إشكالية تطبيق الشريعة الإسلامية من منظور (فقه التنزيل)


ذ. عبد العزيز انميرات

مع ظهور الدولة الحديثة عرفت الاحكام الشرعية نوعا من التعطيل، بانحسارها في مجالات ضيقة من الحياة الانسانية سادت خلالها الاحكام الوضعية بفعل تبعية اغلب المجتمعات العربية للبلدان الاستعمارية. غير أن الخطير هو أن الامة في هذه المرحلة لم تفتقد لاحكام الشريعة ولا إلى التطبيق الاجتهادي فحسب، بل افتقدت أيضا للتطبيق التقليدي الذي عرفته الامة عهوداً طويلة، الأمر الذي احدث نوعاً من القطيعة على المستويين العقيدي والمنهجي، بين السلف والخلف، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الماضي والحاضر، بيننا وبين اصولنا. ولعل غياب، بل تغييب؛ الشريعة من حياتنا اليومية على كافة المستويات، هو الذي أدى إلى حدوث تلك الفجوة وتلك القطيعة، خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار أن الفكر العلماني في المجتمعات العربية الاسلامية استغل هذا الغياب لادخال تنظيمات تشريعية مستقاة من التشريع العلماني الغربي، وهو ما كرس وزاد من اتساع الفجوة فشاعت ظواهر الغفلة والجهل بأمور الدين وشرعية الاحكام التشريعية الاسلامية، وذابت أطروحة (الاسلام صالح لكل زمان ومكان) في دوامة التبعية والاستيلاب. غير أن التحولات السياسية والحضارية العامة التي عرفتها المجتمعات الانسانية عامة والمجتمعات الاسلامية خاصة، ساهمت في تبلور رؤية جديدة للمشروع الحضاري الاسلامي وبدأت المطالبة والدعوة الى تطبيق الشريعة الاسلامية من جديد، في ظل فشل التجربة الحضارية الغربية وتنامي الصحوة الاسلامية. وقد ألحت هذه الدعوة على ضرورة التطبيق الشامل في مختلف نواحي ومجالات الحياة الفردية والجماعية ورغم سيطرة النبرة العاطفية علي هذه المطالبة فإنها كانت حافزاً جديداً للدفع بالعقل المسلم المعاصر الى اعادة صياغة منهجية التعامل مع الواقع الجديد للامة الاسلامية، الامر الذي حفز ثلة من علمائنا ومفكرينا على الاشتغال بهذا الموضوع المعقد والشائك، خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار قلة الزاد المحصل من الادب الاصولي الخاص بتطبيق الشريعة الاسلامية من جهة، وتعقد بنية المجتمع الاسلامي المعاصر على كافة المستويات من جهة ثانية. “فحينما فزع المسلمون من صحوتهم الجديدة الى تراثهم يستلهمون منه ما يصححون به وجهة الحياة التي تنكبت شريعة الله، لم يسعفهم هذا التراث على وجه قريب بنهج تطبيقي نضيج بين كما اسعفهم بالقيم العقائدية وآداب المنهج في فهم الشريعة، فظل خطابهم على قدر من الفجاجة المنهجية في التطبيق. ومن مظاهر هذا القصور المنهجي التطبيقي، أو من آثاره ما نراه اليوم من خلط عند بعض الدعاة من منهج الفهم وبين منهج التطبيق في الشريعة، حيث ذهب بهم الظن الى أن احكام الشريعة متى فهمت الفهم الصحيح حسب منهج أصولي قديم، فلا تكون في حاجة بعد ذلك الا الى القرار السياسي الذي تتنزل به على الواقع المنحرف للمسلمين تنزيلا آليا، فينصلح ذلك الواقع بهدي الشريعة. ومن البين أن هذا الظن نشأ من الغفلة عن المقتضيات المنهجية للتطبيق أصلا، وهو ما يفيد أن القصور المنهجي التطبيقي في حركة المطالبة بعودة الشريعة ليس قصوراً في العدّة لاحياء منهج التطبيق وإثرائه، وانماهو قصور ممتد عند الكثيرين الى الوعي بهذا المنهج أصلاً من حيث حقيقته وضرورته في تنزيل الشريعة على الواقع”(1).

إن الدعوة الى تطبيق الشريعة الاسلامية من جديد رهينة بمجموعة من الشروط التي بغيابها يستجيل التنزيل بالصورة المطلوبة عقيديا، ولعل أهمها :

1- قيام المجتمع الاسلامي الذي يضمن تحقيق التنزيل بالشكل المطلوب. فلا يمكن أن نقيم حدود الله كما جاءت في القرآن الكريم، أو كما فصلتها ومثلتها السنة النبوية الشريفة إلا بوجود هذا المجتمع حقيقة ملموسة. إن هذه القضية تطرح بحدة في جل الكتابات التي تنطلق من رؤية اسلامية تلتزم بالمنهج الاسلامي الصرف، خاصة وأن المجتمع الذي تعيش بداخله الامة الاسلامية راهنا يتميز بميزة التعقيد والتشابك في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وما فعلته في البنية الثقافية والفكرية للامة. فمما لا نختلف حوله، أننا تابعون في كثير من القضايا والامور للثقافة الغربية، وهو ما أثر سلبا على نسقنا الحضاري وزعزع، بالتالي، مجموعة من الثوابت العقيدية، مما ادى إلى حدوث نوع من القطيعة على كافة المستويات بيننا وبين ماضينا الذي يحفظ علينا هويتنا وأصولنا واستقلاليتنا التي تميزنا عن باقي الامم والحضارات، كما يجعل من الشريعة الاسلامية الشريعة العالمية الخاتمة التي جاءت من أجل اصلاح حال الانسان وجعله قادراً على عبادة الله، وبالتالي فاهماً لاحكام الله وأوامره ونواهيه.

2- الشرط الثاني يتعلق بالاجتهاد. ذلك أن هذا العامل العقلي هو الذي يعطي للشريعة خصوبتها وثراءها الذي تستحقه وتتطلبه ويكشف عن معالم العالمية والشمولية في أحكامها ورسالتها العقيدية.

إن عصرنا الراهن في أشد الحاجة إلى الاجتهاد نظراً لتغير الظروف والحياة وتعقد كثير من الامور الاجتماعية، خاصة بعد دخول الانسانية عالم التطور التقني والثورة المعلوماتية. (وينبغي أن يكون الاجتهاد في عصرنا اجتهادا جماعياً في صورة مجمع علمي يضم الكفاءات الفقهية العالية، ويصدر احكامه في شجاعة وحرية، بعيداً عن كل المؤثرات والضغوط الاجتماعية والسياسية، ومع هذا لا غنى عن الاجتهاد الفردي، فهو الذي ينير الطريق أمام الاجتهاد العلمي، بما يقدم من دراسات عميقة وبحوث أصيلة مخدومة، بل أن عملية الاجتهاد في حد ذاتها عملية فردية قبل كل شيء)(2) كما أن الاجتهاد الذي (ندعو إليه لا ينبغي أن يقف عند حد الفروع الفقهية فحسب، بل ينبغي أن يتجاوزها الى دائرة أصول الفقه نفسها، تكملة للشوط الذي بدأه الامام الشاطبي في محاولة للوصول الى أصول قطعية، وتتمة لما قام به الامام الشوكاني من الترجيح و(تحقيق الحق في علم الأصول) على حد تعبيره، ولا ريب أن كثيراً من  مسائل الأصول لم يرتفع فيها الخلاف، فهي في حاجة إلى التمحيص والموازنة والترجيح وبعضها يحتاج إلى مزيد من التوضيح والتأكيد، وبعض آخر يحتاج إلى التفصيل والتطبيق. ومن ذلك تمييز السنة التشريعية من غير التشريعية والتشريعية المؤقتة من التشريعية المؤبدة، وتمييز تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم بمقتضى الامامة والرياسة للامة من تصرفه بمقتضى الفتوى والتبليغ عن الله)(3).

ويسرد الدكتور يوسف القرضاوي مجالين جديدين للاجتهاد في عصرنا الراهن، تمليهما مجموعة من الظروف تبعا للتغير الهائل الذي دخل على حياتنا العامة:

1- مجال التعامل المالي والاقتصادي. ذلك أن عصرنا هذا قد حفل بأشكال ومؤسسات جديدة في ميدان الاقتصاد والمال لم يكن لاسلافنا -بل لأقرب العصور إلينا- عهد بها، وذلك كالشركات الحديثة بصورها المتعددة كشركات المساهمة والتوصية وغيرها، وفي مجالات المختلفة كالتأمين بأنواعه المتعددة : تأمين على الحياة وتأمين على الممتلكات… الخ. وكذلك كالبنوك بأنواعها المختلفة من عقاري وصناعي وزراعي وتجاري واستثماري… إلخ، وأعمالها كثيرة : منحساب جار، وودائع وقروض وتحويل وصرف وفتح اعتمادات واصدار خطابات ضمان… الخ. ومثل ذلك، كذلك، النقود الورقية التي أصبحت عماد التعامل في هذا العصر ما حكمها؟ ألها حكم النقود المعدنية التي جاءت بها النصوص الشرعية من الذهب والفضة، في كل شيء : في وجوب الزكاة وحرمة الربا، وقضاء الديون وغيرها؟

2- المجال العلمي والطبي : فمما لا ريب فيه أن العلم الحديث قد أثار مشكلات كثيرة تبحث عن حل شرعي وتساؤلات شتى تتطلب الجواب من الفقه الاسلامي وتقتضي من المجتهد المعاصر أن يبذل جهده ويستفرغ وسعه في استنباط الحكم المناسب لها. ومن بين المواضيع التي تتطلب اجتهاداً، زرع الاعضاء، خاصة وأن هذه العملية عرفت تطوراً كبيراً تبعا لتطور الطب. ومن الاسئلة التي يمكن طرحها هنا :

أ- هل يجوز للمسلم الموافقة على نزع اعضاء من جسمه وهو حي لاستعمالها في الزراعة لمصلحة طفلة أو احد أبويه أو اخوته؟

ب- هل يجوز زرع أعضاء الحيوان أو اجزاء منها في الانسان لانقاذ الحياة أو تحسين نوعيتها حتى ولو كان الحيوان خنزيراً، أو جلدا خنزير أو كبد خنزير، أو صمامات قلب خنزير؟

ج- متى يجوز الاعلان عن وفاة الانسان؟ فهذا سؤال مهم في الطب لانه في حالة الاعضاء مثل القلب والكلية فانه يمكن أن يكونا نافعين في حالة استقبالهما كمية كافية من الدم (ارتواء)، ولهذا السبب فان مفهوم (موت الدماغ) قد تطور ويستطيع الطبيب بواسطته أن يحكم فينا اذا كان المريض قد اصيب بجرح حاد في بعض الاجزاء الحيوية من دماغه، أي اذا توقفت الالة التي تحافظ على حياته، فان المريض سيموت حتما. والاعضاء تنزع من شخص كهذا وهو ما يزال حيا بواسطة الالة، ولا توقف الالة أو الجهاز الا بعد نزع الاعضاء المطلوبة.

د- هل يجوز زرع أعضاء غير المسلمين للمسلمين؟ وهل يجوز نقل الدم من غير المسلمين للمسلمين؟(4).

————-

1- عبد المجيد النجار -في المنهج التطبيقي للشريعة الاسلامية- ص : 39-40.

2- يوسف القرضاوي : الاجتهاد في الشريعة الاسلامية ص 96.

3- نفسه ص 97.

4- انظر بتفصيل -نفس المرجع- ص 102 وما بعدها.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>