تفقه في دينك : كيف يتخلص المسلم من المال الحرام؟


أثارت فتوى الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية بعدم جواز التصدق بالمال الحرام ردود فعل متباينة بين العلماء وأساتذة الاقتصاد حيث اعترض عدد كبير منهم على الفتوى وأكدوا أنها تمثل إهداراً لأموال طائلة جمعت من أنشطة محرمة ولا يعرف أصحابها كيف يتخلصون منها… إلى جانب أنها تشجع على الاحتفاظ بالمال الحرام ولا تعطي لصاحبه الفرصة للتخلص منه والتوبة عن كل ما هو حرام.

طرحت >الاقتصاد الاسلامي< قضية المال الحرام وكيفية التخلص منه للمناقشة مع عدد من علماء الشريعة والاقتصاد الإسلامي فكان هذا التحقيق :

في البداية يؤكد الشيخ عطية صقر الرئيس السابق للجنة الفتوى بالأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية أن الله سبحانه وتعالى نهانا عن أكل الحرام، وقرر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله لا يقبل التصدق إلا بالمال الحلال، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وأن القليل من الحرام في بطن الإنسان أو على جسمه يمنع قبول الدعاء، ويؤدي في الآخرة إلى النار.. والمال الحرام يجب التخلص منه عند التوبة وذلك برده إلى صاحبه أو إلى ورثته إن عرفوا، وإلا وجب التصدق به تبرؤا منه لا تبرعاً للثواب.

ويستشهد الشيخ عطية صقر بما ذكره الإمام الغزالي في كتابه “الإحياء” في خروج التائب عن المظالم المادية فيقول : فإن قيل ما دليل جواز التصدق بما هو حرام، وكيف يتصدق بما لا يملك وقد ذهب جماعة إلى أن ذلك غير جائز لأنه حرام، وحكى عن الفضيل أنه وقع في يديه درهمان فلما علم أنهما من غير وجهها رماهما بين الحجارة وقال : لا أتصدق إلا بالطيب، ولا أرضي لغيري مالا أرضاه لنفسي.

فنقول -والكلام للإمام الغزالي- : نعم ذلك له وجه احتمال، وإنما اخترنا خلافه للخبر والأثر والقياس.

فأما الخبر فأمر رسول الله  بالتصديق بالشاة المصلية التي قدمت إليه فكلمته بأنها حرام، إذ قال  : >اطعموها الأسارى<.. والحديث قال فيه العراقي : رواه أحمد وإسناده جيد، ولما نزل قول الله تعالى : {آلم. غلبت الروم في أَدْنَى الأرضِ وهُمْ من بعْدِ غَلَبِهم سيغلبون}(الروم : -1 3)، كذبه المشركون وقالوا للصحابة : ألا ترون ما يقول صاحبكم؟ يزعم أن الروم ستغلب، فخاطرهم -أي راهنهم- أبو بكر ] وسلم فلما حقق الله صدقه وجاء أبو بكر بما قامرهم به قال  : >هذا سحت فتصدق به< وفرح المؤمنون بنصر الله، وكان قد نزل تحريم القمار بعد إذن الرسول له في المخاطرة مع الكفار.

وأما الأثر فإن ابن مسعود اشترى جارية فلم يظفر بمالكها لينقده الثمن، فطلبه كثيراً فلم يجده فتصدق بالثمن وقال : اللهم هذا عنه إن رضي، وإلا فالأجر لي.. وروى أن رجلاً سولت له نفسه فَغَلَّ مائة دينار من الغنيمة ثم أتى أميره ليردها عليه فأبى أن يقبضها وقال له : تفرق الجيش، فأتى معاوية فأبى أن يقبض، فأتى بعض النساك فقال : إدفع خمسها إلى معاوية وتصدق بما بقى.. فلما بلغ معاوية قوله تلهف إذ لم يخطر له ذلك.. وذهب أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وجماعة من الورعين إلى ذلك.

وأما القياس فهو أن يقال : إن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير، إذ قد وقع اليأس من مالكه، وبالضرورة يعلم أن صرفه إلى خير أولى من إلقائه في البحر، فإذا رميناه في البحر فقد فوتناه على أنفسنا وعلى المالك ولم تحصل منه فائدة، وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه حصل للمالك بركة دعائه، وحصل للفقير سد حاجته، وحصول الأجر للمالك بغير اختياره في التصدق لا ينبغي أن ينكر، فإن في الخبر الصحيح أن للغارس والزراع أجراً في كل ما يصيبه الناس والطيور من ثماره وزرعه، وذلك بغير اختياره، وأما قول القائل : لا نتصدق إلا بالطيب فذلك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا، ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر، وترددنا بين التضييع وبين التصدق، ورجحنا جانب التصدق على جانب التضييع.

وبعد استعراض هذه الأدلة والبراهين التي أوردها الإمام الغزالي على جواز التصدق بالمال الحرام وتوجيهه إلى منفعة المسلمين بدلاً من إهداره أو الاحتفاظ به.. يؤكد الشيخ عطية صقر أن هذا الرأي هو الذي يحقق مصلحة المسلمين، ويقول : يستأنس للقول بجواز توجيه المال الحرام إلى منفعة المسلمين إذا لم يعرف صاحبه بما فعله عمر بن الخطاب ] مع المتسول والذي طلب منه طعاماً فأحاله على صحابي فأطعمه، ثم عاد يسأل فوجده محترفاً دون حاجة، ومعه زاد كثير فأمر بطرحه أمام إبل الصدقة لأنها منفعة عامة للمسلمين.

يفتح باب التوبة

الدكتور صبري عبد الرؤوف أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر يعترض على فتوى الدكتور واصل ويؤكد أن التشدد في التعامل مع المال الحرام وعدم إباحة التصدق به عند عدم معرفة صاحبه قد يؤدي إلى إهداره أو الاحتفاظ به وكلا الأمرين مرفوض شرعاً ويقول : إباحة التصدق بالمال الحرام في المنافع العامة للمسلمين في حالة عدم وجود صاحب معين لهذا المال يفتح باب التوبة لكل مَنْ اكتسب مالاً من حرام لكي يتخلص من هذا المال في مجال إنفاق مفيد وأن يخلص نفسه من الإثم والبعد عن كل ما فيه شبهة حرام.. فلماذا نغلق باب الرحمة في وجه كل من يريد التوبة والتخلص من المال الحرام؟

ويوضح الدكتور صبري عبد الرؤوف أن التصدق بالمال الحرام أمر أباحه كثير من العلماء والفقهاء.. وقد جاء في تفسير القرطبي >ج3 ص 366< مانصه : >قال علماؤنا : إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من ربا فليردها على من أربى عليه، ويطلبه إن كان حاضراً، فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه، وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه، فإن التبس عليه الأمر ولم يَدْرِ كَم الحرام من الحلال مما بيده فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عرف ممن ظلمه أو أربى عليه، فإن أيس من وجوده تصدق به عنه، ُإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبدا لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع، إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس، ما يستر العورة وهي من سرته إلى ركبته وقوت يومه، لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه وإن كره ذلك من يأخذه منه<.

مجرد اجتهاد

الدكتور محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية يوضح أن القول بعدم جواز التصدق بالمال الحرام أو إنفاقه في أي عمل من أعمال البر لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً هو اجتهاد لبعض الفقهاء وليس اجتهاداً خاصاً بمفتي مصر.. ويقول : التصدق بالمال الحرام فيه خلاف بين العلماء فبعضهم منعه استناداً لقول الحق سبحانه : {يا أيُّها الذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ ما كَسبْتُمْ ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه..}ـالبقرة : 268)، وما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ، قال : >إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : {يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِن الطَّيِّبَاتِ واعملوا صَالِحاً إنِّي بما تعْمَلُون عَلِيم}(المؤمنون : 51)، وقال : {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُلُوا من طَيِّبَاتِ ما رزَقْنَاكُمْ}(البقرة : 172)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يارب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له<.. وما رواه ابن مسعود ] أن رسول الله  قال : >والذي نفسي بيده لا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار<.

فهذه النصوص قاطعة في أنه لقبول الأعمال الصالحة عند الله، وكل أنواع القربات لابد وأن يكون ما ينفقه منه حلالاً خالصاً لا شبهة فيه لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً بمعنى أن منفق المال الحرام في أي وجه من وجوه البر لا ثواب له فيما أنفق.

لكن في مقابل هذا الاجتهاد هناك اجتهاد آخر لجمهور الفقهاء حيث ذهبوا إلى أن المسلم إذا أخذ مالاً حراماً كان عليه أن يصرفه إلى مالكه إن كان معروفاً لديه، وعلى قيد الحياة، وإلى وارثه إن كان قد مات، وإن كان غائباً كان عليه انتظار حضوره وإيصاله إليه.. أما إن كان هذا المال لمالك غير معين ووقع اليأس من التعرف على ذاته ولا يدري أمات عن وارث أم لا؟ كان على حائز هذا المالالحرام التصدق به في هذه الحالة كإنفاقه في بناء المساجد والقناطر والمستشفيات.

من هنا يرىالدكتور محمد رأفت عثمان أن الأخذ برأي جمهور الفقهاء في هذه المسألة هو الذي يتفق مع رسالة الإسلام وسماحته ويسره حيث تفتح هذه الفتوى أو هذا الاجتهاد باب التوبة أمام كثير من الناس الذين يختلط الحلال بالحرام في أموالهم أو تجارتهم، فإهدار الأموال الحرام لا يعود بالنفع على أحد، كما أن الاحتفاظ بها يشجع الإنسان على الاستمرار في الحرام وعدم التوبة منه.

مطلب إسلامي

الدكتور رفعت العوض أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة بجامعة الأزهر يؤكد أن تشجيع المسلمين على التخلص من كل ما هو حرام مطلب إسلامي ويقول : القول بعدم إباحة التصدق بالمال الحرام يغلق باب الأمل في التوبة في وجه كثير من الناس الذين اكتسبوا مالاً من حرام، وقد تعددت وتنوعت صور الكسب الحرام في حياة المسلمين الآن واختلطت الأموال الحلال بالأموال الحرام التي جاءت من الرشوة والاختلاس والربا والتجارة في المحرمات والمشروعات التي تمارس أنشطة محرمة كالملاهي وغيرها ولذلك يجب أن نشجع كل مسلم على التخلص من المال الحرام الذي اكتسبه.. والقول بعدم جواز التصدق بهذا المال سواء على الفقراء واليتامى والمرضى المحتاجين وغيرهم يحرم هؤلاء من مورد قد يسد حاجتهم وينهي معاناتهم ويضع كل إنسان يرد التخلص من الحرام في حيرة من أمره.. كيف يتصرف؟ وكيف يتوب؟ وكيف يتخلص من المال الحرام؟

ويضيف : أن الذي يتصدق بمال حرام -كما قال الفقهاء- لا ثواب له على هذا التصدق، وهذا ما ينبغي أن نوضحه للناس حتى لا نشجعهم على الكسب الحرام، لكن لا أعتقد أن تعاليم ومبادئ الإسلام تقبل إهدار الأموال أو الاحتفاظ بها وهي من حرام بدلاً من إنفاقها في إقامة المستشفيات ودور رعاية الأيتام وغير ذلك من مجالات البر المتنوعة والتي تحتاج إلى دعم متواصل.

ويتساءل : لقد أباح العلماء قبول تبرعات غير المسلمين لعمارة المساجد وهي أموال لا ندري كيف اكتسبت وقد تكون من مصادر محرمة.. فكيف نغلق باب الرحمة والأمل في وجه من يريد التوبة من المال الحرام الذي اختلط بماله الحلال؟!

تبني منهج التيسير

الدكتور محمد عبد الحليم عمر أستاذ المحاسبة ومدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر يؤكد أن تبني منهج التيسير في المعاملات الشرعية وتجنب كل ما هو حرام أصبح ضرورة دينية وعصرية بعد أن انتشرت المعاملات المحرمة وشاعت مجالات الكسب غير المشروع في حياة المسلمين ويقول : الفقهاء حسموا مسألة التوبة من المال الحرام، وقد عقدنا منذ عدة أشهر حلقة نقاشية، حول هذا الموضوع وجلس علماء الشريعة مع أساتذة وخبراء الاقتصاد والرقابة على مائدة واحدة وناقشنا القضية من كل جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والدينية، وأكد علماء الشريعة على جواز التصدق بالمال الحرام إذا لم يكن له صاحب أو لم يعثر عليه صاحبه لأن الشريعة الإسلامية فتحت كل أبوابالتوبة والتخلص من الحرام أمام كل الناس، وهدفها أولاً وأخيراً تحقيق مصالح الناس، وهذه المصالح تتحقق عن طريق جلب المنافع ودرء المفاسد، ومن أجل ذلك اشتملت الشريعة الإسلامية على الأحكام المنظمة للتصرفات المالية كسباً وإنفاقاً حيث تناولت الطرق والأساليب والإجراءات التي تؤدي إلى المحافظة على الأموال وصيانتها وتحقيق أفضل نفع منها إلى جانب بيان الأمور المنهي عنها في هذه التصرفات باعتبارها مفاسد تؤدي إلى ضياع الأموال.

ويرى الدكتور محمد عبد الحليم عمر أن التوبة من المال الحرام وفق المنهج الإسلامي تضعنا أمام عدة احتمالات :

الاحتمال الأول : أنه يمكن التعرف على وجه التبين بحجم المال الحرام وقدره وبالتالي يلزم تميزه والتخلص منه على الوجه الذي ذكرته بالرد لأصحابها أو الإنفاق في المصالح العامة.

الاحتمال الثاني : أنه لا يمكن التعرف على وجه التبين بحجم المال الحرام وذلك كمن يمارس نشاطاً مشروعاً ولكنه يتعامل أحياناً بالحرام مثل الاقتراض بالفائدة، أو الغش في البيوع أحياناً أو الكذب أو دفع الرشوة، وهنا يختلط المال الحرام بالحلال فإن أمكن من واقع الحسابات تحديد حجم ما اكتسبه من حرام عليه أن يتخلص منه حسب ما سبق ذكره، وإن لم يمكن تحديد هذا القدر بدقة فعليه الأخذ بغلبة الظن.

الاحتمال الثالث : بما أن أغلب الأنشطة التي تتم الآن في صورة شركات مساهمة وأن من يمارس الإدارة فيها إدارة محترفة مقابل أجر وأن عديدون لا يمكنهم التأثير في القرارات في الشركات، لذلك فإن تمت ممارسات غير مشروعة في هذه الشركات ثم صدر قرار بالتوبة منها وألزمت الإدارة فإن ما سبق كسبه من المال غير المشروع يكون قد أدمج في حسابات الشركة وتمت تسوية الإىرادات المشروعة وغير المشروعة معاً واستنزل منها المصروفات المشروعة وغير المشروعة وتم توزيع الأرباح على المساهمين والذين قد يكون الكثير منهم خرج من الشركة بجميع أسهمه وبالتالي يصعب تدارك التخلص من المال الحرام وهنا تبدأ الشركة بداية شرعية مع عدم المطالبة برد ما سبق قبضه وكسبه.

الاحتمال الرابع : إذا كان مجموعة من رجال الأعمال المسلمين يريدون شراء شركة قائمة تمارس أنشطة غير مشروعة، أو، نشاطها الأساسي مشروعاً ولكنها تمارس تصرفات غير مشروعة في عملياتها، فإن أمكنهم شراء الأصول المستودعة والتعهد بالالتزامات المستودعة فقط كان بها، وإلا فإنهم يستردون كامل الشركة وعليهم التخلص تدريجياً من الكسب غير المشروع.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>