟ ثم وقبل كل شيء ، ما مفهوم الإرهاب في نظر بوش والإدارة الأمريكية ؟ .

أخطاء بوش في تحديد

مفهوم الإرهاب

في أول تعليق له على الهجوم ، صرح بوش : بأن الهجوم الذي وقع على نيويورك وواشنطن هو عمل إرهابي اعتباطي جبان ، كما يعتبر اعتداءً خطيراً على كل ما تمثله أمريكا من قيم ومفاهيم ، الأمر الذي رأى فيه المحللون السياسيون أن تقويم بوش للهجوم على هذا النحو قد جانبه الصواب ، وإنه ينطوي على أخطاء ثلاثة ما كان له – كرئيس دولة – أن يقع فيها :

أولها – وصفه للذين قاموا بهذا الهجوم بأنهم مجرد أناس جبناء لا أخلاق لهم ولا قيم أمر لا يمكن التسليم به على إطلاقه ، ذلك أنه إذا جاز هذا الوصف على من يقوم بمثل تلك الأعمال المروعة بهدف الحصول على مكاسب مادية أو معنوية ، فإنه بالقطع لا يجوز على أولئك الذين ضحوا بأرواحهم للقيام بمثل تلك العمليات الانتحارية ، فأغلب الظن أن الذي دفعهم لارتكابها هو أسباب ودوافع أكثر التصاقاً بخاصة العقائدية المتطرفة منها لأي هدف نفعي .

وثانيها – أن وصف بوش لتلك الأحداث بأنها مجرد أعمال اعتباطية ، هو من قبيل التقويم الخاطئ الذي لا يتفق مع الواقع . ذلك أن قيام أربع مجموعات بالاستيلاء على أربع طائرات مدنية ضخمة خلال فترات زمنية منسقة ، وتخطيها لكل الحواجز الأمنية في المطارات التي أقلعت منها ، وتوجهها بالطائرات المختطفة في مسارات لم تستطع المراقبة الأرضية التنبؤ بوجهتها الحقيقية ، والقيام بتنفيذ هجماتها على النحو المدمر الذي تمت فيه -كل ذلك يعكس الدقة المتناهية التي كان عليها هؤلاء “الإرهابيون” سواء في التخطيط للهجمات أو في تنفيذها ، الأمر الذي لا يستقيم مع وصف بوش لها بالاعتباطية .

وثالثها – إن تقويم بوش لتلك الهجمات الإرهابية ، باعتبارها اعتداءات صارخة على كل ما تمثله الولايات المتحدة من قيم ومفاهيم وثقافة وتحضر ، هو تقويم خاطئ من شأنه أن يشعر المجتمع الأمريكي بقدر كبير من الإحباط ، فليس من المقبول في شيء أن يعطي الرئيس الأمريكي لشعبه انطباعاً كهذا لمجرد وقوع هجوم إرهابي لم تنجح إدارته في وضعه ضمن قائمة الاحتمالات ، ومهما كانت الخسائر التي نجمت عنه مروعةً وفادحةً .

وهكذا ، يبدو واضحاً أن بوش حين أعلن الحرب على الإرهاب لم تكن فكرة تحويل هذا الإعلان إلى نظرية أو مبدأ قد تبلورت في ذهنه على نحو حاسم .

صحيح أن الإرهاب الدولي قد شغل حيزاً كبيراً من اهتمام الرئيس بوش ، وصحيح أن هذا الاهتمام كان يتعاظم بتعاظم الدور الذي تلعبه السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في العالم ، وصحيح أن الاعتداءات التي تعرضت لها المصالح الأمريكية في عدد من البلدان الآسيوية والإفريقية خلال السنوات القليلة الماضية دفعت بالمطبخ السياسي الأمريكي للتفكير الجاد في اتخاذ إجراءات حاسمة ضد من تشك بأنهم كانوا وراء العمليات الإرهابية التي طالت المصالح الأمريكية ، غير أن ما هو صحيح أيضاً أن التفكير في تلك الإجراءات لم يصل إلى حد التفكير الجاد بقضية الإرهاب على النحو الذي هو عليه الآن . وهذا يعني أن شرط توافر المقومات الضرورية لتكوين مبدأ أو نظرية في الإرهاب لم تكن قد نضجت بعد ، لا في ذهن الرئيس بوش ، ولا في ذهن صناع القرار الآخرين في إدارته .

إعلان مبدأ بوش

والمعايير التي تحكمه

في أعقاب أحداث 11 سبتمبر الماضي ، أعلن الرئيس بوش أمام الكونجرس الأمريكي : إنه من الآن فصاعداً ، سوف تُعتبر كل دولة تستمر في إيواء الإرهاب أو تساعده ، دولة معادية . كما صرح في أوقات لاحقة ولأكثر من مرة : إن أمام دول العالم خيارين لا ثالث لهما : فإما أن تكون معنا ضد الإرهاب وإما أن تكون مع الإرهاب ضدنا ، وسوف يكون مصيرها في هذه الحالة مصير الإرهاب .

وهكذا وضع بوش مبدأه أمام اختبار حاسم وسريع يتمثل في الحرب الدائرة حاليا في أفغانستان ضد أسامه بن لادن وتنظيم القاعدة الذي يتزعمه وحركة طالبان الحاكمة – باعتبار أن هذه الأطراف هي المسئولة عن الهجوم الذي وقع على نيويورك وواشنطن – دون أن تتوافر لديه الأدلة القاطعة التي تدين أسامة بن لادن المتهم الأول في ذلك الهجوم .                   -يتبع-

محيط  : موسى راغب

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>