العـــربية والإعجـــاز


سيتطرق هذا البحث إلى قضية >اللغة العربية والإعجاز< لوجود ارتباط وثيق بين النص القرآني واللغة العربية ومما لاشك فيه أنه لا إسلام بدون قرآن. ولاقرآن بغير اللغة العربية، فالاسلام وحَّد القبائل العربية، تحت راية >لا إله إلا الله محمد رسول الله< جاء هذا التوحيد ضمن جملة موجزة جداً. تلخص مضمون كتاب الله تعالى كما تلخص مضمون سنة رسول الله صلى عليه وسلم. واللغة العربية لغة العرب، والعربُ كلها من ولد إسماعيل وقحطان، وبعض أهل اليمن ومن عدنان تفرقت القبائل من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام و>قريش< أشرف القبائل العربية واختلف في مصدر اشتقاق لفظ >قريش<. فقيل من القَرْشِ بمعنى الجمع والكسب والضم. وقيل : سميت قريش بدابة في البحر يقال لها القِرش لاتدع دابة إلا أكلتها. وقيل : قريش قريشاً من (التقرش) بمعنى : التجمع : وذلك أنهم كانوا متفرقين بظهر مكة قبل قصي بن كلاب فجمعهم فَسُمُّوا قريشاً. وقيل سميت قريش قريشاً باسم رجل يقال له : قريشُ بن مَخلد بن فهر كان صاحب عير. وقريش قسمان : قريش الأباطن وقريش الظواهر ولقريش عامة فضائل كثيرة. ميزها الله بها عن سائر القبائل العربية، فقد وقعت أحداث جسام كان لها الأثر القوي في تميزهم عن غيرهم من القبائل. ومن ذلك : 1-ردُّ هجوم أبرهة الشرم عن الكعبة : (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل...) 2-تسميتهم في الجاهلية (أهل الله) 3-وجود الكعبة الشريفة في أرضهم 4-الرحلات التجارية : (لايلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف....) هذه بعض خصائص قريش في الجاهلية، ولما جاء الله بالإسلام ازداد شرهم : وتضاعف كرمهم،لأسباب منها : 1-ذكرهم في القرآن الكريم، وتسمية سورة باسمهم. 2-وجوداً شرف الخصال الإسلامية فيهم 3-كون النبي صلى الله عليه وسلم من قريش. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : >إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم<(1) وقال أعرابي : >كفى بقريش شرفاً أنهم أقرب الناس نسباً برسول اله صلى الله عليه وسلم وأقربهم بيتا من بيت الله< 4-الفصاحة: أهم خصيصة اختصت بها قريش هي الفصاحة قال ابن فارس : > أَجْمَعَ علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالهم : أن قريشاً أفصح العرب ألسنةً وأصفاهم لغةً. وذلك أن الله جل ثناه اختارهم من جميع العرب. واصطفاهم، واختار منهم نبيَّ الرحمة محمداً صلى الله عليه وسلم فجعل قريشاً قطَّان حَرمه. وجيران بيته الحرام وولاته. فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها. ورقة ألسنتها إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم فاجتمع من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب< (2). لقد تحقق لقريش نفوذ ديني واقتصادي وسياسي مكن هذا كله اللغة العربية أن تصبح لغة الأدب بها ينظم الشعر وتلقى الخطب وترسل الحكم والأمثال. وتدوَّن الرسائل إلا أن قريشاً لم يكن لها قبل الإسلام حظ من الشعر مع أن رجالها كانوا يحكمون بين الشعراء ويفضلون بعضهم على بعض، وكانت العرب تفضل قريشاً بعد الإسلام مثل عمر بن أبي ربيعة، والحارث بن خالد المخزومي، والعرجي، وأبي دهبل الجمحي، وعبيد الله بن قيس الرقيات أقرت لها العرب بالشعر. ولم أجد شاعراً ينسب إلى قريش يعد من أصحاب المعلقات أوالمفضليات أوالأصمعيات (3). ولتعليل هذا قيل لابن المسيب : لم كانت قريش أضعف العرب شعراً. وهي أفصح لساناً؟ فقال : لأن مكان رسول الله منها قطع متن الشعر عنها (4) هذا طبعاً بعد الإسلام، وذهب ابن سلام إلى أن الذي قلل شعر قريش هو أنه لم يكن بينهم حروب وما عندهم من الشعر فيه لين وضعف، وكانت تنكر على شعرائها أن يهجوَ بعضهم بعضاً (5). لقد وصفت الأُمة العربية بالأمية فهي لا تدري ما الكتابة ولاالخط، وبذلك وصفهم الله تباك وتعالى في قوله : (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم)الجمعة: 2. ولما جاء الإسلام كان النبي صلى الله عليه وسلم عربيا من قريش وهي أفصح القبائل العربية. والرسول هو أفصح العرب على الإطلاق فقد رووا عنه قوله(6) : >أنا أفصح العرب بيد أني من قريش وأني نشأت في بني سعد بن بكر< وسعد من بين قبائل العرب مخصوصة بالفصاحة وحسن البيان وكان النبي صلى الله عليه وسلم مسترضعا فيهم. وظئره حليمة السعدية. هي التي تسلَّمته من عبد المطلب فحملته إلى المدينة. فكانت ترضعه وتحسن تربيته ولما ردته إلى مكة نظر إليه عبد المطلب. وأعجب بفصاحته وقيل(7): جمال قريش وفصاحة سعد وحلاوة يثرب. وفيهم قال أبو عمرو بن العلاء : أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم. وارتفعت قريش في الفصاحة وكانت أجود العرب انتقادا للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن كان العرب فيهم الفصحاء والبلغاء. اشتهر رجالها بالشعر والخطابة لهم المعلقات والمذهبات والمجمهرات ظهر من بينهم الشعراء الفحول، مثل امرئ القيس وزهير والنابغة الذبياني والأعشى ووجدت لهم الأندية الأدبية : فأم جندب تحكم بين امرئ القيس وعلقمة وطرفة بن العبد ينقد شعراً للمتلمس والنابغة الذبياني تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ يجلس فيها للحكم بين الشعراء فتأتيه وتعرض عليه أشعارها وزهير والنابغة قريبا عهد بالإسلام فزهير ابنه كعب والنابغة حاكم حسان بن ثابت وكلا من كعب وحسان من شعراء النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى هذا ان العرب في هذه الفترة كانوا أقوى لغة وأفصح أسلوبا ووصف القرآن الكريم لغتهم وفصاحتهم في العديد من الآيات وبين مكانتهم اللغوية والأدبية قال تعالى :(فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حدادٍ)(9) وقال : (ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام)(10) وقال : (لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدّا)(11) وقال (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون)النحل 4. فهذه الآيات تصف مكانة قريش اللغوية وفصاحتهم وبلاغتهم ونرى ذلك في أشعارهم ومناقضاتهم ومصارفاتهم. لهم في هذه الفنون مواقف معروفة وأخبار مشهورة. كانوا يتنافسون على الفصاحة والخطابة والذلاقة ويتفاخرون بذلك فيما بينهم.قال الجاحظ(12) : >بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم اكثر ما كانت العرب شاعراً وخطيباً وأحكم ما كانت عدة…< فقد كان شعراء العرب قبيل الإسلام ينافر بعضهم بعضا ويعارض بعضهم بعضا ويناقض بعضهم بعضا ويتنافسون فيما بينهم على الفصاحة والخطابة ولايجوز والحالة هذه أن يتغافلوا عن معارضة القرآن لو كانوا قادرين عليه أو لم يتحداهم إليها فقد حكى الله تعالى عنهم قولهم (قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا) فما الذي كان يمنعهم فقد تحدوا غير مامرة وثبت أن القرآن الكريم طاول العرب وتحداهم وتنازل لهم كل مرة وكان ذلك على مراحل : تحداهم بالقرآن كله ثم تنازل لهم عن التحدي بجميع القرآن إلى التحدي بعشر سور مثله، ثم تنازل لهم إلى التحدي بسورة واحدة من مثله. والاتيان بمثل القرآن كله او بأقصر سورة من قصار السور لم يكن في مقدور أحد من البشر والمتأمل في أسلوبه تتبين له البراعة في أكثره ويخفى وجهها في مواضع أخرى لقصور الإنسان عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق. لهذا قامت الحجة على العالم بالعرب إذ كانوا أرباب الفصاحة وإذا عجز العربي الفصيح فغيره أعجز. ولما كان التحدي وقع بسورة واحدة واقصر سورة تشتمل على ثلاث آيات وعدد آيات القرآن الكريم نحو ستة آلاف ومائتي آية فإن كتاب الله تعالى يشتمل على آلاف المعجزات لامعجزة واحدة كما يظن بعض تتمة الموضوع في ص 11 الناس وهو بهذه المعجزات الكثيرة قد كتب له الخلود فلم يذهب بذهاب الأيام ولم يمت بموت الرسول صلى الله عليه وسلم. بل هو قائم يتحدى كل منكر. ومن هنا يظهر الفرق بين معجزات نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم ومعجزات إخوانه الأنبياءفمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم متمتعة بالبقاء إلى اليوم وإلى مابعد اليوم بعضها يكشف عنه العلم الحديث وبعضها يكشف عنه التاريخ الحديث وبعضها يكشف عنه علم اللغة واللسانيات... أما معجزات سائر الرسل فقد انقرضت بانقراض أعصرهم ولم يشاهدها إلا من حضرها. اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون معجزة الرسالة الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم هي القرآن وهو كتاب يخاطب جميع الناس قال الله تعالى : (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً) سبأ:28 وقال (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) الأعراف 158، فالقرآن خطاب للأبيض والأسود والعربي والعجمي. يخاطب الجميع باللغة العربية : (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) يوسف :2، إلا أن إعجازه لم يكن مقصوراً على الإعجاز البياني وحده بل هو إعجاز يواجه جميع نواحي النشاط الإنساني وما أكثر وجوه الإعجاز وقد وقف العلماء مبهورين أمامه. فمن أي جانب يحددونه؟ منهم من حدده من الجانب التشريعي، ومنهم من حدده من الجانب العلمي، ومنهم من حدده من الجانب البلاغي. يقول الباقلاني(13) : >وجه إعجازه ما فيه من النَّظْمِ والتأليف والترصيف. وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب ومباين لأساليب خطاباتهم<وهو كلام عام يحدد الإعجاز من الناحية اللغوية فقط ولم يشمل هذا التحدي جوانب حياة الإنسان المتعددة وقال السكاكي (14): >إن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولايمكن وصفه. كاستقامة الوزن. تدرك ولايمكن وصفها< وقال أحد العلماء وقد سئل عن موضع الإعجاز من القرآن : >هذه مسألة فيها حيف على المفتي وذلك أنه شبيه بقولك : ما موضع الإنسان من الأنسان؟<(15). وقال الخطابي في كتابه >بيان إعجاز القرآن< : >إن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة لكن لما صعب عليهم تفصيلها صغوا فيه إلى حكم الذوق والقبول عند النفس< وكل هذه العبارات لا توضح ولاتبين مكان الإعجاز بدقة ليتعرف الدارس على مواطن الإعجاز ومن ذلك : أولا- تأثير القرآن في النفوس : لما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن المبين انقسم الناس إزاءه إلى قسمين : القسم الأول :قوم آمنوا لسماع آية من القرآن الكريم نذكر منهم : 1-عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تروي كتب السيرة أنه قرأصدراً من سورة طه فأسلم وقال :>فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام< وفي رواية أنه كان يعس المدينة فسمع رجلا من المسلمين يقرأ : (بسم الله الرحمان الرحيم والطور وكتاب مسطور في رقٍّ منشور والبيت المعمور والسَّقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع) قال قسم ورب الكعبة حق فنزل عن حماره واستند إلى حائط فمكث ملياً ثم رجع إلى بيته فبقي شهراً يعوده الناس لا يعرفون ما هو مرضه! 2- جبير بن مطعم : ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في مسألة أسرى بدر فوجده يقرأ : (والطور فلما قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم فيها (إن عذاب ربك لواقع) قال جبير : فكأنما صدع قلبي فأسلمت خوف العذاب. ماهو سر الإعجاز هنا؟ 3-تروي كتب السيرة أن سعد بن معاذ كان سيد قبيلة الأوس سمع بمصعب بن عمير وعبد الله ابن أم مكثوم أتيا من مكة إلى المدينة وصارا يعلمان الناس القرآن فأرسل إليهما بن أخيه أسيد بن حضير ليطردهما فذهب ثم رجع إليه مسلماً فغضب وثارت ثورته وذهب بنفسه لطرد مصعب فلما رآه وسمع منه أسلم وجمع قبيلته وقال لهم : كلام رجالكم ونسائكم علي حرام إن لم تسلموا فأسلمت القبيلة عن آخرها ثانيا – قوم عاندوا وجاهدوا لما سمعوا القرآن الكريم، نذكر منهم : 1-جماعة من قريش خرجوا يتسللون ليلا، ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو يصلي ليلا في بيته وفي الصباح التقوا في الطريق صدفة فافتضح أمرهم ولام بعضهم بعضا وتكرر ذلك منهم في المرة الثانية والثالثة. 2-قوم من قريش. قالوا : قد التبس علينا أمر محمد. فلو التمستم رجلا عالما بالسحر والكهانة والشعر فكلمه واختاروا عتبة بن ربيعة وكان رجلا حسن الحديث عجيب البيان بليغ الكلام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد وعرض عليه أموراً ولما انتهى من كلامه قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم : (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً…) فلما بلغ إلى قوله : (فإن آعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود) أمسك عتبة على فم الرسول صلى الله عليه وسلم وأنشده الرحم أن يكُُفَّ عنه وفي رواية أخرى : فلما سمعها عتبة أنصت لها وألقى يدَيْه خلف ظهره معتمداً عليهما.. ولما رجع إلى أهله أخبر قريشاً فقال لهم : قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولابالكهانة. 3-الوليد بن المغيرة : كان سيد قريش وأحد فصحائها لما سمع القرآن أخرس لسانه وظهر عجزه ورد على قريش رأيها فقال لهم : والله ما هو بكاهن والله ما هو بمجنون والله ما هو بشاعر وما هو بساحر ثم قال لهم : والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه ليعلى ولايعلى عليه ثم أدركته حمية الجاهلية وقال : إن أقرب القول أن تقولوا : ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته. …………………………………….. 1- شرح العقيدة الطحاوية ص 160 2- الصاحبي ص 33 والمزهر 1/210 والبرهان 1/264 3- الاغاني 3/309 4- سماط اللآلئ 2/645 5- طبقات فحول الشعراء 6- الصحبي ص 41 7- ثمار القلوب ص 28 8- المزهر 1/211 والبرهان 1/283 9- الاحزاب 19 10- البقرة 204 11- مريم 97 12- الاتقان في علوم القرآن 4/5 13- البرهان في علوم القرآن 2/98 14- م ن 2/100 15- م ن 2/101

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>