قضايا دعوية : تأملات في نشأة الجيل الأول الأنصار.. جندية كاملة للدعوة الجديدة


صدر للأستاذ محمد قطب آخر كتاب في طبعته الأولى سنة 2000 بعنوان : “كيف ندعو الناس؟ في 192 صفحة عن دار الشروق، ولأهميته فيما يتصل بفقه الدعوة، يسر المحجة أن تقدمه لقرائها في حلقات لعدم وجوده في الأسواق المغربية لحد الآن.

… حين جاء الأنصار اتسعت القاعدة وحدث تحول في التاريخ.

ولنا هنا وقفة عند هذه القضية..

من هم الأنصار؟

هل هم جماهير متحمسة، ألهب حماستها الإعجاب بشخص الرسول ، والتعاطف مع هذه الفئة الفذة من البشر، الذين صبروا على الابتلاء، هذا الصبر الطويل الجميل، وثبتوا رغم الصعاب وشدة البلاء؟!

أم هم جنود جاءوا يعرضون جنديتهم على القائد، ويدخلون في صف المجاهدين؟

ما أبعد الشقة بين هذا الوضع وذلك في خط سير الدعوة!

لاشك أن الحب لرسول الله  كان قائماً في قلوبهم، من كثرة ما رأوا وسمعوا عن خصالهالكريمة ، وقد كان نموذجاً فريداً في البشر، لا يدانيه أحد ممن عرفوه أو سمعوا عنه خلال التاريخ. ولا شك أن التعاطف مع المعذبين في الأرض، كان قائماً في قلوبهم، من كثرة ما رأوا وسمعوا من ألوان التعذيب، وألوان الصبر على التعذيب.

ولكن هذا وذاك لم يكن الدافع الأوحد الذي يحركهم، إنما حركهم ابتداءً أنهم آمنوا أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.. آمنوا بالله رباً، وبمحمد  رسولاً، وبالإسلام ديناً، فجاءوا يبايعون على السمع والطاعة، وعلى الموت والحياة.

قال لهم رسول الله  : >تمنعوني؟< قالوا: نمنعك مما نمنع منه نساءنا وأطفالنا، وقالوا : لو استعرضت بنا الصحراء قطعناها، ولو خضت بنا هذا البحر خضناه.

جندية كاملة للدعوة الجديدة..

لم يأن بعد أوان >الجماهير<! إنما يأتون في موعدهم المقدر عند الله.

ولكن ماذا لو كان الأنصار رضي الله عنهم، مجرد جماهير متحمسة، جاءت بدافع الحماسة والحب والتعاطف فحسب.. هل كانت حماستهم تصبر على أهوال الطريق؟ هل كانت تصبر للصدام حين يأتي الإذن من الله العلي القدير برد العدوان؟!

أما أن الرسول  كان سيفرح بدخولهم في الدعوة واعتناقهم الإسلام، فأمر لانظنه موضع شك.. وأما أن المؤمنين من أهل مكة كانوا سيفرحون برؤية إخوان لهم في العقيدة، فأمر لانظنه كذلك موضع شك.. أما أن الرسول  كان سيتحرك بهم في خط الدعوة، فأمر يحوطه الشك الكثيف، ودليله سؤال الرسول  لهم : >تمنعوني؟< فالسؤال لم يكن بلا إيمانهم، وقد جاءوا يعرضونه صريحاً مواربة، إنما كان عن خطوة أخرى وراء الإيمان، وهي تجنيدهم أنفسهم لما آمنوا به وعرفوا أنه الحق.

لم يكن الرسول  سيتحرك بهم، لو أنه رأى من أحوالهم أنهم مجرد جماهير متحمسة، لم تجند نفسها بعد للدعوة،. ولم يكن سيعتبر أن القاعدة قد اتسعت بتلك الجماهير المتحمسة التي آمنت -نعم- ولكنها لم تجند نفسها لاحتمال التكاليف.

متى جنّد الأنصار أنفسهم للدعوة؟

قلنا من قبل : إن النار التي اصطلى بها المؤمنون في مكة، هي النور الذي استضاء به الأنصار في المدنية، فجاءوا يعرضون أنفسهم لنصرة رسول الله  والدين الجديد.

لقد جاءوا بقدر من الله -نعم- ولكن بسنة من سنن الله كذلك.

إن وجود النموذج الواقعي، الذي يشهد للدعوة الجديدة، هو النواة التي يحدث حولها التجمع، ويحدث التجمع تلقائياً حول النواة >الأم<، ثم يتسارع بعد ذلك، كلما زاد حجم النواة.. سنة ربانية في الكون المادي وفي حياة البشر سواء!

والنواة الأم كانت هي الجماعة المؤمنة التي تكونت في مكة حول رسول الله ، والتي شكلها الوحي المنزل من عند الله، وصقلها المربي العظيم  بما أضفى عليها من روحه، وأعطاها من جهده، وتابع نموها بصبره وجلده وسعة صدره وحكمته وبصيرته.. ثم جاءت الابتلاءات فزادتها صقلاً وصلابة وقرباً من الله.

ومن خلال {كفوا أيديكم} تكونت النواة الأم التي صنعت التاريخ!

ولو كان المؤمنون قد دخلوا في معركة مع قريش في مكة، لتأخر كثيرا تكون النواة الأم، ولتغيرت كثيرا صفاتها التي اكتسبتها، وذلك فوق الغبش الذي كان سيصيب قضية لا إله إلا الله، حين تتحول إلى قضية ضارب ومضروب، وغالب ومغلوب، ولتأخر كذلك التجمع الصلب حول النواة الصلبة المصقولة المتينة البناء.

ما تم حتى الآن من خلال{كفوا أيديكم}

لقد تمت أمور على غاية من الأهمية في مسيرة الدعوة.

< تم تحرير موضع النزاع، إن صح التعبير.. إنه قضية >لا إله إلا الله< دون غيرها من القضايا..

ليس الصراع الدائر بين قريش وبين المؤمنين على سيادة أرضية، ولا على السلطة السياسية (وقد عُرضت السلطة على رسول الله  فأباها، وأصرّ على “لا إله إلا الله”، والمؤمنون من جانبهم لم يتحركوا حركة واحدة، تهدف إلى الاستيلاء على السلطة)..

ليس الصراع على >شرف< سدانة البيت، ولا >وجاهة< خدمة الحجيج..

ليس على القوة الاقتصادية التي تملكها قريش وحدها دون المؤمنين، وتحارب المؤمنين من خلالها بالحصار والتجويع، والمؤمنون لايتعرضون لها من قريب ولا بعيد.

الصراع كله على القضية الكبرى التي هي -والتي يجب أن تكون دائماً- القضية الأولى، والقضية الكبرى في حياة الإنسان، قضية من المعبود؟ ومن ثم من صاحب الأمر؟ من المشرع؟ من واضع منهج الحياة؟ قريش تريدها حسب أهوائها وخيالاتها وموروثاتها وأعرافها، والمؤمنون حول رسول الله  يريدونها لله.

< وتم تركيز الجهد وتوفيره لتربية القاعدة الصلبة، التي ستحمل البناء(1).

< وتم تحرير قضية >الشرعية<، بتفصيل الآيات واستبانة سبيل المجرمين.

< وتم أخيراً اتساع القاعدة بالجنود الذين استضاءوا بالنار التي اكتوى بها أهل النواة الأم، فتجمعوا بقدر من الله، وبحسب سنة من سنن الله، حول تلك النواة، مضيفين إليها قوة حقيقية في الصراع.

< ثم تم أمر آخر بالغ الأهمية كذلك، هو التجرد لله.

إن التجرد لله عنصر من أهم العناصر التي تحتاج إليها الدعوة، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، بالنسبة للقاعدة بصفة خاصة، وبالنسبة لجميع العاملين على وجه العموم.

ولقد تعمق التجرد لله في قلوب الصفوة المختارة، خلال فترة التربية في مكة، من خلال الآيات المنزلة من عند الله، تدعو إلى إخلاص العبادة لله، ومن خلال القدوة المباشرة في شخص الرسول ، يعلمهم بالسلوك العملي كيف يكون إخلاص العبادة لله.

فأما رسول الله  فقد أدبه ربه فأحسن تأديبه.

كان عليه الصلاة والسلام، في مبدأ قيامه بالدعوة، شديد التأثر بتكذيب الناس له، شديد الحرص على هدايتهم، شديد الحزن عليهم بسبب إعراضهم عن الهدى الرباني، وذلك بما فُطر عليه  من حب الخير لجميع الناس.

وكان الوحي يتنزل عليه ، لتسليته والتسرية عنه : {قَدْ نعلمُ أنه ليحزُنُك الذي يَقُولون فإنّهم لا يُكَذِّبُونك ولكن الظّالمِين بآياتِ الله يجْحدون}(الأنعام : 33). {واصْبر وما صَبرك إلا بالله ولا تحْزَن عليهم ولا تَكُ في ضيْق ممّا يَمْكرون}(النحل : 127).

ويتنزل الوحي لصرفه  عن شدة الحزن، وشدة التطلع لآية من عند الله تجعلهم يؤمنون : {فلعَلَّك باخِعٌ نَفْسك على آثارِهم إن لم يُؤمِنُوا بهَذَا الحَدِيثِ أسفاً إنّا جعلنا ما على الأرضِ زِينَةً لها لنبلوهُم أيُّهم أحْسن عملاً وإنّا لجاعِلون ما عليها صعيداً جُرُزاً}(الكهف : 6 – 8). {وإن كان كَبُر عليك إعراضُهم فإن استطَعْت أن تبْتغي نفَقَا في الأرض أو سُلَّماَ في السَّماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهُم على الهدى فلا تكوننّ من الجاهلين، إنّما يستجيب الذين يسْمَعُون والمَوتَى يَبْعَثُهم الله ثم إليه يُرجَعُون}(الأنعام : 35 – 36).

ويتنزل الوحي ليقول للرسول  : إن مهمته هي البلاغ فحسب، أما النتائج فمن صنعالله وحده : {إنك لا تهْدي من أحْببت ولكنّ الله يَهْدي من يشاءُ وهو أعلمُ بالمُهْتدين}(القصص : 56).

ومن أشد ما يلفت النظر في هذا الشأن، أنه في خلال فترة التربية في مكة، لم يتنزل وعد واحد بالنصر لشخص الرسول ، إنما كان يقال له : {وإنّ ما نُرينَّك بَعْض الذي نعِدُهم أو نوفينّك فإنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب}(الرعد : 40). بينما كان النصر والتمكين لهذا الدين مستيقناً عند رسول الله .

يقول خباب بن الأرت رضى الله عنه : شكونا إلى رسول الله  وهو متوسد بُردة له في ظل الكعبة، فقلنا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ (وذلك لما اشتد إيذاء المشركين للمؤمنين في مكة) فقال  : >قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيُحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار، فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دن لحمه وعظمه، ما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمنّ الله هذا الأمر، حتىيسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون<(رواه البخاري).

وبتوجيهات الوحي، تجرد قلب الرسول ، حتى من رغبة التمكين لهذا الدين أثناء حياته، وتجرد للبلاغ. ثم ربّى رسول الله  أصحابه على التجرد لله، حتى خلت نفوسهم من حظ نفوسهم، كما تحكي عنهم كتب السيرة، وصار همهم كله أن يخلصوا العبادة لله.

ولما علم الله من قلوبهم أنها تجردت له، مكّن لهم في الأرض، وأذن لهم في رد العدوان : {أُذِنَ للّذِينَ يُقاتلون بأنّهم ظُلِموا وإن الله على نَصْرِهم لقَدِير، الذِين أُخْرجوا من دِيارهم بغير حقّ إلا أن يقُولوا ربّنا الله ولولا دفاع الله النّاس بعضَهم ببعض لهُدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجِد يُذْكر فيها اسم الله كثيراً ولينصُرنّ الله من ينصُره إن الله لقويٌّ عزيز، الذين إن مَكّناهم في الأرض أقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة وأمروا بالمعروف ونهوْاعن المنكر ولله عاقبة الأمور}(الحج : 39).

——

(1) سنتكلم عن عملية التربية في عدد قادم.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>