وذَكِّر.. فالذكرى نَافِعَة.. مأساة الموريسكوس


هكذا كانت مشيئة الله!

فلقد تم تسليم غرناطة صبيحة يوم 2 يناير 1492 بالكيفية الآتية :

((دوت ثلاث طلقات مدفعية في آفاق غرناطة إيذانا بانطلاق فرناندو من مدينة Sta Fé يتقدم طلائعه الكاردينال الأكبر وحاشيته، إلى أن وصل إلى المكان الموعود خارج المدينة، وبعد مراسيم الاستقبال تقدم أبو عبد الله وأخرج مفاتيح الحمراء وقال مخاطبا فرناندو : “دونك، يا مولاي، مفاتيح هذا الفردوس، تقبل هذه المدينة، فهذه مشيئة الله!” فرد فرناندو قائلا : لا يخامرك شك في حسن نوايانا، فلا تضعفك المصيبة، فالذي سلبه منك الحظ التعس ستعوضه لك صداقتنا)). ثم نزع أبو عبد الله خاتما ذهبيا كريما من أصبعه، فأعطاه، أمام الجميع، لحاكم غرناطة الجديد Coude de Tendilla قائلا: ((بهذا الخاتم حكمنا غرناطة، خذه، لتحكمها به، فلعل حظك يكون أحسن من حظنا)).

وبعد هذه المقابلة الأليمة، توجه أبو عبد الله إلى  منكسر الرأس، ووجهه يقطرُ أسى، حيث كانت الملكة ايزابيل في انتظاره في محفل كبير، وبعد أن قدم لها مراسم الطاعة، قدمت له ابنه الذي كان رهينة عندها.

وقد سجل المؤرخ المذكور مشاهد هذين اللقائين بأسلوب مؤثر، يصور مشاعر القوم من الجانبين، وخاصة حالة أبي عبد الله الذي استثار مشاعر الأسى والحسرة من الحاضرين لأنهم كانوا يرون فيه شابا وسيما بهي الطلعة ذا أخلاق ملكية نبيلة.

وأما الحمراء فقد نكست أعلام قلاعها وأبراجها، واخليت من أهلها وحراسها، وفتحت أبوابها للكردينال الأكبر الذي كان أول داخل إليها وأول من رفع الصلبان الفضية على أبراجها.. وجعل أعلام قشتالة تخفق عليها. وما هي إلا لحظات حتى اهتزت جموع المسيحيين وجثوا على ركبهم لقرع الاجراس ورؤية الصلبان قائلين : “غرناطة غرناطة للملكين الكاثوليكيين فرناندو وايزابيل، لقد انتهت حرب الاسترداد!”.

ولما استوثق الملكان من تمكنهما من غرناطة وحمرائها، دخلا الحمراء في مشهد كبير يوم 6 يناير 1492، وجرت هناك مراسم أخرى في شأن تسليم المفاتيح، حيث ناولها فرناندو للملكة ايزابيل، وهذه ناولتها للأمير خوان، وهذا ناولها للكردينال أخيرا الذي عين حاكما للحمراء وحاكما عاما لغرناطة.

وفي الحمراء جلس الملكان في قاعة قمارش (قاعة السفراء) في محفل كبير يتقبلون التهاني من أعيان النصارى والمسلمين، وهكذا دواليك!

وأما عبد الله فقد رحل عن غرناطة مع أهله وحاشيته متجها إلى Andarax وهي قرية من قرى جبال البشارات غير بعيدة من غرناطة، وهي من ممتلكاته التي تركها له الملكان الكاثوليكيان.

وفي الطريق، وعلى هضبة مشرفة على مروج غرناطة أرسل تنهده المشهور الذي أطلقه الاسبان على تلك الهضبة : “Suspero delmoru” أي “زفرة العربي” وقيل إنه تنهد وقال : الله أكبر! لذلك اطلق الموريسكوس على الهضبة “فجّ الله أكبر”. ويقال إن أمه فاطمة لامته على بكائه وتنهده بقولتها المشهورة : “ابك بكاء النساء على ملك لم تحافظ عليه كالرجال”.

ولم يلبث أبو عبد الله في تلك القرية الا زهاء سنة ثم أوعز اليه فرناندو أن يُغادر البلاد، فغادرها يوم 3 أكتوبر 1493 ونزل بمليلية في طريقه إلى فاس حيث عاش إلى أن لقي مصرعه في معركة بين الوطاسيين والسعديين وكان في نحو 75 من عمره أما زوجته مُرَيْمَة فقد توفيت في أندركش قبل أن ينتقل إلى المغرب(1).

وبذلك انتهت مأساة تسليم غرناطة، وابتدأت المأساة الكبرى، مأساة الشعب العربي : الموريسكوس! ذلك الشعب الذي أبدى من ضروب الصبر على المكاره وتحمل الرزايا والمحن ما تحدث عنه الكتاب ودونه المؤرخون وحتى القصاصون والشعراء والرسامون، وما لا يزال إلى الآن موردا خصبا للباحثين والدارسين.

ويصح أن تعتبر غرناطة المركز السياسي والاجتماعي للمجتمع الموريسكي، تنطلق منها الحركات التي هي لصالحهم أو موجهة ضدهم.

وكما أطلق الاسبانيون على أبي عبد الله لقب “الملك الصغير” “Rey chico” نظرا لصغر سنه، اطلقوا كلمة “موريسكوس” على الشعب العربي الغرناطي على وجه التصغير أيضا (وكثيرا ما يستعمل التصغير عند الاسبان استلطافا) إذ إن كلمة “Morisco” تصغير لكلمة “Moro” الشائعة عند الأوربيين، ويقصدون بها المسلمين، أخذا لها من سكان Mouritania القديمة، غير أن كلمة موريسكوس أصبحت بعد تسليم غرناطة تشمل سائر العرب المسلمين المتخلفين هناك سواء كانوا في جنوب الاندلس أو في جهات أخرى من البلاد الاسبانية. ويمكن القول بأنها خلفت كلمة المدجنين التي ذكرنا أنها كانت تطلق على العرب المسلمين الذين يعيشون تحت الحكم المسيحي.

ومن اللطائف التي ساقها Cardona أن بعض النصارى القدماء كانوا يتأثرون بثقافة الموريسكوس وعاداتهم، فاطلق عليهم الاسبان كلمة (Amoriscados) أي (الممركسين) قال : وكان عددهم كثيرا.

يقول Caro Baroja عندما يتحدث عن المجتمع الموريسكي : أن هناك فوارق اجتماعية في الوسط الاسباني في القرن السادس عشر الذي هو عصر الموريسكوس، من ذلك فوارق دينية، وفوارق لغوية، وفوارق العادات في اللباس والزواج والغذاء. وكذلك فوارق عقلية وجسمانية كلون البَشَرة والشعر ومناحي التفكير.

وعندما يتحدث عن المجتمع الموريسكي يقول: إنه في الداخل متنافر اجتماعيا، فهو مكون من السلالات الارستقراطية القديمة، ومن الحكام، والفقهاء والصالحين ومن العبيد والمرتدين والمتشككين الملحدين، لقد ترك الماضي فيهم طابعه، واحتفظوا رغم الأحداث المؤلمة باللغة والدين واللباس والعادات ووحدة الشعور، وفي نفس الوقت احتفظوا بالفوارق الطبقية والاعتزاز بالسلالات.

ويرجعون في معظمهم إلى أصول عدة، منهم الغُزّ الوافدون من شمال افريقيا وهم رجال حرب وقتال، ومنهم المدجنون القدماء، ومنهم العلوج وهم أبناء الاسبان المعتنقون للاسلام، ومنهم الثغريون نسبة إلى الثغور الفاصلة، وهم الذين أتوا من جهات الثغور الشمالية أي الحدود الشمالية.

ويضيف Baroja أن موريسكوس غرناطة جمعوا ثروة طائلة طيلة القرن 16، يظهر ذلك في منازلهم الفخمة التي تنم عن بذخهم وترفهم كالمنزل المسمى Casa de chapiz (دار الجباص) التي ما تزال قائمة الى اليوم في غرناطة (وهي مقر مدرسة الدراسات العربية) ويميل ذوو الثراء منهم إلى الدعة والسكون ويكرهون أعمال العنف.(انتهى كلام Baroja).

وقد تقاطر على غرناطة من جراء حروب الاسترداد أفواج من المهاجرين من مدجني الجهات المسترجعة، فاكتظت بهم على اختلاف طباعهم وميولهم، ثم تقاطرت عليها أفواج النصارى القدماء بعد حرب الاسترداد، فعاشوا جنبا إلى جنب مع المسلمين وبقية الأجناس غير أنه لم يكن هناك الوقت الكافي للتعايش بين النصارى والمسلمين كما كان الشأن في أراغون وبلنسية مثلا، لذلك كانت الفتن والاصطدامات تقع باستمرار بين الجانبين، زيادة على تغير الوضع وظهور سادة جدد، لم يستطيعوا التجاوب مع معظم السكان، إذ حلوا بها كمنتصرين، لهم الغلبة والسلطان.

وبهذا يفهم التباين الموجود بين موريسكوس غرناطة وما حولها، وموريسكوس بقية الجهات، لأن مشكلة موريسكوس غرناطة ليست دينية فحسب بل سياسية أيضا.

فهم يحاولون الاحتفاظ بشخصيتهم وأخلاقهم وعاداتهم وكذلك بحقوقهم وديانتهم طبق ما اشترطوه في شروط التسليم.

فمن العادات والتقاليد التي كانوا يحرصون على بقائها : أن يظلوا على ارتداء ملابسهم العربية، وخاصة لباس النساء وكذلك استعمال الحمامات، وحفلات الزواج والعقيقة والختان والاحتفال بالجمع والأعياد وحفلات السمر إلى غير ذلك من العوائد الموروثة عن آبائهم وأجدادهم. وفوق ذلك التمسك بالديانة الاسلامية وعمارة المساجد وإقامة الشعائر كلها والتحاكم إلى الشريعة الاسلامية والمحافظة على اللغة العربية قراءة وكتابة وتخاطبا، بالاضافة إلى حقوقهم المدنية في التجارة والمعاملات والفلاحة الى غير ذلك مما ضمنته لهم شروط تسليم غرناطة.

غير أن أحداثا كانت تقع من حين لآخر، وتسبب هيجانا وتوترا، فتصدر قرارات تحد من حرية الموريسكوس وتضع عراقيل في طريقة نشاطهم وأعمالهم اليومية، خارقة شروط التسليم قبل أن يجف مدادها.

وابتداء من سنة 1495 حصل تغيير في المعاملة مع الموريسكوس وهكذا صدر قرار من محكمة Baza (بسطة) بتاريخ 31 ديسمبر 1495 يأمر سكان هذه المدينة بالحضور في حفلات Carpus Christi الدينية.

وفي 3 أكتوبر 1497 صدر قرار من محكمة غرناطة يغير أيام العمل بها (أي بالمحكمة) ويجعل من بين أيام العمل يوم الجمعة، لأن المسلمين لم يبق لهم حق الالتحاق بالمحاكم.

وفي سنة 1498 صدر قرار يقضي بعزل الموريسكوس عن السكان النصارى وتخصيص حارة لهم “Moreria”.

وفي 22 مارس 1498 بدأت عمليات منع أنواع من التعامل بين النصارى والموريسكوس ابتداء بمنع اعارة المنازل لاقامة الأعراس، ثم منع اكل اللحم المذبوح من طرف الموريسكوس، وكذلك استعمال الحمامات وبالأخص يوم الجمعة حتى لا يتوضأ المسلمون ويغتسلوا للصلاة.

وقد كانت قضية استعمال الحمامات العربية من أعوص القضايا التي طال فيها الجدال واتخذت قرارات تعسفية، ليس فقط من كونها أداة النظافة والصحة، بل لكونها -في نظر الرهبان- وسيلة لتحقيق الطهارة الشرعية، وذلك لا يتفق مع مبدأ الرهبان إذ ذاك.

تقول قرارات المجمع الكاثوليكي الذي عقد في وادي آش سنة 1554 في شأن الحمامات : إن حمامات مملكة غرناطة ليست سوى أوكار للشيطان، حيث تقترف هناك أشياء ضد المسيح، واقتراف الوضوء الكبير والصغير وغيرهما من الطقوس المحمدية..

وأصدر اسقف المرية ما يلي : إن الحمامات التي تتهدم يجب ألا تصلح، وأن لا تبنى أخرى جديدة إلا بإذن خاص ملكي، وإنه يمنع على كل شخص الذهاب إلى الحمام في اليوم السابق لحفلات القداس، ومن خالف هذه الأوامر يعاقب بغرامات مالية عليهم وعلى القائمين بالحمامات.

وفيما يخص أيام الجمع فقد أُمِرُوا ألاَّ توقد الحمامات حسبما قررت محاكم التفتيش، ابتداء من يوم الخميس مساء إلى يوم السبت زوالا.

ويمنع على العروسين الذهاب إلى الحمام، وعلى أهليهم، لأنهم كما علمنا -يقول القرار- يقيمون هناك بمناسبة الزواج مراسم دينية، ويظهر أن ما منع عليهم في بيوتهم يستطيعون اتيانه في الحمامات، حتى لا يبقى زواجهم بدونها.

هكذا يقرر المجمع المذكور كل صغيرة وكبيرة في شأن الحمامات حتى أنهم منعوا أفراد الموريسكوس من العمل والقيام بخدمة الحمامات وقصروا ذلك على النصارى العريقين حرصا منهم على تطبيق الأوامر بذمة واخلاص.

أما مداخيل الحمامات فقد أضيفت إلى الدولة (التاج) بمعنى أنها أمّمت، وزالت عنها حقوق الملكيات الخاصة.

دة. آمنة اللوه

——–

-1 تخلف في غرناطة بعد استسلامها أخوان لأبي عبد الله من أبيه هما : سعد ونصر وأمهما هي الأسيرة الاسبانية الآنفة الذكر، واعتنقا الديانة المسيحية وعُمِّدَا باسم

D. alonso j D. juan de granada، أما أخته عائشة فقد انتقلت معه إلى المغرب ومع السلطانة فاطمة والدتهما.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>