ركائز الفقه الدعوي عند العلامة أبي الحسن الندوي 3/4


11- تأكيد عقيدة ختم النبوة ومقاومة الفتنة القاديانية :

والركيزة الحادية عشر هي تأكيد (عقيدة ختم النبوة) وهي عقيدة معلومة من الدين بالضرورة بين المسلمين طوال القرون الماضية، ولم يثر حولها أي شك أو شبهة، وانما أوجب تأكيد هذه العقيدة : ظهور الطائفة القاديانية بفتنتهم الجديدة التي اعتبرها الشيخ (ثورة على النبوة المحمدية). ولقد كتب في هذه القضية ما كُتِب من مؤلفات ومقالات، ولكن الشيخ شعر بمسؤولية خاصة إزاءها، فكتب في بيان أهمية ختم النبوة : في اعتبارها تكريما للانسانية بأنها (بلغت الرشد)، وأنها انتهت الى (الدين الكامل) الذي يضع الأسس والأصول، ويترك التفصيلات للعقل البشري، الذي يولّد ويستنبط في ضوء تلك الأصول ما تحتاج إليه المجتمعات في تطورها المستمر، وهي تغلق الباب على المتنبئين الكذابين، وتمنع فوضى الدعاوي الكاذبة المفترية على الله تعالى.

وقد أكد الشيخ ذلك في فصل في كتابه (النبوة والأنبياء) عن (محمد خاتم النبيين) ثم ألف كتاباً عن (النبي الخاتم) وجعل السيرة النبوية للأطفال بعنوان (سيرة خاتم النبيين)، ثم صنف كتابا خاصا عن (القادياني والقاديانية) تضمن دراسة وتحليلا لشخصية (غلام أحمد) ودعوته، ونشأته في احضان الاستعمار الانجليزي، واعترافه المتكرر بذلك في رسائله وكتاباته، ودعوته المسلمين الى طاعة الانجليز، وإلغاء الجهاد، وبين الشيخ الندوي بكل صراحة : أننا -مع القاديانية- في مواجهة دين إزاء دين، وأمة إزاء أمة. كما اشتد نكيره عليهم في تحريفهم للقرآن، وتلاعبهم باللغة العربية، وهذا الكتاب مرجع علمي موثق بالأدلة من مصادرها القاديانية ذاتها.

12- مقاومة الردة الفكرية :

والركيزة الثانية عشرة : هي (مقاومة الردة الفكرية) التي تفاقم خطرها بين العرب والمسلمين عامة، والمثقفين منهم خاصة. فكما قاوم الشيخ (الردة الدينية) التي تمثلت في القاديانية، التي اصر علماء المسلمين كافة في باكستان على اعتبارهم أقلية غير مسلمة، لم يأل جهدا في محاربة هذه (الردة العقلية والثقافية) ولا غرو أن جند قلمه ولسانه وعلمه وجهده في كشف زيفها، ووقف زحفها، ومطاردة فلولها، وقد ألف فيها رسالته البديعة الشهيرة (ردة ولا أبابكر لها!).

13- تأكيد دور الأمة المسلمة واستمراره في التاريخ :

والركيزة الثالثة عشرة : هي تأكيد دور الأمة المسلمة في هداية البشرية، والشهادة على الأمم، والقيام على عبادة الله وتوحيده في الأرض، كما أشار إلى ذلك الرسول يوم بدر ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)) وهذه الأمة صاحبة رسالة شاملة، وحضارة متكاملة، مزجت المادة بالروح، ووصلت الأرض بالسماء، وربطت الدنيا بالآخرة، وجمعت بين العلم والإيمان، ووفقت بين حقوق الفرد ومصلحة المجتمع، وهذه الأمة موقعها موقع القيادة والريادة للقافلة البشرية، وقد انتفعت منها البشرية يوم كانت الأمة الأولى في العالم.. ثم تخلفت عن الركب لعوامل شتى فخسر العالم كثيرا بتخلفها، وهو ما عالجه كتاب (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟) الذي عرفت به الشيخ قبل أن ألقاه، والذي استقبله العلماء والدعاة والمفكرون المسلمون استقبالا حافلا، وقال شيخنا الدكتور محمد يوسف موسى : ان قراءته فرض على كل مسلم يعمل لاعادة مجد الإسلام!.

ولا زال  العلامة الندوي يبدئ ويعيد في تنبيه الأمة المسلمة على القيام بدورها الرسالي، ومهمتها التي (اخرجت) لها، فقد اخرجها الله (للناس) لا لنفسها. وآخر انتاجه في ذلك : محاضرته التي ألقاها في دولة قطر، بعنوان (قيمة الأمة الاسلامية بين الأمم ودورها في العالم).

14- بيان فضل الصحابة ومنزلتهم في الدين :

والركيزة الرابعة عشرة : هي (بيان فضل الجيل المثالي الأول) في هذه الأمة، وهو جيل الصحابة رضوان الله عليهم، أبز الناس قلوبا، واعمقهم علما، واقلهم تكلفا، اختارهم الله لصحبة نبيه، ونصرة دينه، وانزل عليهم ملائكته في بدر والخندق وحنين، وهم الذين أثنى عليهم الله تعالى في كتابه في عدد من سوره، وأثنى عليهم رسوله في عدد من أحاديثه المستفيضة وأكد ذلك تاريخهم وسيرتهم ومآثرهم، فهم الذين حفظوا القرآن، والذين رووا السنة، والذين فتحوا الفتوح، ونشروا الإسلام في الأمم وهم تلاميذ المدرسة المحمدية، وثمار غرس التربية النبوية وهم أولى من ينطبق عليه قول الله تعالى : ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس))-البقرة : 143- وقوله : ((كنتم خير أمة أخرجت للناس))-آل عمران: 110-.

وهم طليعة الأمة وأسوتها في العلم والعمل، وأئمتها في الجهاد والاجتهاد، وتلاميذهم من التابعين على قدمهم، وان لم يبلغوا مبلغهم، ((خير القرون قرني ثم الذي يلونهم)) فمن شكك في عظمة هذا الجيل وفي اخلاقه ومواقفه، فقد شكك في قيمة التربية المحمدية، وهي الصورة المعتمة التي رسمها الشيعة لجيل الصحابة، مناقضة الصورة المشرقة الوضيئة التي رسمها أهل السنة والجماعة، وهذا ما وضحه علاَّمتنا في رسالته الفريدة (صورتان متضادتان) لنتائج جهود الرسول الأعظم الدعوية والتربوية، وسيرة الجيل المثالي الأول عند أهل السنة والشيعة الإمامية.

15- التنويه بقضية فلسطين وتحريرها :

والركيزة الخامسة عشر : هي (التنويه بقضية فلسطين) فقضية فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، ولا العرب وحدهم، بل هي قضية المسلمين جميعاً، فلابد من ايقاظ الأمة لخطرها، وتنبيهها على ضرورة التكاتف لتحريرها، واتخاذ الأسباب، ومراعاة السنن المطلوبة لاستعادتها. وليست هذه أول مرة تحتل فلسطين من قبل اعداء الدين والأمة، ولقد هيأ الله لهذه الأمة رجالا أفذاذاً، جددوا شباب الأمة بالإيمان، وإحياء روح الكفاح ومعنى الجهاد في سبيل الله، مثل نور الدين وصلاح الدين، الذي أشاد به الشيخ الندوي كثيرا في كتبه ورسائله.

ولا سبيل الى تحرير فلسطين الا بهذا الطريق، وعلى نفس هذا المنهاج : تجميع الأمة على الإسلام وتجديد روحها بالإيمان، وتربية رجالها على الجهاد، وقد كتب في ذلك الشيخ مقالات ورسائل اظهرها (المسلمون وقضية فلسطين).

د. يوسف القرضاوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>