خطأ يَنبغي أن يُصَحَّح


هناك خطأ فادحٌ نرتكبُه في استعمالنا لكلمة “الحجاب” وهذا الخطأ وقع فيه العلماء وعامةُ الناس، ذلك أن المرأة إذا امتَثَلَت أمر ربِّها وارتَدتِ الزَّي الإسلامي قالوا عنها : ((إنها مُحْتَجِبة))، وهذا خطأ تاريخي حدَثَ في زمن ضُعْف الخلافة العثمانية عندما تَولى أمور الدين وقيادة المسلمين من لا يُحسن فهم اللغة العربية، بل إن المرأة يومئذ ظَلَّتْ -باسم الدين- حَبِيسة البيت أو ما يُسمى عند الأتراك بـ”الحَرِيم” فلا ترى رَجُلاً ولا يراها رجل.

متى تُسمَّى المرأة مُحْتجبة؟

المرأة مادامت في بيتها فهي محتجبة أي مُستتِرة بستار الحائط والبيت وغيره، فإذا خرجت من بيتها وقد لبست لباسها الشرعي فلم تعد مُحْتجبة ولا منعزلة وإنما صارت واحدةً من أفراد المجتمع تفيد وتستفيد، وتؤثر وتتأثر، وتُساهم في تقدم المجتمع. والدليل على ذلك أنه لم يَرِدْ في القرآن ولا في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا الأئمة المشهود لهم بالفضل في القرون الأولى المفضلة أن المرأة إذا لبِست لباسها الشرعي أنها مُحتجبة، بل ورَد عكس ذلك، فكلمة “حجاب” وردت في القرآن بمعنى :

أ- الإنعزال والإنزواء :

قال سبحانه في مريم عليها السلام لمَّا اعتزلت قوْمها : ((فاتَّخَذت من دونِهِم حجابا))(مريم : 17).

ب- القطيعة :

عندما تخَلّى المشركون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاطعوه قالوا له : ((ومِنْ بَيْنِنَا وبَيْنِكَ حجَابٌ))(فصلت : 5).

جـ- البابُ والسِّتار :

ففي معرض التأدب مع أمّهات المؤمنين أمرهم الله تعالى بأن يُخَاطِبُوهُنّ وهُنَّ في البيوت من وراء الباب فقال عز وجل : ((وإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسأَلُوهُنَّ مِنْ ورَاءِ حجاب))(الأحزاب : 53).

د- المنعُ الكُلِّيُ مِنْ رُؤْية الآخر :

قال سبحانه عن الكفار يوم القيامة : ((كلاّ إنَّهُم عن ربهم يومئذ لمحْجُوبُون))(المطففين : 15).

وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا دَخَل بصَفِيَّة قال أصحابه : ((إن أرْخَى عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين وإلا فهي مما ملكت يَمِينُهُ)) فَضَرَب عليها الحجاب فَعَلِموا أنها زوجَتُه، ومعنى ضرب عليها الحجاب أي أثبت لها حُرْمَتها في بَيْتِها لا يَدْخُل عليها من هَبَّ ودَبَّ.

وروى البخاري ومسلم والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إِذَا كَانَ لإحْدَاكُنَّ مُكَاتِبٌ وكان عِنْدَهُ ما يُؤدي فَلْتَحْتَجِبْ منه)) أي لا يدخل عليها دخول المحارم لأنه صار أجْنَبِيّا.

وروى أبو داود والترمذي أن أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم قالت : ((كُنْتُ مع مَيْمُونَة عند رسول الله فبيْنَما نحن عنده (في البيت) أقبل ابْنُ أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعدما أُمِرْنا بالحِجاب، فقال النبي : ((احْتَجِبَا مِنْهُ)) فقلت : يا رسول الله : ((ألَيْس هُوَ أعْمَى لا يُبْصرُنا ولا يَعْرِفُنَا؟)) فقال : ((أَوَعَمْيَاوَانِ أنتما؟ أولَسْتُما تُبْصِرَانِه؟)) (قال الترمذي حديث حسن صحيح).

وفي كتب السيرة : ((بينما نحن في بَيْت رسول الله ورسول الله وأبو بكر جَالِسَان فلما دَخَل عُمَرُ ابتَدَرْن الحجاب)) أي اخْتَفيْن وراء السَّوَاري وفي البيوت.

فمن خلال هذه الشواهد يَتَبَيَّنُ لنا أن المرأة مادامَت في بَيْتِها فهي مُحْتَجِبة لأن  للبيت حُرْمَتُه، فإذا تزَيَّنَتْ بالزَّيِّ الإسلامي، واللباس الشرعي وخَرَجَت لم يَعُد لها علاقة بالحِجاب وإنما صارت نافِعة منتَفِعة صالحة مُصْلحة، فإذا قلت : “إنّها مُحْتَجِبة” وهي خارج بيتها فقد اغْتَبْتها وظَلَمْتَها ونَسَبْتها إلى التصوف والإنعزالية والرهبانية، ولا رهبانية في الإسلام.

فما أحْسَنَ بِنَا أن نُسَمِّيَ لباس المرأة المؤمنة بالزَّيّ الإسلامي أو اللباس الشرعي بدَلَ كلمة “حِجاب ومُحْتجبة” لما تحمل هذه الكلمة من معاني التطرف والإنعزال.

فالزّيّ الإسلامي ليس رَمْزاً دِينِياً، فاليهودُ والنصارى هُمُ الذين اتخذوا لأنفسهم رُمُوزاً كالصَّليب على صَدْر النصراني، ونجمةِ دَاوُد السُّدَاسية على صدر اليهود والطاقية المعروفة المَشْبُوهة على رأس اليهودي، فهذه رموزٌ دينيةٌ وظيفتُها الإعلان والإشهار والعنصرية، إلا أن الزّيّ الإسلامي له وظيفةٌ ربّانية هي السِّتر والحِشْمةُ والحياءُ وطاعةُ الله ورسُوله، ولا علاقَةَ له بالسياسة ولا بالتطرف ولا الإنتماء الحزبي أو المذهبي، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي رواه الطبراني ((مَنْ لاَ يَسْتَحْي مِن النّاس لا يَسْتَحي من الله)).

فاللهم صحِّح أخطاءنا، وقوِّم إعوِجاجنا وعرِّفْنا بعُيُوبِنا واشغلْنا بإصلاحِها ياذا الجلال والإكرام.

ذ. الحسين بن مسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>